آخر تحديث: السبت 13 أغسطس 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
الاضطراب وعلاجه

الاضطراب وعلاجه

تاريخ الإضافة: 2005/07/15 | عدد المشاهدات: 3383

أما بعد ، فيا أيها الأخوة المؤمنون :
ما من أسبوع تقريباً إلا وأكثر من شخص في سن الشباب تارة وفي سن الكهولة تارةً أخرى يأتيني فيشكو اضطراباً نفسياً وقلقاً داخلياً ، يحدثني ملياً عن ما يعتلج في داخله فهو مرة أصيب بصدمة ومرة أخرى قد أصابته دهشة جعلت داخله في حالة تأرجح ... وهكذا ، لذلك قلت في نفسي لو حدثت الناس عما يمكن أن يكون دواءً لهذه الاضطرابات التي أخذت تقتحم دواخلنا وتدخل نفوسنا وتعشش - ربما - في سرائرنا ، قلت في نفسي لو حدثت الناس عما يمكن أن يكون دواءً لهذا الداء الذي أصابنا وأصابَ أبناءنا وبناتنا وأصاب بعض القائمين على أمورنا ، لأن الإنسان وبكل بساطة إذا كان داخله منهاراً فلن يكون هذا الإنسان عضواً ناجعاً يركّب منه مجتمع ناجح فاضل . أيها الأخ المضطرب أيتها الأخت المضطربة في داخلك : ما عليك يا أخي ويا أختي إلا أولاً أن تعمق الإيمان بربك ولا أتكلم عن إيماناً مطلق ولكنني أتكلم عن إيمان بالله ذي الصفات الكاملة المكملة ، أنت تؤمن بالله عز وجل ولكنك في نفس الوقت تؤمن بالله الكبير المتعالِ الرحيم الرحمن السلام المؤمن المهيمن العزيز عالم الغيب والشهادة ، عليك أن تفكر يا أخي بهذه الصفات الكاملة المكملة وإذا ما فكرت في الصفات الكاملة المكملة فستجد في داخلك ارتياحاً . ألست بحاجةً إلى سَعة وأنت الذي قد ضاق صدرك ؟! إذاً فكّرفي الواسع وهو ربك الذي آمنت به . ألستَ بحاجة إلى راحة ، إلى رحمة وأنت الذي تعيش في داخلك قسوة على نفسك ، إذاً فكر في الرحمن الرحيم فستجد يا أخي الكريم ارتياحاً وأنت تمعن وتنعم النظر في الرحمن الرحيم ، في ذلكم الخالق الذي كرمنا والذي خلقنا والذي رحمنا وهكذا دواليك .
الأمر الأول أو الوصفة الأولى أو الدواء الأول : أن تفكر وأن تعمق إيمانك بالله وأن لا تقف عند حدود الإيمان بالله على سبيل الإطلاق بل عليك أن تمعن وتنعم النظر في صفاته وأسمائه الكاملة المكملة فمن أمعن النظر في صفات الكمال اتجه إلى تكميل نفسه ومن أمعن النظر في صفات التمام والكمال راح يسعى بشعور وغير شعور بإرادة وبغير إرادة إلى أن يجعل من نفسه إنساناً مطمئناً في داخله
﴿ الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب الرعد : 28 ورحم الله ذلكم الشاعر الذي قال وهو يفكر في صفات الله الكاملة المكملة وفي صفاته الناقصة تستمطر من الكمال كمالاً ومن المكمل كمالاً ومن الكامل كمالاً : أنا مذنب أنا مخطئ أنا عاصي ، وكل تلك الصفات تجعل منك إنساناً تضيق بك الأرض حتى ولو كانت رحبة :

أنا مذنبٌ أنا مخطئٌ أنا عاصي       هو غافر هو راحم هو عافي
قابلتهن ثلاثة بثلاثةً               ولتغلبن أوصافه أوصافي

