آخر تحديث: الثلاثاء 18 يناير 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
الاضطراب والقلق من أمراض العصر

الاضطراب والقلق من أمراض العصر

تاريخ الإضافة: 2009/05/15 | عدد المشاهدات: 3353

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

ما أظن أننا اليوم نسمع كثيراً كلمات تعبر عن طمأنينة واستقرار، بل لقد غدونا نسمع من الصغير والكبير كلماتٍ تعبر عن القلق والاضطراب، تسأل الصغير فيقول لك بعبارته الصغيرة إنه غير مرتاح، وتسأل الكبير وإذ بجوابه كجواب الصغير ليس مطمئناً ولا مستقراً، وتسأل الرجل والمرأة فالجواب يكاد يكون من منبع واحد، وتسأل المسؤول والجواب نفسه، وتسأل الفقير فيعطيك ما أعطاك إياه ذاك الإنسان الذي سألته أولاً وابتداءً، وتسأل الغني كذلك، وأنا أسأل نفسي: لمَ هذا الاضطراب والقلق، وكيف يمكننا أن نرتاح وأن يكون الواحد منا مطمئناً غير قلق ولا مضطرب ؟

فكرت في هذا يوم أمس بعد أن سألت عدداً من الأشخاص السؤال الذي قلته ابتداءً، كيف حالك ؟ الجواب من هؤلاء الأشخاص الذين سألتهم كان واحداً (تعبان) لماذا لا تستقر ؟ لماذا لا تستقر ؟ يقولون: كيف نطمئن، كيف نستقر، الدنيا كلها في حالة اضطراب وفي حالة قلق ؟ خطر ببالي أن أجعل من جوابي لهم خطبة لهذا اليوم، فكرت ملياً فخلصت إلى ما يلي: قلت إذا أراد الإنسان أن يرتاح وأن يكون مطمئناً ومستقراً فليعمد إلى:

أولاً: أن يكون منسجماً مع ذاته، ألا يجعل الصراع بين ظاهره وباطنه، أن يستجيب لنداء فطرته، أنت تعيش حالة صراع بين داخلك وظاهرك، بين وهمك وحقيقتك، تغيب الحقيقة عنك في أغلب الأحيان ويبقى الوهم يسيطر عليك، والوهم يقلق ويتعب، أنت أسير وهمك، أنت لا تفكر في أن تعمل بما يملي عليك ضميرك، وضميركَ هو صوت الله فيك، ولكنك تفكر أن تعمل ما يملي عليك وهمك، ما تريد من الناس أن يروك عليه، حتى ولو كان هذا الذي يريده الناس منك يخالف طبيعتك، يخالف فطرتك، يخالف حقيقتك، لكنك ممعن في أن تستجيب للسَّراب وأن تُعرض عن الماء الزلال، أنت ممعن في أن تكون غير منسجم مع ذاتك، تقف أمام الإنسان لتستجدي منه كلمة مدح، تقف وتفعل ما تفعل من خير رجاء أن يقول لك هذا الإنسان الذي أمامك كلمة مدح حتى ولو كانت من لسانه، أما أن تعتمد على ما يقول لك داخلك فأنت في إعراضٍ عن ذاك وأنت في جفاءٍ عن ذلك، فيا أخي انسجم مع ذاتك، انسجم مع ما يملي عليك ضميرك. قرأت عباراتٍ تُنسَب لابن عطاء الله السكندري رحمه الله في كتابه المعرف المشهور: "الحِكم" فأعجبتني حكمتان أما الأولى فتقول: "العاقل لا يترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس". وهناك حكمة أخرى تقول: "الناس يمدحونك لما يظنونه فيك، فكن أنت ذاماً لنفسك لما تعرفه عنها".

