آخر تحديث: السبت 04 ديسمبر 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
من عوامل الاطمئنان

من عوامل الاطمئنان

تاريخ الإضافة: 2006/10/20 | عدد المشاهدات: 3897

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون الصائمون المصلون القائمون:

قل لي ما الذي تنشده من عبادتك ؟ ها أنت تصوم، تصلي، تقوم الليالي. ما الذي تنشده من عبادتك ؟ أعتقد بأنك ستجيب بما يلي: ما أنشده من عبادتي ربي عبر الصلاة والصيام والقيام والدعاء هو أن يغفر لي ربي وأن يسامحني وأن يتقبل مني ربي، فإذا تقبل عفا وسامح وغفر.

لكنني أعتقد بأنك ستقول بأن هناك أمراً آخر أنشده من العبادة، وها أنا ذا أقوله لك وأعتقد بأنك ستصدقني وتوافقني. ألا تنشد من العبادة راحة ؟ ألا تنشد من العبادة استقراراً واطمئناناً ؟ ألا تنشد من العبادة ثبات جنان ؟ ألا تنشد من العبادة استقرار فؤاد ؟ لماذا قمت البارحة ؟ لأنك تريد اطمئناناً في زمن عز فيه الاطمئنان، لأنك تريد راحة وأعتقد بأن الراحة التي تنشدها هي راحة الداخل، هي اطمئنان الداخل، هي استقرار الداخل، هي ثبات الجنان وثبات القلب، هذا الذي تنشده، من أجل هذا قلت بيني وبين نفسي: من لم يطمئن داخله لا يمكن أن ينتج ظاهره، والذي يضطرب داخله سيتعثر ظاهره وخارجه. فابحث عن زيادة اطمئنان لداخلك، ابحث عن زيادة استقرار لداخلك، نحن الآن نعيش شئنا أم أبينا حالة اضطراب والذي يثير فينا الاضطراب هو أدنى شيء، أنت تضطرب من أجل أمر صغير وتقلق من أجل أمر أصغر وربما تجلى قلقك على ظاهرك فغضبت وصرخت وتكلمت الكلام الذي لا يليق بك كإنسان، من أجل هذا أدعو نفسي وإياكم من أجل زيادة اطمئنان الداخل، فلتطمئن دواخلنا لأننا إذا اطمئنت دواخلنا واستقرت ولم تضطرب عند ذلك يمكن أن ينتج ظاهرنا إنتاجاً طيباً، ويمكن أن يكون ظاهرنا مستقراً وبالتالي إذا استقر الظاهر على أساس من استقرار الباطن فإننا سنعيش حياة متوازنة.

أيها الإخوة: كيف تستقر دواخلكم، ها أنذا أعرض عليكم أموراً آمل أن تتبنوها حتى تطمئن دواخلكم.

الأمر الأول: الإيمان بالله وبصفاته المطلقة وبأسمائه الكاملة واستحضار هذا الإيمان لأنك ستقول لي: أنا أومن بالله وأومن بصفاته المطلقة وأومن بأسمائه الكاملة. لكنني أريد منك أن تستحضر هذا الإيمان، صحيح أنك تؤمن بالله الودود العظيم المتعالي المؤمن المهيمن العزيز الجبار المقتدر القوي اللطيف الخبير العليم، صحيح لكن أريد منك أن تستحضر هذا الإيمان، أريدك أن تستحضر الإيمان بربك ذي الصفات المطلقة ذي الأسماء الكاملة، إن أصابك ضر استحضر إيمانك بربك الشافي، إن أصابك ضعف استحضر إيمانك بالله القوي، إن أصابك خذلان استحضر إيمانك بربك المعز، إن أصابك اضطراب استحضر إيمانك بالله عز وجل المطمئن بالله عز وجل السلام بالله عز وجل الودود، واجه القلق والضعف والخطر بإيمان ينبثق من داخلك. جدد إيمانك الذي تدعيه عندما تواجهك المشاكل، لأن الإيمان إن لم تواجه به المشاكل التي تأتيك من ها هنا وها هنا بالله عليك ما قيمة هذا الإيمان، نحن نردد بيننا وبين أنفسنا كلمات أعتقد بأنها من الصحة بمكان نقول: كيف أخشى الفقر يوماً وأنا عبد الغني، وكيف أخشى الضعف يوماً وأنا عبد القوي، وكيف أخشى الخذلان يوماً وأنا عبد العزيز، كيف أخشى الجهل يوماً وأنا عبد العليم، وهكذا دواليك.

