آخر تحديث: السبت 08 أغسطس 2020
عكام


أخبار صحـفيـة

   
الأسرة في الإسلام : التكوين والتوعية / صحيفة تشرين

الأسرة في الإسلام : التكوين والتوعية / صحيفة تشرين

تاريخ الإضافة: 2020/08/09 | عدد المشاهدات: 2222

نشرت صحيفة تشرين الصادرة في دمشق وضمن صفحة مدارات الصادرة بتاريخ : الاحد 7 آب 2005 مقالاً للدكتور الشيخ محمود عكام بعنوان : الأسرة في الإسلام: التكوين والتوعية ، وهذا نص المقال :

اضغط هنا لتقرأ نص المقال من الصحيفة

الأسرة في الإسلام: التكوين والتوعية


 لعلنا اذا عدنا الى اللغة عبر قواميسها وجدنا ان الاسرة تعني في الاصل الدرع الحصينة، وفعلاً ،فإن الاسرة ـ بمفهومها الاجتماعي ـ درع، واعظم بها من درع يلبسه الفرد او يتلبسه، فيغدو بها محمياًومرعياً.
اما الحماية: ‏
فمن كل أذى يمس الانسان فرداً، ويستعدي عليه وحيداً. ‏
والاذى الذي يمس الانسان فرداً هو الكآبة الموحشة، والوحشة الكئيبة. ‏
وأما الاذى الذي يستعدي على الانسان وحيداً فالقلق والشعور بالضعف، وحاجة النصير. وعلى هذا فالاسرة مطلب فطري. وتطلع انساني لابديل له ولاغنى عنه، رضي من رضي، وسخط من سخط، وهو في الوقت نفسه نواة مجتمع يعني في النهاية درعاً كبرى، تحمي من تشرذم وفرقة ومخاوف تنتج عنهما، اي عن التشرذم والفرقة. ‏
لقد جهد بعض المعتدين على الانسان في ازالة الدرع عنه، بحجة ثقلها الموهن لكاهله، ولكنهم بذلك ما دروا ان المحمي الجميل الناعم اللطيف حل محل الحامي، فاشتد تعرضه للنوائب الجائحة، واختلط الظرف بالمظروف، والقلب بالقفص الصدري، وهذا ما لايقول بنجاعته عاقل. ‏
وأما الرعاية: ‏
فلكل قيمة إنسانية تشكل جزءاً من هذا المخلوق الأسمى، وأهم قيمة ترعى بدرع الاسرة « الوفاء» المؤدي الى البناء،و« الحب» المفضي الى التعاون والإخاء. ‏
والوفاء والحب أرفع قيمتين انسانيتين،ومحل تشكلهما هو الاسرة، لان المسببات والمجليات لهما واضحة بينة، فالوالدية عطاء يقابل بوفاء، والوليدية بقاء تقابل بحرص وحب وتمسك، وحدث بعد ذلك عن مخاضات الصفات والقيم في هذا المحضن ولاحرج ستبقى الاسرة محل عناية ورعاية من رب الانسان دائماً، وعليها فإن كل من اوفدوا رسلا منه الى الانسان نقلوا ايات الدعوة الى تكوين الاسرة والى التحسين والتجويد بعد التكوين، حتى لكأن كثرة ما جاء في ذلك من آيات ـ في صحف ابراهيم، وزبور داود، وانجيل عيسى، وتوراة موسى، وقرآن الفرقان، توحي بضرورة الحديث عن « الاسرة» والداً ووالدة واولاداً وابوة وامومة واخوة وبنوة، على أساس من العبادة الصرفة، التي لا تقبل تحويراً ولا تعليلاً بل هي قضية فوق العقل اصطفاها الله لتحكي ـ ابد الدهر ـ حكاية الاحسان البشري لينفذ منه الى الاحسان الالهي الرباني: ‏
« وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً» الاسراء /23/. ‏
الأسرة والإسلام ‏
التكوين والتوعية ‏