لماذا تعيش هذا الاضطراب ؟ لماذا تريد أن يكون لك وجهان ؟ الوجهان متعبان، ليكن لك وجهٌ واحد، ولتستمد معالم هذا الوجه من ربك، من فطرتك، من خالقك، لكننا إن تكلمنا اليوم عن ذي وجهين فإننا نتكلم عن نادر، لأن الناس اليوم أصبحت لهم وجوهٌ كثيرة، صرنا نحتمل ذا الوجهين لكن الوجوه كثرت وكثرت، فأنتَ تعيش بألف وجه، كلنا ذاك الرجل الذي يعيش بألف وجه، وهذا مُتعِب، وهذا مُقلِق، وهذا مُضنٍ، فيا أخي بالله عليك إلا أرحت نفسك وكان لك وجهٌ واحد، وكان لك تطلع واحد، وكانت لك غاية واحدة، وكانت لك جهة واحدة، أتريد أن تتعرف على هذه الجهة ؟ الله َ قُلْ، ورحم الله ابن عطاء حينما قال: "ماذا وجد من فقدك، وماذا فقد من وجدك ؟" إن وجدت ربك وجدت كل شيء وإن فقدت ربك فقدت كل شيء. ليكن لك وجهٌ واحد ووجهة واحدة هي الله، توجه إلى ربك وقل لربك ما قاله سيد الخلق محمد صلى الله عليه وآله وسلم: (إن لم بك غضبٌ علي فلا أبالي). يا رب أنت الذي أسعى إلى إرضائك، يا رب أنت مقصودي ورضاك مطلوبي، يا رب أنت وحدك من أسعى من أجل أن أكون مرضياً عنده. انسجم مع ذاتك.

الأمر الثاني: أريدك أن تنسجم مع الكون، الذي يشكل البيئة، كن منسجماً مع الجمادات، أسمعتَ إلى ما تقوله الجمادات من رب الجمادات ؟ هل تعلم ما تقوله الجمادات ؟ الجمادات تسبح الله هكذا قال الله الذي خلقها: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ فانسجم مع الكون وسبح ربك من أجل أن تطمئن من أجل أن تستقر، هذا الذي تجلس عليه، هذا الذي تستظل به، هذا الذي يضيء... كل ذلك يسبح الله، فلماذا أنت تشكّل اللحن النَّشاز في منظومةٍ لحنيةٍ منسجمة رائعة متكاملة متناغمة، انسجم مع الكون يا هذا، قال مرة سيدنا الإمام علي كرم الله وجه عن رجل رآه يعبد الأصنام:

عَبَدَ الحجارةَ من سفاهةِ رأيه                  وعبدتُ رب محمدٍ بصوابِ

لا تحسبُنَّ الله خاذلَ دينِهِ                      ونبيِهِ، يا معشرَ الأعراب

أنت تعبد صنماً والصنم بحدِّ ذاته يُسبح الله، والصنم بحد ذاته ييسج لله، وأنت أعلى وأرقى من هذا الصنم فكيف تسمح لهذا الصنم أن يتفوق عليك ليعبد الصنمُ اللهَ وأنت تعبدُ الصنم ؟

عَبَدَ الحجارةَ من سفاهةِ رأيه                  وعبدتُ رب محمدٍ بصوابِ

لا تحسبُنَّ الله خاذلَ دينِهِ                      ونبيِهِ، يا معشرَ الأعراب

الأمر الثالث: قوِّ انتماءك وارتباطك بالقوة العظمى، أتريد أن ترتاح ؟ إذن قوِّ ارتباطك بالقوة العظمى، قرأت حديثاً وأنا أبحث عن أدلةٍ ومستندات لهذا الذي أتكلم، فوجدت حديثاً يرويه ابن أبي الدنيا وتأكدت من سنده فكان حسناً، يقول فيه سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولنسمع إلى قدوتنا وأسوتنا صلى الله عليه وآله وسلم، فمن أراد أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، يقول رسول الله عن ربه: (ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غِنىً، وأسد فقرك) فيا أخي قوِّ ارتباطك بربك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلاً، وهماً، كحالنا اليوم، سلوا الصغير سلوا الكبير، الكل مشغولٌ وقلق ومضطرب، دليلٌ هذا على أن الشغل ليس بجادّ ولا جيد لكننا مشغولون بأوهام، قلت لكم على هذا المنبر: الواحد منا يفكر بوليمة يريد أن يدعو إليها أقرب الناس، يفكر بذلك تفكيراً مضطرباً أسبوعاً كاملاً، ماذا يفعل ؟ لأنه دعا أخاه لتناول الغداء أو العشاء ففي كل يومٍ بينه وبين زوجته حديث ساعة، وربما امتد أكثر من ذلك، لكنه في النهاية يريد أن يحسم الأمر ماذا سيفعل من طعامٍ لأخيه ؟ وينشغل في اليوم الأول والثاني والثالث والرابع.. وقلت لكم وبكل بساطة الواحد فينا، التاجر الصغير الشاب، لا يفكر بتجارته، وكيف يجب أن تكون حلالاً، لكنه يفكر في أن يتعرف على الضابط الفلاني وعلى المسؤول الفلاني، وهذا سيجعله مضطرباً قلقاً، كيف سيدبّر لقاءً مع هذا المسؤول وذاك الضابط.. وهذا يأخذ منه وقتاً ويعطيه بدلاً من الوقت همّاً وغمّاً، يعطيه قلقاً، يعطيه تضييعاً، وهكذا غدا أكثر تجارنا الصغار، تنظر إلى التاجر ابن التاجر (الراكز) كما يقال وإذ بك تراه يبحث عن سراب، يريد أن يتعرف على هذا وعلى ذاك، ويريد أن يقضي ليلته هنا أو هناك، ويريد أن يسهر وأن يُسهّر على حسابه الضابط الفلاني والمسؤول الفلاني، حتى إذا ما وقع بأمرٍ ما استنجد بصاحبه، وهو ينسى الله، ينسى ربه، وهذا الذي تَصرِف عليه يا أيها التاجر ورب الكعبة إنه ليتبرأ منكَ كما يتبرأ الشيطان من أتباعه يوم القيامة: ﴿إذ تبرأ الذين اتُبعوا من الذين اتبَعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب﴾.

