آخر تحديث: الإثنين 22 إبريل 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
مكونات المجتمع - معالم الأسرة الناجحة

مكونات المجتمع - معالم الأسرة الناجحة

تاريخ الإضافة: 2004/01/02 | عدد المشاهدات: 4381

أما بعد : أيها الأخوة المؤمنون :
وتحدثنا فيما مضى عن الأسرة وضرورة إقامتها إقامة متينة حتى تحمى من أي جرثومة فساد معنوي ومادي ، وقلنا إن الطلاق الذي كثر اليوم إنما يعود سبب ذلك إلى أن أطراف الأسرة لم يتقنوا معرفة واجباتهم ولم يقوموا بهذه الواجبات تجاه بعضهم . تحدثنا عن واجبات الزوج نحو زوجته ، وعن واجبات الزوجة نحو زوجها ، وعن واجبات الأبناء نحو آبائهم أعني نحو آبائهم وأمهاتهم ، وعن واجبات الآباء والأمهات نحو أبنائهم ذكوراً كانوا أم إناثاً ، واليوم أحب أن يتوجه جميع أطراف الأسرة من زوج وزوجة ، وولد وأب ، وبنت وأم ، أن يتوجهوا لمعرفة واجباتهم العامة تجاه بعضهم . تحدثنا عن واجبات كلٍ نحو الآخر ، واليوم أريد أن أتحدث عن واجبات كل هؤلاء نحو كل هؤلاء بشكل عام ، عن واجبات أفراد الأسرة نحو بعضهم أو نحو كلهم ، وهذا يتلخص في ضرورة إشاعة أو في ضرورة تعميم وإيجاد ثلاث قيم ، على كل طرف من أطراف هذه الأسرة المنشودة أن يستشعرها وأن يتحلى بهذه القيم وأن يمارسها ممارسة فعلية جادة . هذه القيم الثلاث والتي تشكل - في رأيي - أركان نجاح الأسرة ، والتي لا بد منها من أجل أن نحصل على أسرة ناجحة قويمة مستقيمة ، هذه القيم الثلاث هي :
أولاً : المسؤولية : على كل واحد من أطراف الأسرة أن يدرك بأنه مسؤول ، مسؤول أمام الله عما يفعله تجاه أسرته ، ومسؤول أمام أسرته عما يفعله تجاه أسرته ، ومسؤول أمام الأجيال اللاحقة عما يفعله تجاه أسرته ، المسؤولية ، بقدر ما تشعر بالمسؤولية حيال أسرتك بقدر ما تكون ناجحاً كطرف في هذه الأسرة ، وكداعمٍ لهذه الأسرة ، أوليس النبي عليه وآله الصلاة والسلام قال كما جاء في صحيح ابن حبان : " إن الله سائلٌ كل راعٍ عما استرعاه حفظ أم ضيع " ستقف بين يدي ربك وسيسألك إن كنت زوجاً عن زوجتك ، وإن كنتِ زوجة عن زوجك ، وإن كنت أباً عن أولادك ، وإن كنتِ أماً عن أولادك ، وإن كنت ولداً عن آبائك وعن أمهاتك " إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع " فهل أنت من الحافظين لحقوق الآخرين أم من المضيعين ، وقد تحدثنا عن حقوق الآخرين عليك فاعرفها وحاسب نفسك كل يوم على معرفتها أو على معرفتك بها أو على ممارستك لها ، وأيضاً يقول عليه وآله الصلاة والسلام كما جاء في البخاري ومسلم : " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ، الإمام راع ومسؤول عن رعيته " رئيس الدولة " والرجل في بيته راعٍ ومسؤول عن رعيته ، والمرأة في بيت زوجها راعية ومسؤولة عن رعيتها " عن زوجها وأولادها " والخادم راعٍ في بيت سيده ومسؤول عن رعيته ، وكلكم راع " ويؤكد النبي عليه وآله الصلاة والسلام هذه المسؤولية فيقول في آخر الحديث فيقول " وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " كلنا راع ومسؤول عن رعيته . المسؤولية الدينية ، المسؤولية الاجتماعية ، المسؤولية الوطنية ، المسؤولية العلمية ، المسؤولية الأخلاقية ، ضع كل هذه المساحات أمامك واعلم بأنك مسؤول عنها حيال الآخرين . هل يحب أولادك دينك ؟ أنت مسؤول عن ذلك . هل يحب أولادك وطنك ؟ أنت مسؤول عن ذلك . هل يحس أولادك بالآخرين ، بحاجة الآخرين ، بآلام الآخرين ، بما احتل من أراضٍ للمسلمين ؟ أنت مسؤول عن زرع هذا الإحساس لدى أولادك فاسع إلى ذلك . هل يعرف أولادك أن اليهود الصهاينة آثمون غادرون ؟ وبالتالي عليهم أن يدعموا المجاهدين بأنفسهم إن استطاعوا ، بأموالهم إن استطاعوا ، بدعائهم . هل يذكر ولدك قضايا المسلمين ويدعو للمسلمين ؟ أنت مسؤول عن زرع ذلك في وجدان أولادك ، وإذا كنت ولداً أنت مسؤول عن زرع ذلك في قلب أبيك وأمك " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " ومن باب المسؤولية الوطنية والمسؤولية الاجتماعية والمسؤولية الأخلاقية نتوجه بالتعزية الحارة من قلوبنا إلى إخواننا في إيران الذين ألم بهم حادث أليم زلزل مدينة بأكملها فراح أكثر من أربعين ألفاً من الضحايا ، نتوجه إليهم ، وهذا من مسؤوليتنا - على أقل تقدير – أن نقول لهم : لله ما أخذ وله ما أعطى ، وكل شيء عنده بمقدار ، فلتصبروا وتحتسبوا ، وعوضكم الله في مصابكم خيراً ، ورحم الله الأموات الشهداء رحمة واسعة ، وأدخلهم فسيح جناته . هذا من الحس الذي يجب أن نزرعه في وجدان من نُسأَل عنهم إن كنا أولاداً في حس آبائنا ، وإن كنا آباءً في حس أولادنا ، وإن كنا أزواجاً في حس زوجاتنا ، أو كنَّ زوجات في حس أزواجهن ، ومن المسؤولية الاجتماعية والوطنية والأخلاقية أيضاً نعزي إخواننا في لبنان بحادث الطائرة الذي أَلمَّ بهم وأسفر عن استشهاد أكثر من مائة نفس ، نقول لهم أيضاً : لله ما أخذ لوه ما أعطى ، وكل شيء عنده بمقدار . وما أصاب أولئك لسنا بمعزل عنه ، وما من أحد منا خارج نطاق المصائب ، وخارج نطاق المصيبات المتوالية ، لذلك من الحس ومن المسؤولية الوطنية والاجتماعية والأخلاقية أن نقول لإخواننا في إيران ولإخواننا في لبنان ولإخواننا في كل مكان : نحن معكم ، ومن المسؤولية أيضاً الأخلاقية والاجتماعية أن نقول لإخواننا المسلمين في فرنسا بالنسبة لقضية الحجاب وأنتم تعرفونها ، نقول لإخواننا في فرنسا : اعملوا أنتم فعددكم كبير ، واسعوا من أجل أن تشتغلوا لتكونوا في محل القرار ، عددكم ستة ملايين نسمة في فرنسا ، نأمل منكم أن تتجاوزوا هذه المشكلة لتكونوا مؤمنين مسلمين جادِّين في رعايتكم دينكم ، في رعايتكم إسلامكم ، في رعايتكم قرآنكم ، ونحن بدورنا ندعو الله لكم أن يسدد خطاكم ، وأن يجعل مسعاكم ناجحاً فالحاً ، ولا أريد من أحد منا أن يشتم الحكومة الفرنسية أو أن يتكلم كلاماً لا ينتج أثراً نافعاً فيما يخص هذه المشكلة وإنما أدعو كل واحد منا إلى أن يدعو الله لإخواننا في فرنسا من أجل أن يتجاوزوا هذه المحنة وإلا فلن يؤثر الفحش ولا التفحش ، ولن يؤثر الشتم والسباب ، لكننا نريد لمن كان يملك تفصيل حل أن يتقدم به لإخواننا هناك في فرنسا ، فإن لم يستطع حلاً مُفَكَّراً فيه فليدع الله لهم بأن يجعلهم فالحين ناجحين في مسعاهم .