لقد رعى الاسلام الانسان في كل تجليات وجوده، فرداً كان او اسرة، مجتمعاً كان أو دولة، ورعاية الاسلام تعني: ‏
اولاً ـ التأسيس من خلال التكوين. ‏
ثانياً ـ والاستمرار عبر الحماية والعناية ‏
ثالثاً ـ والتوريث، بوساطة التنفيذ الواعي الذي يوجده النموذج المقنع. ‏
كل ذلك في اطار مستوعب من الايمان بالله عزوجل: ‏
« ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير» الملك /14. ‏
وحين نتوخى المرحلة الأهم في تجليات وجود الانسان التي ذكرنا، تبرز الاسرة حالة مهمة فاعلة خطيرة، تحتضن الفرد في ابعاده وتطلعاته ودوافعه واندماجه في مجتمعه، وتشكل في الوقت ذاته منطلقاً لمجتمع متراص متماسك، وكأني بها وهي صالحة يصلح بها الفرد والمجتمع وكأني بها وهي فاشلة يفشل المجتمع والفرد من خلالها. ‏
واذا ما اردنا الحديث عن التكوين والحماية والعناية والتنفيذ الواعي في مجال الاسرة فإننا نتحدث عن: ‏
أولاً: التأسيس من خلال التكوين: ‏
الذي يتجلى من خلال مقوماته: ‏
1 ـ اما المقوم الاول لتكوين الاسرة وتأسيسها التأسيس القوي فهو الاختيار السليم من الرجل للمرأة، ومن المرأة للرجل، ومن أجل هذا فقد جعل الاسلام الاختيار مبدئياً، فقال رسول الله ے للرجل وهو يختار المرأة: ‏
( تنكح المرأة لاربع : لمالها، ولحسبها، وجمالها، ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك)(1) ‏
وفي رواية اخرى:( فخذ ذات الدين والخلق تربت يداك)(2) ‏
ووجه المرأة كما وجه الرجل: فقال للمرأة وهي تختار وتبحث: ليكن اختيارك مبدئياً، فلقد قال النبي ے ( إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، الا تفعلوا، تكن فتنة في الارض وفساد عريض) (3). ‏
وأنت أيتها المرأة ياصاحبة المبدأ، يامن اعترف ديننا الإسلام بحقك. أنت التي تختارين وها هي ذي القصة التي تعبر عن مدى احترام الإسلام لاختيار المرأة، يوم جاءت فتاة الى النبي ے فقالت له:« يا رسول الله، ان أبي زوجني ابن أخيه، ليرفع بي خسيسته، وأنا له كارهة»، فخيرها النبي ے اي جعل لها الخيار في ان تقبل ذلك او ترفضه، فقالت:« يا رسول الله قد اجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن يعلم الناس ان ليس الى الآباء من الأمر شيء(4) أي في الاختيار الذي ينبع من الفتاة المسلمة صاحبة المبدأ. ‏
2 ـ وأما المقوم الثاني بعد الاختيار، ومن أجل تكوين سليم يعني التأسيس القوي، فتأتي قضية المهر، ولقد دعا الاسلام الى عدم التغالي في المهر، وقال رسول الله ے يوم سمع بإنسان أصدق زوجته أربع أواق من فضة:( كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل؟) (5) وقال رسول الله ے في حديث آخر:( إن من يمن المرأة تيسير صداقها((6) ‏
هذه هي مرحلة التكوين. ‏
ثانياً ـ الاستمرار عبر الحماية والرعاية: ‏
أما الحماية والرعاية اللتان توجدان الاستمرار، فبالحماية والرعاية تستمر الاسرة اسرة معطاء، من اجل ان تقدم النموذج الخير، ولذلك فقد حماها الاسلام بتشريعات وقوانين كانت لها رائعة. ‏
