آخر تحديث: الأحد 14 يوليو 2019
عكام


كتب و مؤلفات

   
منبر شاهد على حرب العراق 2003

منبر شاهد على حرب العراق 2003

تاريخ الإضافة: | عدد المشاهدات: 3118

بعيداً عن ألاعيب الكلام
قراءة في كتاب
منبر شاهد على حرب العراق 2003
تأليف الدكتور الشيخ محمود عكام

في لحظات تاريخية نادرة ، وتحديداً في أيام الحرب على العراق ، شهدنا تمازجاً وتداخلاً كبيرين بين الخطابين الرسمي والشعبي في تعاطيهما مع هذه القضية / الأزمة ، لا بل شهدنا اتفاقاً عجيباً بينهما على أن يكونا أسوأ من الحرب ذاتها ، ولكن يبدو أنه ما من عجيب يُعدُّ اليوم عجيباً ، فقد تعودنا كل شيء ، واكتسبنا مناعة خارقة ضد كل شيء ، عن طريق التكيُّف والتلاؤم وتقبل الأمر الواقع بعد تغييره عن بكرة أبيه بواسطة خيالنا الفانتازي .
ولكن بعيداً عن كل ذلك أمامي الآن آخر إصدار للدكتور الشيخ محمود عكام بعنوان : " منبر شاهد على حرب العراق 2003 م " والمؤلف هو أحد أبرز وجوه الفكر والدعوة والتنوير الديني في سورية ، وواحد من المشايخ القلائل ممن جمع بين ثقافتين متباينتين ، فهو خرّيج ( الخسروية ) تلك المدرسة الدينية الكلاسيكية في مدينة حلب ، وهو بعد ذلك الحاصل على درجة الدكتوراه في الفكر الإسلامي من جامعة " السوربون " في باريس .
وقد وثق المؤلف في هذا الكتاب خطب الجمعة التي ألقاها في جامع التوحيد الكبير في حلب الشهباء إبّان هذه الحرب ، من دون زيادة عليها أو نقصان ، معللاً نشره لها بقوله : " سأنشرها تعميماً لها ، وتأكيداً على وجودنا في الأحداث الجارية ، وقد يكون هذا الوجود هزيلاً أو غير فاعل ، وقد يكون شكلياً ، لكن المهم أنه وجود ، ووجود يقص عن نفسه الذي به يحس ويشعر ، وآمل من أرباب القلم والكلمة أن ينحوا هذا النحو ليسجل كل منهم ما قد صدر عنه وما قد حكاه وسيكون هذا توريثاً للأجيال القادمة حتى تتعرف على فترة من التاريخ من خلال أهلها ، وعليها أن تتعرف على ذات الفترة من قنوات أخرى ، ثم تقارن بين الحصيلتين وتنقد ، وربما نتج عن هاتيك الدراسة حكم علينا بأننا دون مستوى الحديث أو كنا فيه ولكننا جهلناه ، أو علّقنا عليه بما لا يتناسب معه أو ربما لا يتصل به أو يمسه " ص 8 .
الكتاب مليء بالمصارحات والتعليقات والمناشدات للذات والآخر ، للمعتدي والمعتدى عليه ، للحكام والمحكومين للعالم الإسلامي والغربي ، للصديق والعدو ، وهو في الوقت نفسه ذاخر بالرؤى والأفكار التي تستحق الدراسة والحوار والمناقشة ، أفكار حول الوحدة - الجهاد - مقومات النصر - إيجاد حلف مواجه لأمريكا يتجاوز الصيغ الدولية القديمة ويؤسس لمرحلة سياسية دولية جديدة في مواجهة النظام الدولي الجديد ، ولعل أول ما يلاحظه القارئ في هذه الخطب هو ذلك الاستقلال المزدوج في آن واحد عن ذوق الجماهير وذوق السلطة اللتين تمنحان البركة واللعنة ، وذلك الرفض في الانخراط في جوقة الولولة الثقافية التي تصرخ في وجه الفظائع التي كنا سبباً فيها . من هنا يقرر المؤلف أننا : " إذا كنا نظن أنفسنا بأننا نحس القول ولا نحسن العمل فذلك وهم ، لأن من أحسن القول أحسن العمل ، ومن أحسن العمل أحسن القول ، بل ويتساءل بمرارة : " إذا كان من السهل أن نصنف المعتدين تحت عنوان فرعون ، فهل من السهل أن نصنف أنفسنا تحت عنوان موسى ؟ ومن ثم يقرر : " إننا ننتظر فجوات في عمل غيرنا لننفذ من خلالها ، ليس بعملنا وإنما بتسلط ألسنتنا ، فعسى ولعل أن يوصلنا هذا النفاذ من خلال هذه الفجوات إلى نصر مؤزر " .