الوصفة الثانية : أريدك يا أخي أن تتقلب - هكذا خطر في بالي أن أقول لك - أن تتقلب في القرآن الكريم تلاوةً وتدبراً وتطلعاً وقراءةً ، أريدك أن تتقلب في صفحاته حول كلماته ، أريدك أن تطوف حول معانيه ، أريدك أن تسعى وهكذا ، فإنك ستجد في القرآن الكريم وصفاً لك ، وبالتالي فكأنك تنظر إلى مرآةً صافية ، ومن نظر إلى مرآة صافية حاول أن يُصلح نفسه ووجد نفسه على ما هي عليه ، ووجد ذاته على ما هو عليه فأصلح من ذاته إن وجد في هذه الذات عيباً ، أو وجد في هذه الذات نقصاً ، وهكذا تقلب في القرآن الكريم من أجل أن تتطلع على سنن الله في هذا الكتاب الكريم ، اقرأ آياته ، اقرأ قوله تعالى حتى تطبق هذا القول الذي هو معادلة بشرية وسنة إلهية في نفس الوقت لا محيد عنها : ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً . ويرزقه من حيث لا يحتسب الطلاق : 2- 3 اقرأ آيات أخرى جاءت سنن إلهية ومعادلات بشرية جاءت للبشر من أجل أن يعايروا أنفسهم عليها ، وهكذا .
الوصفة الثالثة : أريدك يا أخي أن تتفيأ ظلال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . الإنسان يرتاح عندما يرى أمامه من يحب ، إذا امتلأتَ هماً وغماً وإذا زحَفت إلى داخلك الهموم وكل ما يمكن أن يؤذي داخلك ، إذا فُعِل ذلك كلُّه بك ثم رأيت من تحب ارتاحت نفسك لذلك ، أدعوك إلى أن تقف أمام من تحب من خلال التعرف عليه ، من خلال قراءته ، من خلال تفيء ظلاله ، اقرأ سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أجل أن ترتاح في داخلك ، أدعوك إلى أن تقرأ ، أن تزداد تعرفاً على سيرة ذلك الذي تحب ، والقاعدة النفسية المعروفة : انظر من تحب فإن الهموم تتساقط عنك ، انظر من تحب ، عاشر من تحب ، زُر من تحب فإن الهموم تتساقط عنك ومن هناك أحب إليك من البشرية أو في البشرية من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لذلك يا أيها القلق في داخلك يا أيها المضطرب يا من يقف على أرض غير ثابتة أدعوك إلى أن تكون حيال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تتطلع على سيرته ، تعمق حبك إياه ، تذكر سيرة المحبين الذين فاضت قلوبهم كلاماً رائعاً وفاضت أعينهم دمعاً ، هذا الدمع كان عُصَارة محبة ومعرفة ولقاء وود .
الوصفة الرابعة : أدعوك إلى الاطمئنان إلى المصير من خلال الأمل المفتوح ، ما سيصيبك سَيصيبك ، اطمئن : " واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك " فعلامَ القلق ، وعلامَ الاضطراب ؟ " واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك " فعلامَ الاضطراب : ما قدر لماضغيك أن يمضغاه لا بد وأن يمضغاه ، فعلامَ القلق : " إن روح القدس - كما جاء في صحيح الإمام مسلم - إن روح القُدُس نفث في روعي أنه ما من نفس تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها ، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب " عليك أن تطمئن إلى المصير ، ما قُدِّر سيكون ، ما قُدر سيحصل ، ولن يحصل إلا الخير ، لأننا أمة أمل ، ولأن الأمل مزروع فينا بيد الله عز وجل ، فنحن الذين نقول كما قال سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة ابنته رضي الله عنها وأرضاها : " أي بنية لا تحزني ، إن الله مانع أباك " إذا كنتَ مع ربك