أ ـ فقال لها اولاً: أيتها الاسرة، أيها الزوج، أيتها الزوجة: لتكونوا في حمية من افعال تؤثر على مسار هذه الاسرة: ‏
ـ فلا طلاق، والطلاق في ساحة البغضاء وضعه الله عزوجل. ‏
ـ ولا زنى، لأنه معول يهدم الاسرة، وليس من معول يهدم الاسرة اخطر من الزنى، اذ يهدم الاسرة بكل كيانها، ليأتي بعدذ لك على هدم المجتمع. ‏
ب ـ ورعى الاسلام الاسرة بعد ذلك ، فقدم لها تشريع عناية، اذ قال للزوجة: أيتها الزوجة، هيا من أجل أن تتحلي بالطاعة الواعية الهادفة للزوج، فلقد جاءت امرأة الى النبي ے وقالت: « يا رسول الله، أنا وافدة النساء إليك، الرجال يجاهدون معك ولاجهاد لنا »، فقال لها النبي ے ( أبلغي من لقيت من النساء ان طاعة الزوج واعترافاً بحقه يعدل ذلك) (7) ‏
ـ وقال للزوج وهو يعتني بالاسرة: أيها الزوج كن صاحب خلق حسن مع زوجك في بيتك فلقد قال ربنا سبحانه وتعالى:( وعاشروهن بالمعروف) النساء /19. ‏
ويقول النبي ے :( استوصوا بالنساء خيراً)(8). ‏
ويقول النبي ے ايضاً:( خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لاهلي) (9). ‏
ويقول النبي ے ايضاً:( إن من أكمل المؤمنين ايماناً احسنهم اخلاقاً والطفهم ‏
بأهله)(10) ‏
وتابع الاسلام طريق العناية من أجل استمرار رائع، من أجل مسيرة اسرة تشكل النواة الخيرة لمجتمع فاضل متكامل، فقال للاولاد: ‏
هيا أيها الاولاد الى بر آبائكم،هيا الى بر أمهاتكم: ‏
( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين احساناً) الاسراء/23. ‏
ويقول النبي ے:( مامن ولد ينظر الى أبيه أو أمه نظرة رحمة، الا كتب الله له بهذه النظرة حجة مبرورة)، فقال رجل:( يا رسول الله ،أرأيت إن نظرت إليه مئة مرة في اليوم؟» فقال ے ( نعم ، الله أطيب وأكرم) (11). ‏
وتتابع العناية ليتوجه الإسلام الى الاباء من أجل عطف وحنو على الابناء، ويقول الاسلام لهؤلاء الآباء: ‏
هيا وتجلببوا بجلباب الرحمة والاحسان، بجلباب العطف على الاولاد، وما اروع تلك القصة، يوم جاء الاقرع بن حابس الى النبي ے ، فرآه يقبل الحسين رضي الله عنه فقال:« يا رسول الله ، إن لي عشرة من الاولاد ما قّبلت واحداً منهم ابداً» ،فقال النبي ے :( أو أملك لك ان نزع الله من قلبك الرحمة؟! من لاير حم لايرحم) (12). ‏
ويروى ان رجلاً كان جالساً بقرب النبي ے فدخل على الرجل ابن له، فقبله ووضعه في حجره، ثم دخلت عليه ابنة له فوضعها الى جانبه، ولم يقبلها فقال له النبي ے:( ياهذا، ماعدلت بينهما)(13). ‏
إنها الحماية. إنها الرعاية، تثبتان الاستمرار الرائع. ‏
ثالثاً ـ التوريث بوساطة التنفيذ الواعي: ‏
ويأتي بعد ذلك التوريث، الذي يظهر ويتجلى عبر النموذج المقنع، وها هو ذا النبي ے يشكل هذا النموذج، ها هم اهل بيته، وهاهم صحابته، وهاهم اولاء العاملون، وها هم اولاء المؤمنون الصادقون، يبنون نماذج رائعة ، ويشكلون اسوة ستبقى محل اكبار واعجاب ، لكل اولئك الذين ينشدون اسراً طيبة خيرة، تشكل مجتمعاً طيباً خيراً. ‏
