آخر تحديث: الجمعة 21 يناير 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
سيدي أنت رحمة مهداة

سيدي أنت رحمة مهداة

تاريخ الإضافة: 2004/04/30 | عدد المشاهدات: 2856

أما بعد : أيها الأخوة المؤمنون :

لتكن البداية تهنئة للعالم الإسلامي كله بمناسبة ذكرى ميلاد سيد البشر محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ونسأل الله مع التهنئة أن يُثَبِّت المسلمين على دينهم تثبيتاً جميلاً ، ونسأل الله أيضاً أن يُعلِيَ كلمة المسلمين عالية خفاقة ، وأن ينصرهم نصراً مؤزراً على أعدائهم في كل مكان .
وبعد التهنئة : ما الذي تعنيه الاحتفالات بذكرى مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟ لعل من معاني الاحتفال استدعاء القيم والفضائل التي جاء بها هذا النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ، نستدعي هذه القيم ونستحضرها في أذهاننا ، ومن ثم نحاول أن نجعلها مطبقة بيننا ، منفذة من قبلنا ، ممتزجة بحياتنا ، قائمة مشخصة لا نعدل عنها ، والقيم التي جاء بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يمكن أن أَصِفها بالكثيرة فحسب ، ولكنها تامة كاملة ، ليس فيها نقص لا في عدد القيم ولا في طبيعتها ونوعها ، ولا أريد أن أتحدث عن كل هاتيك القيم التي جاء بها سيدنا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ولكنني سأتحدث عن قيمة جاء بها ، بل كَانَها ، ألا وهي قيمة الرحمة . أوليس الله عز وجل قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾
الأنبياء : 107 ألم يقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث يرويه الدرامي : " إنما أنا رحمة مهاة " ألم يقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً كما جاء في صحيح الإمام مسلم : " إن الله لم يبعثني لعاناً ، وإنما بعثت رحمة " لذلك قلت : لم يأتِ النبي بالرحمة بل كان الرحمة ذاتَها وعينَها ونفسَها ، كان الرحمة كلها ، كان الرحمة يشخصها ويجسدها ، وبناء على ما ذكرنا نقول : إن كل قيمة أخرى جاء بها النبي عليه وآله الصلاة والسلام إنما نسجت بخيوط الرحمة ، فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان عادلاً ، ولكن العدالة والعدل كانا ممتزجين ومنسوجين بالرحمة ، فهو عادل رحيم ، كان عليه وآله الصلاة والسلام بشيراً ، ولكن البشير تتبع بالرحمة فهو بشير رحيم ، كان نذيراً ، ولكنه نذير رحيم ، كان حكيماً ، ولكنه حكيم رحيم ، كان عطوفاً ، رؤوفاً ، أميناً ، وكل هاتيك القيم انتُسِجيت بخيوط الرحمة ، ولذلك وصف بالرحمة بالمصدر ، بل كان الرحمة عينَها ونفسها وذاتها .
وإذا كان الاحتفال يعني استدعاء القيم ، وها نحن نخص بالذكر قيمة بالرحمة لأن النبي عليه وآله الصلاة والسلام كان مشخصها ومجسدها وممثلها ومجليها ومحددها وصاحبها ، فما أحرانا أن نتداعى في الاحتفال بمولد النبي عليه وآله الصلاة والسلام إلى أن نكون رحماء ، وإلى أن نتحلى بالرحمة ، إلى أن يتحلى التاجر بالرحمة ، وتحلي التاجر بالرحمة يعني احتفالاً حقاً بذكرى ميلاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وما أحرى الحاكم أن يتحلى بالرحمة ، وإذا ما تحلى الحاكم بالرحمة فقد احتفل بميلاد النبي ، وكذلك الطالب والمدرس والأب والأم ، والطبيب والمحامي والقاضي والمفتش وكل أصناف وشرائح المجتمع ، نقول لهؤلاء جميعاً : الرحمةَ الرحمة ، الرحمة في تجارتكم ، الرحمة في قضائكم ، الرحمة في طبكم ، الرحمة في وعظكم ، الرحمة في أبوتكم ، الرحمة في أمومتكم ، الرحمة في بنوتكم ، الرحمة في دراستكم وثقافتكم ، الرحمة في دخولكم الجامعات وفي كل ما تعملون ، ولعل بعضنا يسأل – ويحق له أن يسأل – ماذا تعني كلمة الرحمة ؟ وما المراد من الرحمة ؟ فتشت عن معنى كلمة الرحمة وإذ بي أصل في النهاية – وأنا أحب دائماً أن أبحث عن المعاني المحددة حتى لا نعبئ المصطلحات بمعانٍ غير قابلة للحصر أو للحد أو التعريف . بحثت عن المعنى القابع في حروف الرحمة فوجدت أن الرحمة تعني العطاء النافع برفق ، وقرأت قوله تعالى : ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ﴾