فالمصير القادم رائع ، لأن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، عليك أن تطمئن إلى المصير ، فالمصير خير بإذن الله ، أَوَما قلنا في مرات سابقة أيها الأخ المؤمن حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي ورد في الصحيح : " عجباً لأمر المؤمن ، إن أمره كله له خير ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إذا أصابته سرّاء شكر فكان خيراً له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له " لا تقلق ، اطمئن إلى المصير على مستوى الدنيا فما سيأتيك سيأتيك ، وإن كان هذا الذي سيأتيك سراء فهيئ نفسك للشكر ، فسيكون المصير خيراً ، وإذا كان هذا الذي سيأتيك ضراء فهيئ نفسك للصبر فسيكون المصير خيراً ، لا تقلق لمصيرٍ سيأتيك : " إن الله مانعٌ أباك " يا فاطمة ، من كان مع الله كان الله معه ، وأما المصير الأخير فما عليك إلا أن تحسن ظنك بربك ، حسن ظنك بربك حتى تطمئن إلى المصير الأكبر ، إلى المصير الأهم ، وإياك واليأس . لا تيأس من فضل الله ، لا تيأس من رحمة الله ، لا تيأس من رَوْح الله :
﴿ فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون يوسف : 87 اطمئن إلى المصير الأخير ، وكن حسن الظن بربك عز وجل ، وقل لربك : اللهم ثبتني على دينك واجعلني يوم ألقاك ألقاك وانأ أومن بك ، وأشهد أن لا إله إلا أنت ، وأن نبيك محمداً رسولك ، وأن الأنبياء جميعاً رسُلك ، وأنبياؤك عليهم صلوات الله و سلاماته ، اطمئن إلى المصير الأخير . قرأت ما يدفعني إلى أن أطمئن أكثر فأكثر ، قرأت في سنن البيهقي حديثاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول فيه : " حاسبَ ربنا عبداً - وكأنها صورة مستلَّة من عالم الآخرة مثلت أمام النبي فحكاها النبي ونقلها إلينا - حاسبَ ربنا عبداً فوجبت عليه النار ، فقال لملائكة العذاب : خذوه إلى النار . فالتفت العبد وقال : يا رب ، يا رب : إن كان ظني بك لَحَسن - كان ظني بك حسناً يا رب - فقال ربنا عز وجل : أعيدوه وأدخلوه الجنة " وقرأت في سنن البيهقي أيضاً : أن أعرابياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا رسول الله : مَن الذي يحاسبنا يوم القيامة ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " الله " وإذ بالأعرابي يقول ويفرح " فزتُ وربِّ الكعبة " من قال لك هذا ، من قال لك بأنك فائز ؟ وإذ بالأعرابي يقول : إن الكريم إذا قَدَرَ عفا . فزتُ ورب الكعبة . اطمئن ولا تنظر إلى أولئك الذين يشددون عليك ويريدون منك أن تكون حَطباً لجهنم في الآخرة ، بالرغم أو على الرغم من كل صلاتك وصيامك ودعائك وعملك الخير وسعيك للخير ، ويجعلون منك كما جعلوا منك حطباً لجهنم في الآخرة يريدون أن يجعلوا منك إنساناً ضائعاً مضيعاً مَلوماً مَحسوراً لا قيمة لك في الدنيا . لا تلتف إليهم والتفت إلى قرآن ربك الذي يجعل منك إنساناً خليفة وإنساناً كبيراً وإنساناً عظيماً وإنساناً تواباً وإنساناً مغفوراً له وإنساناً جعلك الله عز وجل على صورته ، والتفت إلى سيدي رسول الله يوم جعل منك إنساناً قال كما في صحيح الإمام مسلم : " لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وأتى بأقوام يذنبون ويستغفرون ويغفر لهم " وفي رواية : " يذنبون فيستغفرون ويتوب عليهم " .
