آخر تحديث: السبت 04 ديسمبر 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
عوامل الاطمئنان في زمن الاضطراب

عوامل الاطمئنان في زمن الاضطراب

تاريخ الإضافة: 2007/05/04 | عدد المشاهدات: 3866
أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون: خطر ببالي أن أسأل نفسي وأن أسأل أفراداً من مجتمعي الذي أعيش فيه، وأن يكون هؤلاء الأفراد في سن مختلفة، أن أسأل شيخاً وكهلاً وشاباً وطفلاً...، والسؤال هو: هل عصرنا الذي نعيش فيه هو عصر اضطراب وفوضى وفساد، أم هو عصر راحة واطمئنان واستقرار وصلاح وهدوء ؟ أعتقد أنني لو سألت هذا السؤال هؤلاء الأصناف من المجتمع، لكان الجواب منهم جميعاً: بأن العصر هذا عصر اضطراب، عصر قلق، عصر فوضى، عصر ممهور بخاتم الفساد، أعتقد أن الجواب سيكون هذا من قِبل كل أولئك الذين سنسألهم. خطر ببالي هذا السؤال وأنا أسمع نبأ من جملة الأنباء عن مقتل سبعة أشخاص وجرح ثلاثين آخرين وهم يتدافعون لحضور أمسية غنائية في دولة تونس، قتل سبعة أشخاص وجرح ثلاثين والغاية طرب، والغاية بَثُ نوع من الهدوء في النفس من خلال سماع الأنغام والموسيقا  والغناء كما يقولون، أعدت الكرَّة في قولي: إذا كانت حضور حفلة غنائية موسيقية نغمية يُسفر عن مقتل و... فعلى الدنيا السلام. أقول هذا وأردده في شجون وأسى، لأن شبابنا العربي والمسلم في حالة انفعال غير متوازنة، فهو إما إلى اليسار من أجل حفلة طربية قاتلة، أو إلى اليمين من أجل معركة جهادية يقتل بها المسلمون بعضهم بعضاً، الانفعال هنا يساري مضطرب وقلق ومقلق، والانفعال هناك يميني مضطرب مزعج، أعود لأقول وأجيب هؤلاء ونفسي: إذا كان عصرنا ووقتنا وقت اضطراب وقلق فبمَ تنصحني ؟ أسأل هذا السؤال لنفسي لأجيبها، أقول لها ولأخواني في مجتمعي والمجتمعات العربية ولهؤلاء المنفعلين من أجل حفلة نغمية، أو من أجل قتال لا يعرفون فيه الأهداف والغايات النافعة: إن أردت الاطمئنان والاستقرار إلى حدٍ ما، كونوا من الساجدين ﴿فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين﴾ كن يا أيها الأخ اليساري واليميني، كن يا أيها الإنسان المضطرب وأنت تنتمي إلى الإسلام المطمئن: كن من الساجدين. فيا إخوتي ويا أبناء أمتنا وبلدنا كونوا من الساجدين، إلى الصلاة، إلى الاستغفار، إلى قراءة القرآن الكريم بتدبر وتمعن، من أجل أن تستقر أفئدتكم ومن أجل أن تطمئن قلوبكم، ومن أجل أن تهدأ عقولكم لتفكر بشكل صحيح، ومن أجل أن تكون في المسار السليم أجسادكم، ومن أجل أن نكون معاً على خطة تعود على بلادنا بالنفع وعلى أمتنا بالخير وعلى الإنسانية كلها بما يمكن أن يحقق الإنسان من خلاله السعادة والسرور. يا هؤلاء جميعاً: ورب الكعبة إن أردتم توازناً لانفعالكم واطمئناناً لعقولكم واطمئناناً لقلوبكم، فإني لكم ولنفسي ناصح، كونوا من الساجدين. يا من تقلق من أجل مستقبل يتعلق بدراستك، يا من تبحث عما به تحاول أن تُهدِّأ تفسك وروحك، أدعوك إلى سجدة لربك، أدعوك إلى صلاة من خلال هذه الصلاة ستحصد طمأنينة واستقراراً، لا أريدك أن تصلي الفرض فحسب بل أن تصلي النوافل، وأن تكثر من هذه الشعيرة من هذه التي جعلها الله عز وجل صلة بينك وبينه، فإذا ما كانت الصلاة صلة بينك وبين ربك فإنك عندما تتصل بربك ستكون مطمئناً، عندما تتصل بربك ستكون مستقراً، عندما تتصل بربك ستكون وفق فطرتك التي فطرك ربك عليها، وفطرتك لن تجلب لك إلا السعادة والاستقرار والهدوء والحبور، فيا أمتي كوني من الساجدين، إلى صلاة تجلب لكم استقراراً، وإلى استغفار يجلب لكم رفقاً واطمئناناً، وإلى قراءة للقرآن الكريم تحصلون منها الحب والرحمة والعطاء. هل تقرؤون سيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ؟ هل يمكن أن نقول عن سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنه كان قلقاً مضطرباً مُرعَباً خائفاً ؟ أم إن نبينا عليه الصلاة والسلام كان مطمئناً مستقراً ؟ وكان في داخله شجاعاً قوياً، كان يمضي كالسيف الذي يمضي للحق ونصرة والحق، اقرؤوا ما يتعلق بصلاة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنكم سترون أنه في الصلاة صلى الله عليه وآله وسلم استقر قلبه وفؤاده وعقله ولقي اللذة والسرور والسعادة والطمأنينة ؟ أو ليس هو من قال صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في سنن أبي داود: "أرحنا بها يا بلال" إذا كنتم تحبون نبيكم وتثقون بنبيكم وتنظرون إلى نبيكم على أنه أسوة وقدوة وأنتم في حالة دعة وفوضى وقلق، قولوا: أرحنا بها يا بلال، أرحنا بها يا فلان، قوموا فصلوا لربكم في ليلكم ونهاركم، قوموا فاجعلوا من الصلاة وسيلة لاستقراركم واطمئنانكم، يا من يُحكم عليكم بأنكم فوضويون والحال تُصدِّق هذا الحكم، أو ليس النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال كما في سنن النسائي: "وجعلت قرة عيني في الصلاة". أيها الشاب: هل قُرَّة عينك في الصلاة ؟ هل تصلي ركعتين إذا حزَبك أمر من غير الفريضة ؟ هل تصلي ركعتين من غير الفريضة إذا أردت استخارة واستشارة ؟ هل تصلي ركعتين وأنت ذاهب للامتحان من أجل أن تكون في الامتحان مستقراً ؟ هل تصلي ركعتين وأنت مولٍّ وجهك نحو زواج ؟ هل تصلي ركعتين وأنت تذهب إلى متجرك صباحاً لتقول: اللهم أغنني بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك ؟ هل تصلي ركعتين أيها المسؤول في الدولة هنا وهناك ؟ وصلاة الركعتين ليست لفائدة ربك، فالله لن ينال اللحوم ولا الدماء، ولكنك أنت الذي ستحصد فائدة هذه الصلاة، لقد كثر الطب النفسي في بلادنا وفي بلاد الغرب، وإذا ما ذهبت إلى طبيب نفسي ونصحك بالأمر الفلاني والأمر الفلاني فإنك ستفعله بغض النظر عن بحثك عن توابعه وعن منطلقاته العلمية وعن جذوره الفلسفية، وأنا أنصحك من خلال الرسول محمد، أنصحك وأنصح نفسي بصلاة ركعتين من غير الفريضة، ألم يقل: "وجعلت قرة عيني في الصلاة". أو ليس النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقوم يصلي حتى تتورم قدماه، والقصة معروفة ونردده وترددونه أنتم بكلامكم وأقلامكم، والسيدة عائشة كأنها  كانت تقول: لمَ هذا وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ وإذ بسيدي الرسول يقول: "أفلا أكون عبداً شكوراً" أفلا تكونون أنتم يا إخوتي عباداً شاكرين ؟ لمَ لا تكونون شاكرين وها أنتم تأكلون وتشربون وتسرحون وتمرحون ؟ وها أنتم أؤلاء من كثرة فرحكم الذي لا يمت إلى الدين بصلة أصبحتم قلقين، لماذا لا تعودون إلى ساحة الأمان عندما تعودون إلى الصلاة، عندما تعودون إلى الدعاء، عندما تعودون إلى الوقوف بين يدي ربكم جلت قدرته مستغفرين. دعوتكم إلى الصلاة وها أنا أدعوكم إلى الاستغفار، فرسولكم كان يقول كما جاء في البخاري: "وإني لأستغفر الله في اليوم وأتوب إليه أكثر من سبعين مرة"، استغفروا ربكم عقب صلواتكم، لمَ لا تمسك سبحة في يدك وتقعد في بيتك في غرفتك لتقول: استغفر الله من قلبي. استغفروا ربكم، أو ليس نبيكم كما جاء في البخاري كان يقول: "اللهم اغفر لي ذنبي كله، دِقَّه وجُلَّه، آخره وأوله، سره وعلانيته" لمَ لا تستغفر ربك ؟ هل أنت خالِ الوفاض من الذنوب والآثام ؟ الاستغفار يجعل منك إنساناً متوازناً ينهل قلبه من الرحمن الرحيم من الغفور الودود تطلب منه أن يزيل عنك الأدران والذنوب والآثام، نحن مثقلون بالخطايا والآثام ولذلك ارفعوا الأثام عنكم من خلال استغفار صادق واعٍ لربكم جلت قدرته، ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً﴾، أدعوكم إلى الصلاة، إلى الاستغفار، إلى قراءة القرآن الكريم، فقراءة القرآن الكريم تطمئنك وتجعلك في حالة مستقرة، تجعلك في حالة لا تمت إلى الشقاء بصلة، ولا تمت إلى الاضطراب والفوضى بصلة، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ينام حتى يقرأ السجدة والزمر وتبارك والإسراء كما جاء في الترمذي بسند حسن، فلمَ لا تقرأ تبارك على سبيل الأقل فستستقر وستبني صلة مع كلام الله ؟ كم قلت مرات ومرات: نحن بحاجة إلى صلة وقراءة وتدبر، صلوا واستغفروا ربكم واقرؤوا القرآن الكريم، سيدنا عمار بن ياسر رضي الله عنه كما في مجمع الزوائد بسند حسن كان يقول: (رأيت حبيبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يصلي بعد المغرب ستاً) وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في مسلم يصلي الضحى أربعاً ويزيد ما شاء الله. أتريدون استقراراً من غير سلوك سبيله ؟ أتريدون اطمئنان من غير طرق مسالكه ؟ أتريدون أن نكون أمة تستقر وتنجز بأمان واطمئنان وسبعة أشخاص قتلوا من أجل حضور حفلة طربية ؟ أتريدون لأمتي أن تكون راقية ونحن نفعل بأنفسنا ما نفعل ؟ أتريدون أن نكون أمة مستقرة وبعضنا يقتل بعضاً هنا وهناك وما من يوم يمر إلا وكذا قتيل وجريح هنا هناك ؟ وبعد ذلك هل تريدون وعبر أفعال بسيطة تنتسب إلى الخير باستحياء أن تخاطَبوا على أنكم الأمة المنتظرة ؟ وهل تريدون أن تخاطبوا على أنكم صناع الحضارة ؟ من الذي قال بأنكم تصنعون الحضارة اليوم ؟ أنتم لا تصنعون إلا التعاسة والضياع والفوضى ؟ فلنستحِ نحن نريد أن نعود إلى ديننا، إلى ما به نستقر وتستقر أفئدتنا، لنعود إلى فرائض ربنا، لنقول له: لبيك اللهم لبيك، لبيك طاعة يا رب، نريد أن نعود لنقف أمام ربنا معلنين الامتثال لأوامره، معلنينن بأننا مصممون على اجتناب النواهي، لا تتكلموا كلاماً أكبر منكم ولا توهموا أنفسكم وتوهموا الأمة حولكم بأنكم في يقظة وأنكم في صحوة، لا ، لسنا في صحوة حتى وإن امتلأت مساجدنا في رمضان أو في بعض الأحيان، حتى وإن كانت هناك بعض القنوات التي تبث دروساً قد لا تنتسب إلى العلم وإنما تنتسب إلى العلم انتساباً مشبوهاً وانتساباً لا يمت إلى التوثيق والتحقيق بصلة، لا تفرحوا لهذا، ولا تجعلوا من هذا دافعاً إلى أن تركنوا وتطمئنوا قائلين: الأمور بخير. أنتم تقولون هذا انهزاماً من العمل والواجبات الملقاة على عاتقنا، أين تورم القدمين ؟ أين قراءة الإسراء والسجدة والزمر وتبارك ؟ أين صلاة ست ركعات بعد المغرب ؟ أين الاستغفار يخرج من أفواهكم وقلوبكم ؟ إني لأرى غياباً عن هذه المسببات والموصلات للاطمئنان وبعد ذلك نريد أن نصنع حضارة من خلال استيراد بعض الكلمات البسيطة لا أكثر ولا أقل، ومن خلال شحن بعض هذه المصطلحات بالأمثلة الخافتة الباهتة من واقعنا اليوم ؟ أتريدون أن تصنعوا حضارة وأنتم بعيدون عن ربكم البعد الواضح الجلي من خلال ابتعاد عن صلة واضحة مبنية على الحب والقنوت والطاعة والاستسلام لرب العزة جلت قدرته ؟!. اللهم إني أسألك بنورك العظيم أن ترد شباب أمتنا وأن تردنا جميعاً إلى دينك رداً جميلاً، أسألك يا رب أن تجعلنا من المصلين المستغفرين القارئين لكتابك الكريم، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت، أقول هذا القول وأستغفر الله. ألقيت بتاريخ 4/5/2007  

التعليقات

أحمد عليّان

تاريخ :2007/05/07

جزاكم الله خيرا على هذا الجهد الواضح للارتقاء بالفكر العربي

أحمد عليّان

تاريخ :2007/05/07

جزاكم الله خيرا على هذا الجهد الواضح للارتقاء بالفكر العربي

نادر ناصر

تاريخ :2007/05/10

هذه الخطبة تدل على العلم الراقي والفكر العميق الذي يفتقر إليه أبناء المسلمين

شاركنا بتعليق