على أن هذا النقد لا يخلو من صبغة كاريكاتورية لاذعة في كثير من الأحيان ، وقد أعجبني استنكاره لذلك الدعاء الذي يدعو به بعضهم قائلاً : " اللهم اضرب الكافرين بالكافرين وأخرجنا من بينهم سالمين " ويتساءل كيف يتأتى لنا أن ندعو مثل هذا الدعاء الكسول الخامل ؟ أليس معناه في الحقيقة هو ما يلي : " اللهم اضرب الكافرين بالكافرين ، وأخرجنا من بينهم سالمين ، وأبقنا كسولين خاملين ، ولا تحرك فينا ساكناً ، واجعلنا من أولئك الذين يشتمون ويلعنون ويسبون " .
وضمن أشجان حديث الوحدة وشجونه ، وفي تصوير ملؤه السخرية التي لا تتجاوز الواقع بتاتاً يقول : " لو قلت لمسلم : كم عدد المسلمين في العالم اليوم ؟ لقال : مليار . لكنني بعد ذلكم إن سألته سؤالاً تالياً : أتحسب الشيعة من المسلمين ؟ فيقول لي : لا . إذن انهار 400 مليون ، وبقي عدد المسلمين 600 مليون . أقول : هل تحسب الصوفية من المسلمين ؟ فيقول لي : لا . إذن انهار 400 مليون ، وبقي 200 مليون . أتحسب الفئة الفلانية أو الطائفة الفلانية أو الجماعة الفلانية أو الشيخ الفلاني ؟ فيقول لي : لا . في النتيجة : كم عدد المسلمين في العالم ؟ ينظر هذا الإنسان المحبط المثبط الذي لا يعرف حتى نفسه ليقول : عدد المسلمين أنا وشيخي والمقربون فقط ، ثم في النهاية ينظر فيرى باب الجنة صغيراً جداً لا يتسع إلا لواحد فيخرج شيخه ليدخل هو وحده " .
وفي حديثه على لسان العراقيين يخاطب العرب أجمعين ساخراً بالسخرية نفسها :
" أتصدِّقون ؟! لقد فرح بوش لنا ولتحررنا ، وابتسم رامسفيلد لما وصلنا إليه من حرية ؟ أتصدقون ؟ لقد هنأنا بلير ، وبارك لنا باول ، ونأمل ألا تستعجلوا يا عرب في إغاثتنا لأننا مشغولون بتقبل التهاني من قبل الأمريكان والبريطانيين فإذا جئتمونا فيما بعد فسنأتيكم - وهذا عهد - لنردّ لكم الزيارة ، ولكن بعد انتهاء مراسم التهنئة من قبل من يهنئنا الآن .
أو ما تعرفون بأن أمريكا قررت أن تُفرِّح العالم على طريقتها ، وبدأت بنا نحن العرب لأننا نفرح بسرعة وبأرخص أسعار سوق الذل والمهانة .
ومعادلة الفرح على الطريقة الأمريكية :
منكم يا عرب البترول والأرض والشعب والثروات والخيانة ، ومنا نحن الأمريكيين السياسة والقيادة إلى أن تصبحوا أرقاء من الطراز الأول في سوق نخاستنا الكبير ، فكونوا معنا قبل فاصل الحرب وبعده " .