آل عمران : 159 وبحثت عن الفظاظة والغلظة فوجدت أن الفظاظة عطاء غير نافع ، والغلظة تعني عنفاً أو تعني ضد الرفق ، ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ آل عمران : 159 لأن الرحمة عطاء نافع برفق ، إذا ما أعطيت برفق عطاء نافعاً فهذه هي الرحمة ولذلك ربنا عز وجل قال : ﴿ الرحمن . علم القرآن . خلق الإنسان . علمه البيان ﴾ الرحمن : 1- 4 ومن حيث كونه رحماناً خلقنا فحياتنا عطاء نافع ، والله حينما خلقنا خلقنا برفق ، أوليس الله قد قال ﴿ فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ﴾ الحجر : 29 أوليس هذا عطاء نافعاً ، نافع برفق يعني رحمة .
أيها التاجر ، أيها الحاكم : إن كنت تحكم وتعطي بحكمك ما وكلت أن تعطيه وكان العطاء نافعاً ، ولن يكون العطاء نافعاً إلا إذا كان موافقاً لشرع الله ، لأن الله لا يريد منا أن نعطي السيء لبعضنا ، أيها المدرس إذا أعطيت درسك النافع برفق فأنت رحيم ، أيها الطبيب إذا أعطيت طبك وعلاجك النافع المدروس برفق فأنت رحيم وهكذا ، عندما نمتلك هذا المعنى ونطبقه في ميادين الحياة ندرك أن الرحمة عطاء نافع برفق ، فإذا لم يكن العطاء نافعاً فهو فظاظة ، وإذا لم يكن هنالك عطاء فهو فظاظة ، وإذا كان العطاء النافع برفق فهو غلظة ، والرحمة من طبيعتها العموم ، ولذلك قلنا العطاء النافع للجميع ، أن لا تدخر العطاء ولا جزءاً منه ، العطاء النافع برفق لكل الناس ، وهذا ما يقوله سيدنا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم . رأيت حديثاً يرويه الدارمي يقول فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " لا تؤمنون – وفي رواية لن تؤمنوا – حتى تراحموا " فقال رجل : يا رسول الله : كلنا رحيم . فقال : " ليست الرحمة برحمة أحدكم صاحبه ، ولكنها الرحمة العامة " الرحمة عامة شاملة " الرحمون يرحمهم الرحمن ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء " وهنالك روايتان " يرحمْكم من في السماء " إذا رحمتم ، وفي رواية ثانية " يرحمُكم من في السماء " إن رحمتم الآخرين أو لم ترحموا ، لأن رحمة الله مستمرة لكم سواء أرحمتم الآخرين أم لا " ارحموا من في الأرض يرحمُكم من في السماء " رحمة الله دائمة معكم .
فلنفكر في مثل هذه الذكريات بالقيم ، وبقيمة الرحمة بشكل خاص ، هل أنت تعطي نافعاً برفق ، أنت تحب أن توصف بالرحمة فهل أنت تعطي نافعاً برفق إذاً أنت رحيم سواء أوصفك الناس بذلك أم لا ، أنت رحيم ما دمت تعطي نافعاً برفق ، فالرفق ما وضع على شيء إلا زانه وما رفع من شيء إلا شانه ، نريد أن نعيش الرحمة ، نريد أن نفكر في الرحمة ، نريد أن نحاسب أنفسنا في كل يوم هل كنا رحماء هذا اليوم من خلال عطاء نافع برفق أم أن الرحمة ابتعدت عنا فلم تصبنا بوابها الطيب ، هل كنا في دوائرنا رحماء ، هل كنا في عياداتنا رحماء ، هل كنا في مكاتبنا رحماء ، هل كنا في ثكناتنا رحماء ، وأخاطب الثكنات ومن فيها بشكل خاص بضرورة الرحمة ، أريد لجيشنا أن يتراحم فيما بينه ، أريد للضابط الكبير أن يكون رحيماً بمن هو أدنى منه رتبة وهكذا ، وبشكل خاص فنحن أمة الرحمة إن تخلينا عنها فلن نرى الخير ما دمنا لم نرى الإيمان ، أوليس النبي قد قال : " لن تؤمنوا حتى تراحموا " إذا لم نتراحم فلن نرى الخير ولن نرى الإيمان ، والخير لا يأتي إلا من وراء الإيمان ، فإذا ذهب الإيمان ذهب الخير كله .
إن النبي عليه وآله الصلاة والسلام الذي نتذكر اليوم ميلاده كان رحيماً بالمؤمنين ، كان رحيماً بالجماد ، كان رحيماً بالحيوان ، كان رحيماً بالمشركين ، أوليس النبي قد قال : " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " إنه يريد أن يعطيهم الإيمان ، فالإيمان عطاء نافع برفق .
الصلاة والسلام عليك يا سيدي يا رسول الله ، الصلاة والسلام عليك يا ابن عبد الله ، الصلاة والسلام عليك يا أرحم الناس بالناس ، الصلاة والسلام عليك يا خاتم رسل الله ، الصلاة والسلام عليك يا أيها المبعوث رحمة للناس ، الصلاة والسلام عليك في يوم مولدك ، وفي يوم بعثك ، وفي يوم تشفع لنا فيه عند الله جلت قدرته ، اللهم اجعله روحاً لذاتنا من جميع الوجوه يا عظيم ، نعم من يسأل أنت ، ونعم النصير أنت ، أقول هذا القول وأستغفر الله .

التعليقات

شاركنا بتعليق