ولكن هذا الكلام نريده أن يتحول إلى مجاهدة بينك وبين ذاتك مالي أراكم وأرى نفسي مضطربين نخشى الفقر، مضطربين نخشى الذل، مضطربين نخشى الضعف، وأنتم ونحن ندعي بأننا عباد لله القوي العظيم الجبار المقتدر السلام المؤمن المهيمن. نحن ندعي بأننا عباد لله ذي الجلال والإكرام الذي يفنى كل شيء ويبقى وجهه، أكرر وأؤكد: أتريد أن يطمئن داخلك إذاً استحضر الإيمان الذي تدعيه في مواجهة كل مشكلة، في مواجهة كل ضعف مع اتخاذ الأسباب هي فرض من الله عز وجل أنت تتخذ في عالم الظاهر الأسباب ولكنك تتخذ في عالم الباطن الاعتماد واستحضار الإيمان بالله عز وجل، أصبحنا أمة مضطربة لأن الإيمان غدا لدينا ادّعاء، أصبحنا أمة قلقة لأن الإيمان غدا قولاً، أصبحنا أمة ذليلة لأن الإيمان بالله المعز أصبح بالنسبة لنا شعاراً نرفعة ولا ندخله قلوبنا ولا ندخله أفئدتنا أفيجوز هذا يا أمة الإسلام ؟ قمت الليلة أو قمت الليالي ولكن بالله عليك ما الذي أفدته من هذا القيام إذا كنت مضطرباً أمام فقر يمكن أن يصيبك، ما الذي يفيده هذا القيام إن كنت ستضطرب أمام خوف آتٍ من شخص أو من جهة بسيطة لا أكثر ولا أقل. اقرأ القرآن الكريم من أجل أن تتعرف على حياة أشخاص تمثلوا الإيمان في مواجهة المشاكل فكانوا أقوياء وكانوا مقتدرين وكانوا منفقين وكانوا أتقياء وكانوا كرماء وكانوا على مستوى الإنسان المؤمن بربه الواثق به، هذا أمر أول أدعوك إليه من أجل أن يطمئن داخلك لأن اطمئنان الداخل أساس الراحة وأساس الاستقرار وأساس البنية التي تشكل جذراً في الحياة المنشودة السعيدة الرغيدة.

أما الأمر الثاني: فالثقة المطلقة بسيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثق بهذا النبي، ثق بقيادته، ثق بأسوته، ثق به وتعلم ممن وثقوا به أن تكون واثقاً به، لعلك تثق بإنسان علمك وهذا أمر جيد فلمَ لا تثق بإنسان علَّم البشرية كلها ؟ لعلك تثق بإنسان نفعك وقدم لك أشياء فلمَ لا تثق بمن قدم لك روح النفع وحقيقة النفع وبمن قدم لك ما به ستكون منقذاً وناجياً من النار في الآخرة وستكون ناجياً من الهلاك والاضطراب والفساد في الدنيا، ثق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهذا النبي يستأهل ويستحق أن تثق به لأنه واثق بربه وواثق بنفسه، تعلموا من سيدنا أبي بكر الصديق يوم قيل له ما قيل عن معجزة رسول الله فيما يتعلق بالإسراء فقال الكلمة العظيمة: إن كان قالها فقد صدق. تعلموا من الصحابة الكرام من هذا الصحابي من رافع عندما قال – كما يروي صاحب حياة الصحابة – لخاله: يا خال لقد نهانا رسول الله عن أمر كان لنا نافعا فكيف ذلك ؟ وإذ بخال هذا الصحابي يجيب ابن أخته: يا رافع إن رسول الله نهانا عن أمر كان لنا نافعاً، لكن طواعية الله ورسوله هي لنا أنفع.

عليك أن تثق بهذا الذي قال عن نفسه يوم انحسر الناس عنه في معركة تسمى معركة حنين وإذ به يقف ويعلن دون شك أو ريب: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب، وهل تريد أن تضع ثقتك بغير نبي رسول ذي عزم. قل لي بربك إن لم تضع ثقتك على مستوى البشر بنبي رسول من أولي العزم، بسيد الأنبياء، بالذي سيكون وكان شهيداً على الأنبياء وعلى الناس كافة ﴿وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾ إن لم تضع ثقتك بهذا النبي قل لي بربك أين ستضع ثقتك وبأي إنسان ستضع ثقتك ؟ ثق برسول الله من أجل أن يطمئن داخلك والثقة هذه تستلزم من أجل أن تكون فيك أن تكثر من الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم. أكثروا من الصلاة عليه يا شباب. ما لي أرى ألسنتكم ناشفة جافة من الصلاة على النبي وكأن الصلاة على النبي غدت شغلاً لإنسان طاعن في السن يرتدي لباساً معيناً يأتي إلى المسجد كل يوم، تقاعد عن أن يكون عاملاً، لا يا شباب، لا يا إخوتي أتريدون تجديد الثقة بهذا النبي إذاً أكثروا من الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم، صلوا عليه وأنتم تستحضرونه أمامكم أولستم تقولون في الصلاة: السلام عليك أيها النبي وتخاطبونه بصيغة الخطاب المشهود لا تقولون السلام عليه، تخاطبونه وكأنه أمامكم وكأن النبي حاضر أمامكم، أكثروا من الصلاة عليه، صلوا على النبي، واسمحوا لي دائماً أن أخاطب الشباب لأني أراهم يقعون فريسة لأناس يخاطبونهم بمنطق أعوج، فيا شباب: حصّنوا أنفسكم بالصلاة على النبي وبالصلاة على النبي تصلون إلى الثقة به ومن وثق بالنبي اطمئن داخله واستقر داخله وحسن جنانه وقلبه وأصبح قوياً في مواجهة الأخطار التي يمكن أن تأتيه أو أن تتناوله.