يا هذا، قوِّ صلتك بربك يا أيها الصغير، يا أيها الكبير، هذا الوقت الذي تقضيه في التعرف على مسؤول، لو أنك قضيت نصفه أو ربعه أو خمسه أو سدسه في عبادة لربك لشعرت بالقوة والطمأنينة والراحة، فهلا وقفنا عند هذا الحد، وآمل ألا نتابع المسير في طريقٍ ستفضي بنا في النهاية إلى قلق وضياع ودمار وخراب، وها هي بشائر الدمار والخراب قد بدت وعلت وظهرت في الأفق، وأصبحت تلوح، فلم يعد التاجر تاجراً كما كان التاجر، ولم يعد الطالب طالباً كما كان الطالب، ولم يعد المدرس مدرساً كما كان المدرس، وهكذا دواليك.

بالإضافة إلى كل هذا، فإن هذا الذي ينسجم مع ذاته وينسجم مع الكون ويقوي صلته بربه وبخالقه وبالقوة العظمى سيطمئن أكثر وأكثر إلى المصير وسيكون مصيره، كما قال ربي عز وجل: ﴿يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي﴾ سيكون مصيره مصير اطمئنان، مصير استقرار، مصير راحة، مصير رضى، فماذا تنتظرون ؟ اليوم خمر وغداً أمر، اليوم عمل وغداً حساب، وبالتالي من عمل في هذه الحياة عملاً صالحاً كان فيه منسجماً مع ذاته، منسجماً مع ضميره، منسجماً مع الكون، منسجماً مع ربه، ويقوّي من خلاله صلته بربه سيكون يوم القيامة من المتقين، والمتقون يوم القيامة: ﴿إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر﴾ أما الواهمون ففي القيامة سيكونون أيضاً واهمين، لأن الوهم عذاب وسيعذب الواهمون في الدنيا لأن الوهم عذاب يا ناس، أسألكم وأسأل نفسي أن نَرْعَوي، فقد آن الأوان أن نفكر وأن نمحص هذا الذي نؤمن به، إن سألتك أأنت مؤمن ؟ الجواب: نعم، بمن تؤمن ؟ أومن بالله. ماذا تُقدِّم لهذا الإيمان وما الدليل على هذا الإيمان، إذا كانت كل أعمالك وكل أقوالك لا تنتمي لهذه المقولة التي تعرب عنها والتي تقولها والتي تذكرها، هل أنت مؤمن، واعذرني إن قلت هذا لأننا نتكلم اليوم عما يخالف الوهم عن حقيقة، وأسأل الله أن نكون من أهلها، أن نكون من أهل الحقيقة، واقرؤوا، "والشيء بالشيء يذكر كما يقال" اقرؤوا ما كتبه السيد أحمد الرفاعي رحمه الله في كتابه "حالة أهل الحقيقة مع الله"، اقرؤوا ما كتبه هذا الرجل الولي الصادق فستجدون في هذا الكتاب شيئاً جميلاً نافعاً مفيداً يفيدنا من أجل أن نتحقق بالحقائق، وأن نكون عن الوهم بعيدين جداً.

يا رب أسألك بحق محمد وحقيقة محمد، أن تجعلنا مطمئنين مستقرين، أن تجعلنا من أولئك الذين لا يملكون إلا وجهاً واحداً وجهته أنت، يا رب العزة يا إلهنا يا رجانا، بحق محمد وآل محمد، تولَّنا وأعطنا وامنحنا وأعزنا، فالعزة منك لا من سواك، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 15/5/2009

التعليقات

شاركنا بتعليق