أما أهم ما استوقفني في هذا الكتاب فهو الخطبة السابعة والأخيرة فيه ، والمخصصة لتفجيرات الرياض والدار البيضاء ، وقد جاءت على شكل تعليقات ومناشدات ، ولست بمبالغ إن قلت إن هذه التعليقات هي من أفضل ما قرأت حول هذا الموضوع ، ذلك أنها اتصفت بالبلاغة التي تعني القصد وإصابة المعنى ، واتصفت بالشمول الذي يتناول جميع الأطراف المسؤولين عنها ناهيك عن تحديد لمفاهيم لا زلنا نتخبط في فهمها وتطبيقها وممارستها ولنقرأ منها على سبيل المثال :
1- أيها الناس :
لا يقهر بعضكم بعضاً ، فالقهر في النهاية يؤدي إلى انفجار ، وما ثمة أحد خارج عن نطاق الاختراق بالانفجار إذا ما قَهر ، فلا تقهر يا رجل الدين الناس بالشدة فيقهرك الله بمن يخرجك عن الدين البتة ، ولا تقهر يا رجل السلطة الناس بالقسوة فيقهرك الله ويسلط عليك من لا يرحمك ، ولا تقهر أيها الأب ولدك فيقهرك الله ، وكذلك أنت أيها الابن لا تقهر والدك بالعقوق فيقهرك الله .
2- ألم يأنِ للعالَم أن يبحث عن صيغ للتعايش السلمي بمعزل عن آلة الدمار والحرب ؟! لا سيما وأن العالم قسمان : ذوو دين ، والدين يدعو إلى السلام ، وملحدون نقموا على الدين ضعف إمكانه في جمع المتخالفين برف وحوار سالم .
3- الإسلام الأوسع حصانة ، والمواطنة حصانة ، والإنسانية غير الظالمة حصانة ، فهل أنتم مدركون ؟!
4- الجهاد فريضة جماعية مَنُوطة بولي الأمر ولا يطبّق بشكل فردي ، فإن قال لي قائل : إن كان هؤلاء الحكام لا يجاهدون فماذا نفعل ؟ أقول : عليك أن تسعى من أجل أن تقنعهم بالجهاد ، لأن الجهاد كالحدود ، فلو أن إنساناً جاءك اليوم وقال عن نفسه بأنه زنا وهو محصَن - متزوج - فهل تقوم أنت بتنفيذ الحد فترجمه ؟! ما أعتقد أن واحداً من المسلمين يقول : نعم أنفذ فيه الحد ، ولكنه سيقول هذا الأمر موكل بحاكم المسلمين . والجهاد كذلك لا يطبق بشكل فردي ، وإنما هو فريضة جماعية لها راية ولها إمرة .
5 - الصحة والإخلاص مبدآن أساسيان وشرطان ضروريان لممارسة الدعوة ، ولا يكفي أحدهما دون الآخر ، وهنا قد يقول لي بعض الإخوة - وقد أسميتهم محامين عن مجهولين - يقولون لي مدافعين عن بعض هؤلاء الذين يقومون بمثل هذه العمليات التي أراها غير شرعية : ألم تنظر لهم ! تركوا الرخاء والرفاه والعز المادي وخلدوا إلى الجبال وعزفوا عن زخارف الدنيا وزينتها ؟ أقول لهؤلاء : نحن - إن وافقناه - بأن نية هؤلاء طيبة ولكن أذكركم بأن الصحة والإخلاص لا بد منهما ، لا بد من النية الطيبة ، ولا بد معها من العمل الصالح الموافق لشرع الله .
6- دعوا السياسة للمختصين فيها . السياسة يا ناس لها أربابها ومختصوها ، وقد غدت اليوم علماً له أصول وقواعد وأسس / فما بال غير أربابها يتناولونها وكأنهم أهلها وأبناء بجدتها وبراة قوسها .
السياسة ليست اتهامات ولا سباباً ولا ادعاءات ، لكنها تحليل موضوعي قائم على فهم ، ودراسة جادة للأسباب والبواعث ، ودراية فاهمة بالعواقب والنتائج ، فهل يتمتع السياسيون اليوم بهذا ... ؟!
خطب الجمعة فيه تأبى أن تكون مأدبة للتوبيخ والتبكيت ، أو للاستطالة بله الاستقالة . بل تصر على أن تكون ساحة.مفاتحة ومصارحة ، ودعوة إلى التفكير والاعتبار بعيداً عن الانفعالات السريعة واللهجة المحمومة .

محمد أمير ناشر النعم

التعليقات

شاركنا بتعليق