أعود إلى الأسرة ، القيمة الأولى المسؤولية ، والقيمة الثانية : العبودية ، نريد أن تشيع العبودية في جَنَبَات الأسرة ، والعبودية ثلاثة أمور : التوحيد : نريد أن نَشَمَّ رائحة التوحيد قوية في أسرنا ، نريد أن نرى أثر التوحيد في كل كلمة يقولها أفراد الأسرة ، نريد أن تبنى الأسرة على أساس من توحيد الله ، نريد أن نعيش التوحيد كلاماً وإيماناً وحالاً ، نريد أن نسمع من المريض : اللهم اشفني ، ونريد أن نسمع من صاحب الهَمَّ : اللهم فرج عني ، ونريد أن نسمع من الزوج : اللهم ارزقني ، ونريد أن نسمع من الزوجة : اللهم أَعِنِّي ، ونريد أن نسمع من الأولاد : اللهم وفقني ، و
﴿ ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب إبراهيم : 41 نريد أن نرى آثار التوحيد في الكلام وفي التصرفات . العبودية تقوم على ثلاثة أركان : التوحيد ، والطاعة : نريد أن نرى أسرنا طائعات لله عز ودل ، وأفرادها طائعين لربنا ، يصلون ، يصومون ، يزكون ، لا يرتكبون الحرام في كسبهم ، لا يشتغلون بالفساد في سهراتهم ، نريد أن نرى أثر طاعة الله في شؤون أسرتنا ، فإن وجدنا تقصيراً نَبَّهنا بالنصح ، نبهنا بالكلمة الطيبة ، نبهنا بالدعوة إلى الله ، نبهنا بكل ما نملك من قُدُرات ، من فهوم ، من عطاءات نصحية . الطاعة عنوان أسرتنا . والركن الثالث من العبودية التوبة من الآثام ، وعلينا أن نعلم أنفسنا وأفراد أسرتنا أن الإنسان يخطئ ، جاء في الترمذي أن النبي عليه وآله الصلاة والسلام قال : " كل ابن آدم خطاء ، وخير الخطائين التوابون " علينا أن نعلم أنفسنا وأولادنا ، وآباءنا وأمهاتنا ، زوجاتنا وأزواجنا التوبة من الذنب ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طاف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون الأعراف : 201 " يا عبادي كلكم عاصٍ إلا من استغفر ، فاستغفروني أغفر لكم " كلنا نرتكب ، أو تمشي علينا معصية ، هذا أمر لا بد منه ، الله عز وجل لا يريدنا أن لا نعصي ، لأن هذا ليس في مكنتنا ، لكنه يريدنا إذا عصينا أن نتبع العصيان توبة ، أن نتوب إلى الله عز وجل ، يا رب إنا نتوب إليك ، علينا أن نعلِّم أولادنا في كل يوم أن يستغفروا ربهم ، وقد تحدثت معكم خطبة كاملة عن الاستغفار ، وها أنا أقول حديثاً واحداً عن النبي عليه وآله الصلاة والسلام يقول : " من لزم الاستغفار " يا آباء ، يا أمهات ، يا أبناء ، يا بنات ، يا أزواج ، يا زوجات " من لزم الاستغفار جعل الله له من كل همٍّ فرجاً ، ومن كل ضيق مخرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب " وقال عبد الله بن عمر : " كنا نَعُدُّ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المجلس الواحد مائة مرة يقول : رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم " علموا أولادكم الاستغفار ، وآباءكم ، وأمهاتكم ، وزوجاتكم ، وأزواجكم .