أيها الأخ المسلم : عليك أن تطمئن إلى المصير وأنت تنظر ربك ورسول ربك والصالحين من عباد ربك ، ما أجمل أحضانَ الصالحين وواحاتهم ، ما أجمل ساحاتهم تلك التي كل عناوينها رحمة ، تسامح ، سعة ، فضل ، رضوان ، تحمل ، عدم تأييس وتيئيس ، كل ساحاتهم رحمهم الله ورضي الله عنهم استنفار للهمم من أجل أن تطلب رحمة الله جلت قدرته .
الوصفة الخامسة والأخيرة : عش واقعك ، انسجم مع واقعك ، لا تنظر الناس ، لا تتخذ من الناس أرباباً ، لا تقل لا أريد أن أفعل هذا ، وهذا الذي تريد أن تفعله حلال ، لا تمتنع عنه خشية الناس ، لا تنظر إلى الناس على أنهم أرباب ، كن منسجماً مع واقعك ، افرح في هذه الحياة ، كن مسروراً ، امشِ في شوارع بلدتك ، انظر أهلك ، متع إخوانك ومن حولك بالدُّعابة ، بالحديث المليح - كما يقال - بكل طرائف الحكمة ، بكل طرائف الحديث ، أصبحنا نَحيدُ عن الواقع أو نأخذ أنفسنا بعيداً عن الواقع ، نحب أن نجالس من يُزمِّتنا ، أن نجالس من يعنتنا ، أن نجالس من يُعنفنا ما أدري من أين أتانا هذا الأمر أصبحنا لا نعيش الحياة بأريحية ، والأريحية هي ممارسة الحرية المشروعة ، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على سبيل المثال ولطالما ذكرنا هذا ، رسول الله كان يسابق امرأته أمام الصحابة الكرام كما جاء في سنن أبي داوود بسند صحيح تقول السيدة عائشة : " تسابقنا أنا ورسول الله فسبقته ، ثم بعد ذلك تسابقنا فسبقني " فلما بدنت - أي لما كثر لحمها وسمنت رضي الله عنها سبقها فضحك رسول الله وقال : " يا عائش هذه بتلك " أو كما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم . من يستطيع منا أن يسابق في ساحة حلال زوجه ، بل ولده ، بل صديقه ؟ من يستطيع منا ونحن الذين قلنا أو جعلنا من الدين قفصاً ، بل سلسلةً ، بل أغلالاً تقيدنا ، إذا كان الأمر كذلك فستكون مريضاً نفسياً لا شك في ذلك . أطلق لنفسك العنان في الساحة المشروعة وإلا فستضطر إلى أن ترتكب الحرام ، لأن تضييق الحلال سيؤدي إلى أن يرتكب الناس الحرام ، كن واقعياً يا أخي ، أريدك أن تعيش حياتك ، أريدك أن تدخل بيتك لتكون مع زوجك وأولادك ولداً كما ورد عن سيدنا عمر في كتاب أخبار عمر يقول هذا الرجل الفذ رضي الله عنه : إذا دخلت بيتك فكن ولداً ، وإن خرجت إلى الرجال في مقام الرجال فرجلاً . أي كن رجلاً عندما تلقى الرجال وقت الرجولة ، ولا تجعل من كل وقتك وقت الرجولة ، فلزوجك عليك حق ، ولولدك عليك حق ، ولبسمتك عليك حق ، ولفمك عليك حق ، وكل ذلك ينفذ ويحقق في ساحة مشروعة . أسأل الله عز وجل أن يذهب عنا ضيق النفس واضطرابها وقلقها وهمها وغمها ، أسأل الله عز وجل أن يتولى أبناء وطني وأن يذهب عنهم كل ما يقلقهم وكل ما يجعلهم مضطربين ، أن يذهب عن أوطاننا ومجتمعاتنا التعنت والتزمت والتعسير والتخويف ، وأن يجعلنا من أولئك الذين يزرعون الأمل وهم يقولون لربهم جلت قدرته :
﴿; ورحمتي وسعت كل شيء الأعراف : 156 هكذا قلت يا رب فارحمنا : ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب البقرة : 186 أنت قريب منا يا ربنا ، فنعم القريب والحسيب أنت ، نسألك أن توفقنا وتغفر لنا ، نعم من يسأل ربنا ، ونعم النصير إلهنا ، أقول هذا القول وأستغفر الله .

التعليقات

شاركنا بتعليق