وان سألنا عن اسرة الحبيب الاعظم ے عن روعتها عن نموذجيتها ، عن اسوتها، اذ بنا نقرأ ملامحها في طيف ملون رائع، يأتي قوساً منوراً لكل من ادلهم به الظلام، او وقع في الغياهب والسراديب. ‏
ومن اراد عرضاً لهذه الملامح الكريمة فليقرأ ماقالته السيدة عائشة رضي الله عنها حينما وصفت النبي ے ،فقالت:« كان ابر الناس واكرم الناس، بساماً ضحاكاً»(14). ‏
وحين نسأل انس بن مالك يقول لنا : كان رسول الله ے اشد الناس لطفاً ، وما رأيت احداً كان ارحم بالعيال من رسول الله ے(15). ‏
وحينما نسأل هذه الاسرة الكريمة عن سلوك الزوجة، يطالعنا التاريخ بكلمات ستبقى الطغراء في صفحة الحياة، حين قالت السيدة خديجة رضي الله عنها للمصطفى ے يوم جاءها ترتعد فرائصه لما هبط عليه الوحي، قالت هذه الزوجة الرائدة الرائعة الواعية: ‏
« كلا، والله ما يخزيك الله ابداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق»(16). ‏
ويجلل كل ذلك الحب ، فلا أسرة من غير حب ولامجتمع من غير مودة ، وان الاسرة التي انهزم منها الحب، وان المجتمع الذي حاد عن مسيرة الحب، مجتمع واسرة ينبغي ان ينظرا نظرة فاحصة في واقعهما. ‏
الحب سيبقى الغيمة الخيرة المدرة للمطر الخير، من أجل أن تنبت هذه العلائق والصلات كل ملامح الخير، وكل معالمه، وكل ثماره التي تنفع الناس، وحياة اسرة ومجتمع من غير حب، مجتمع لاثمر فيه، ولا ماء فيه ولاحياة فيه. ‏
وإني لأرجو الله وأنا أتحدث عن هذه الخلية، أتحدث عن هذه النواة، اتحدث عن الأسرة أن يجعل ربي بلدنا، ان يجعل ربي سورية الحبيبة اسرة تكون النموذج والقدوة لكل البلاد، وعلى مستوى كل بقاع الارض، على مستوى كل الدول التي تسعى من اجل ان تكون معطاء خيرة مبدئية . ‏
أرجو الله أن يجعل من سورية أسرة خيرة بعطائها، باحترام صغيرها لكبيرها، وبعطف كبيرها على صغيرها، وبأن تكون دائماً مرعية بقيادة مؤمنة، لتشكل ـ وهذا الذي نصبو اليه ـ وطناً نظيفاً يستظل بظل دين حنيف، فعنوان اسرتنا في سورية: ‏
وطن نظيف يستظل بدين حنيف. ‏
أسأل الله أن يوفقنا جميعاً، حيثما كنا، لنكون على مستوى العطاء في اسرنا، وفي مجتمعاتنا آمين، والحمد لله رب العالمين.                                                                    

بقلم الدكتور الشيخ محمود عكام
دمشق ، صحيفة تشرين ، مدارات ، الأحد 7 آب 2005
 

الهوامش :
(1) أخرجه البخاري ‏
(2) أخرجه أحمد. ‏
(3)أخرجه الترمذي وابن ماجة. ‏
(4) أخرجه ابن ماجة وأحمد. ‏
(5) أخرجه مسلم. ‏
(6) أخرجه أحمد. ‏
(7)أخرجه الطبراني. ‏
(8) أخرجه البخاري ‏
(9) أخرجه ابن ماجة. ‏
(10) أخرجه الترمذي وأحمد. ‏
(11) اخرجه البيهقي. ‏
(12) أخرجه البخاري. ‏
(13)أخرجه البيهقي. ‏
(14) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى. ‏
(15) أخرجه مسلم ‏
(16) أخرجه البخاري.

التعليقات

شاركنا بتعليق