أما القيمة الثالثة فالحب ، الحب يا ناس ، أصبحت هذه الكلمة مُمتَهنة ، لأنها تستخدم في المجون والفسوق ، أن تتحدث عن الحب وبكلمات الحب مع زوجتك ، أضحى هذا الأمر مستبعداً ، أن تتحدث بلسان الرفق وكلمات الرفق والذوق مع أولادك ، مع أبيك ، هذا ما تركته أنت لأهل المجون من أجل أن يشوهوا هذه الكلمة ، لقد شُوِّهت كلمة الحب فما عدنا نرى ثمارها اليانعة ولا أزهارها المتفتحة في روض الأسرة ، بل أضحينا نراها منتنة في مستنقعات أغانٍ ماجنة ، وصور خليعة ، الحب غدا كلمة صُنِّعت لأهل المجون ، أما نحن في بيوتاتنا ، خبروني كم رجل يستخدم كلمات الحب ومفردات الحب بينه وبين زوجته ، بينه وبين أبيه ، بينه وبين أمه ، بينه وبين أولاده ، كم زوجة تتوجه إلى زوجها بكلمات الرفق والحنان واللطف ، ابتعدت أسرنا عن هذه الرياض التي إن حُرِمَت منها – أي الأسر – فلن تكون أسراً ناجحة ، وبالتالي لن يكون المجتمع مجتمعاً ناجحاً . الرسول عليه وآله الصلاة والسلام يقول كما في صحيح الإمام مسلم : " إن الرفق " والرفق أثر من آثار الحب " إن الرفق ما وضع في شيء إلا زانه ، وما رفع من شيء إلا شانه " يحدث أبو قتادة يقول : خرج علينا رسول الله وقد حمل بنت بنته أمامة بنت زينب على كتفه ، على صدره ، من منا يحمل بنت بنته ، لا أقول ابن ابنه فذاك إن كان فعلى سبيل العصبية ، من الذي يحمل بنت بنته ، " خرج علينا رسول الله وقد حمل أمامة بنت بنته وصلى وهو يحملها ، فكان إذا سجد وضعها ، وإذا رفع رفعها " هذه الصورة الرائعة الجميلة من منا يقوم لابنته عندما تقدم عليه ، من منا في القرن الواحد والعشرين في عصر المناداة بتحرير المرأة " كانت السيدة فاطمة إذا دخلت على أبيها قام لها " من الذي يقوم لابنته ، من الذي لا تتغير ملامح وجهه نحو الأسوأ إن جاءت ابنته وأقبلت وهو يفكر بكل سواد المستقبل بالنسبة لها ، ينظر إليها وقلبه يعتصر ألماً ، متى ستتزوج ، متى سأخلص منها ، متى ستغادر هذا البيت ، هكذا نفكر بالرغم مما نزعمه لأنفسنا من تطورات . تدخل امرأة كبيرة السن على النبي عليه وآله الصلاة والسلام فيهب النبي ويفتح لها الباب ، ويلقي عليها سلاماً بكلمات جميلة عظيمة ، يحييها ، يقول لها : مرحباً بك ، " مرحباً بمن كانت تزورنا أيام خديجة " قالت له السيدة عائشة : يا رسول الله : ومن هذه حتى أكرمتها هذا الإكرام ؟! قال : " إنها كانت تأتينا أيام خديجة ، وإن حسن العهد من الإيمان ، إني لأحب حبيب خديجة " ألا ترون إلى هذه الكلمات الرقيقة الوسيمة الجميلة ، أين هذه الكلمات في فضاءات أسرنا اليوم ، أين هذه العبارات ، أين هذه التحيات ، كلنا مسؤول من غير استثناء ، ولداً كان أم أباً ، أماً كانت أم بنتاً ، زوجاً كان أو زوجة .
هذه معالم أسرة حميدة ناجحة ، أسأل الله عز وجل أن يوفقنا في مجتمعنا لنكون في أسرنا على مستوى الأسرة الإسلامية المنشودة ، وأن نكون في كل مجتمعنا على مستوى المجتمع المتضامن المتباذل المنشود ، أسأل الله ذلك ، أسأل أن يشعر كل منا وأن يحس بمسؤوليته ابتداء من رئيس الدولة ، وانتهاء بأصغر خلية من خلايا مجتمعنا هذا ، وفي نهاية الأمر مجتمع من غير مسؤولية مجتمع منهار . اللهم وفقنا لذلك ، أقول هذا القول وأستغفر الله .  
 

التعليقات

شاركنا بتعليق