يعجبني أن أرى شباباً يصلون على النبي باستحضار النبي، يعجبني أن أرى نساءً يصلين على النبي وهن يستحضرن النبي عليه الصلاة والسلام، قولوا يا إخوتي: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. أكثروا من ذكر هذه الصيغة، قولوا: اللهم صلِّ على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم، قولوا: اللهم صل على محمد بن عبد الله القائم بأمر الله ما ضاقت إلا وفرجها الله. قل هذا أيها الطالب في جامعتك في مدرستك في معملك قل هذا وأنت ترفع رأسك لأنك تذكر إنساناً هو الأعظم على مستوى البشرية هو الأفضل.

الأمر الثالث الذي به يطمئن داخلك: أريد أن تعيش مؤملاً بكرم الله وفضله، بعبارة أخرى أريد أَمَلَك في الآخرة أن يكون حسناً وإيجابياً، أمِّل بربك فأنا عند ظن عبدي بي - هكذا قال ربنا في الحديث القدسي الذي يرويه مسلم ونحن يا رب لا نظن بك إلا كل خير، لا نظن بك إلا أنك الرؤوف الرحيم الغفور الودود، لا نظن بك إلا أنك المستجيب يا ربنا سمعنا عن أناس في عصر نبيك أملوا فيك فاستجبت لهم، ونبأهم رسولك الكريم وبشرهم بالاستجابة من قبلك روى البيهقي أن أعرابياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: من الذي يحاسبنا يوم القيامة ؟ فقال له النبي الله فقال الأعرابي فرحاً: فزت ورب الكعبة فقال له النبي كيف عرفت ذلك فقال يا رسول الله إن الكريم إذا قدر عفا.

كن بعد الإيمان بالله بعد الثقة برسول الله صاحب أمل بفضل الله، بعطاء الله، برحمة الله. هذا الأمل الذي انبثق كلاماً على لسان سيدنا بلال عندما كان يقول وهو في الأنفاس الأخيرة: غداً ألقى الأحبة محمداً وصحبه.

هذا الأمل هو الذي تجلى كلاماً على لسان سيدنا أنس بن النضر عندما قال في غزوة أحد إني لأجد ريح الجنة دون أحد. هذا الأمل الذي تجلى على لسان سيدنا الحسن بن علي عليه السلام عندما قال: "إلهي نعَّمتني فلم تجدني شاكراً، وابتليتني فلم تجدني صابراً، فلا أنت أزلت النعمة بترك الشكر، ولا أنت أدمت الشدة بترك الصبر، إلهي أنت الكريم ولا يكون من الكريم إلا الكرم".

قل هذا الذي تجلى على لسان سيدنا الحسين بن علي عليه السلام: "إلهي إن حسناتي من عطائك، وإن سيئاتي من قضائك، فمُنَّ بما أعطيت على ما قضيت، وامحُ ذلك بذلك".

يا إخوتي هذه أمور ثلاثة أردتها اليوم في يوم ليلة القدر من أجل أن نتعرف على ما ننشده من عبادتنا إذ نصلي، إذ نصوم، إذ ندعو، إذ نقرأ القرآن الكريم. ما ننشده يا رب أن تعفو عنا، أن ترحمنا، أن تدخلني ربي الجنة، هذا أقصى ما أتمنى، أن ترضى عني يا رب، وأن أرتاح، أن يستقر داخلي، أن أطمئن ألا أكون ألعوبة بيد المشكلات التي تعترض الإنسانية أو تعترض الإنسان بشكل عام، قف ثابتاً أمام كل مشكلة تعترضك وقل لها: الله معي، خذ بالأسباب كاملة ثم اجعل من قلبك قلباً قلباً مؤمناً بربك، واثقاً بنبيك، مؤملاً بفضل الله وقل: أيتها المشاكل ارحلي عني فإني مؤمن بربي. روي في سنن أبي داود أن مولى رسول الله وقف أمامه حيوان مفترس كبير وربما حاول أن يهجم على هذا الصحابي وكان يدعى سفينة وإذ بسفينة يقف أمام الحيوان المفترس الجامح ويقول له: إياك، أنا مولى رسول الله. وإذ بهذا الحيوان المفترس يعود من حيث أتى. ذلك أنه رأى أمامه من يستعين بالله ويثق برسول الله ويؤمل بفضل الله عز وجل.

اللهم إني أسألك اطمئناناً في دواخلنا، أسألك استقراراً لأفئدتنا، أسألك يا رب أن تجعلنا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، أن تجعلنا ممن يصلي على نبيك المصطفى وحبيبك المجتبى ليستحضره ويثق به، وبالتالي ليقتدي به ويسير على منهاجه ومَسَاره وخطواته وطريقه ومسيرته. اللهم آمين، نعم من يسأل أنت، ونعم النصير أنت، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ: 20/10/2006

التعليقات

شاركنا بتعليق