آخر تحديث: السبت 08 أغسطس 2020
عكام


خطبة الجمعة

   
العاقل من احتاط

العاقل من احتاط

تاريخ الإضافة: 2006/02/10 | عدد المشاهدات: 2791

أما بعد، فيا أيها الإخوة المسلمون:

الدنيا خير وشر، وليس ثمة منطقة وسطى بين الخير والشر، لأن ما يؤدي إلى الخير خير، وما يؤدي إلى الشر شر، والعاقل هو الذي يفعل ما يؤدي إلى الخير حتى يتمكن من فعل الخير ذاته، والعاقل أيضاً من يجتنب ما يؤدي إلى الشر حتى يجتنب الشر ذاته، الله عز وجل قال على سبيل المثال: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم سب الله شر وما يؤدي إليه ينسحب عليه وصف الشر، لذلك يجتنب العاقل ما يؤدي إلى الشر حتى يتمكن من اجتناب الشر ذاته.

للأسف -أيها الإخوة- ولا أريد أن أكون في خطبتي دائماً مهيجاً ولا مشاغباً، لكنني أريد تنظيراً وتأطيراً لأفعالنا قبل أن أوأطر وأنظِّر لأفعال الآخرين. للأسف الشديد هنالك من فعل الشر ولئن فعل هذا الشر بحجة حرية التعبير -وأرجو أن أكون مفهوماً- فإن حرية التعبير التي تؤدي إلى الشر شر، من هنا قلنا عن أولئك الذين استغلوا حرية التعبير فأساؤوا إلى مشاعر المسلمين -وهم أحرار في تعبيرهم- قلنا عنهم بأنهم ارتكبوا ما يؤدي إلى الشر وارتكابهم ما يؤدي إلى الشر ارتكاب للشر، نتوجه إلى أولئك الذين حاولوا من المسلمين منا أن يواجهوا هذا الشر، فقاموا باحتجاجاتٍ وهذا أمر جيد ورائع، ونريد أن يحتج المسلمون والعقلاء في الدنيا، أن يحتجوا على الشر وأهل الشر، ولكننا لا نريد في احتجاجنا أن نصل إلى فعل ما يؤدي إلى الشر، نريد في احتجاجنا أن نحتاط وأن نفعل الخير وما يؤدي إلى الخير، والأمر الذي حصل أن احتجاجنا في بعض مساحات الدنيا التي نعيش فيها أدى إلى أمر غير محمود، فقد نيل ممن لا علاقة له بالفعلة الشريرة، نيل من أناس لاذنب لهم سوى أنهم ينتسبون إلى نفس الوطن الذي ينتسب إليه هذا الذي فعل هذه الفعلة الشريرة، نيل منهم وأوذوا وحرقت محلاتهم ... الخ.

أيضاً لم يقف الأمر عند هذا وإنما حدثت احتجاجات في صيغة مظاهرات أدت إلى جرح أناسٍ منا، بل في بعض الأماكن أدى الأمر إلى أن يموت بعض منا كما حدث في باكستان، وكما حدث في أفغانستان وفي تركيا.

يا عقلاء الدنيا، ويا عقلاء المسلمين: المشكلة وفعلة الشر عندما تقع يجب أن نتحلى بالرشد حتى لا نفعل الشر من أجل أن نصل إلى ما نظنه خيراً لأن هذه الأعمال قبل أن أقول إنها تسجل علينا من قبل الآخرين فإنها مسجلة علينا من قبل ربنا عز وجل، لا نريد للمسلمين أن ينجروا من أجل فعلة خير، أن يفعلوا الشر، فنية الخير ليست كافية وعليك أن تجمع بين نية الخير وبين فعل الخير.

لا أريد أن أطيل في هذه القضية ولكنها درس يجب أن نتعلمه ولكنها عبرة يجب أن نعتبر. أعود فأكرر: الخير والشر موجودان في الدنيا وليس ثمة منطقة بين الخير والشر لأن فعل ما يؤدي إلى الخير خير ولأن اجتناب ما يؤدي إلى الشر خير ولأن فعل ما يؤدي إلى الشر شر والعاقل من احتاط. ولئن خلع أولئك الذين فعلوا فعلتهم الشريرة رداء العقل عنهم فلا نريد أن نخلع رداء العقل ولا رداء الحب عنا ولكننا نريد أن ننضبط بأوامر الله عز وجل. خطر ببالي يوم ذهبت عمة النبي عليه الصلاة والسلام وقد أخبرت باستشهاد أخيها حمزة رضي الله عنهما وأرضاهما وكانت امرأة قوية، جاءها النبأ فوقع عليها وقعاً كبيراً وراحت تقتحم الرجال حتى تصل إلى ساحة المعركة فترى ما فعل بأخيها الصحابي الجليل عم رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام ورضي الله عنه كان الناس يلقونها وكان الرجال يلقونها ويقولون لها قفي يريدون أن يوقفوها حتى لا تتأثر ولا تتأذى برؤية حمزة، وقد مثل به، وهي تدفعهم من هاهنا وهاهنا، وقبل أن تصل إلى حمزة أرسل رسول الله رسولاً إليها ليقول لها: قفي وبمجرد أن سمعت رسولَ رسولِ الله يقول لها: قفي. وكانت كالسهم منطلقة قالت كلمة أحب أن يقولها شبابنا ونساؤنا ورجالنا قالت بكل قوة وكل رباطة جأش وبكل اعتماد لله وبكل طاعة لله وبكل طاعة لرسول الله قالت كلمتها الرائعة: أما وأن رسول الله قال: قفي فسأقف. ووقفت جاثمة في مكانها لا تتحرك قيد أنملة.

العاقل من احتاط، الذي نطيعه هو ربنا والذي نطيعه هو رسولنا والذي نطيعه هو ما يأتينا صدقاً عن ربنا وما يأتينا صدقاً عن نبينا لئن كان الآخرون غير عقلاء فلا نريد أن نواجههم بغير العقل أيضاً ولا بغير الدين ولا بغير الفهم ولا بغير تطبيق الشريعة. نريد أن نطبق في مثل هذه اللحظات الحاسمة ما يقوله إسلامنا، ما يقوله نبينا، ما يقوله قرآننا، ما يقوله هذه الدين الحنيف، عند ذلك نتعلم دروساً من المآزق التي تحل بنا وتقع علينا، وإلا لن نتعلم ولن نكون على مستوى التعلم من سيد المعلمين في الدنيا سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أكرر عليكم : العاقل من احتاط، كلنا يقرأ حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم القائل: "الحلال بيّن والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حِمى ألا وإن حمى الله محارمه" اجتنب المساحات المؤدية إلى الشر حتى تجتنب الشر ذاته واجتنب المساحات المؤدية إلى ما يؤذيك حتى تجتنب الإيذاء ذاته وادخل بكل قوة المساحات المؤدية إلى الخير حتى تفعل الخير ذاته هذا من حيث المنهاج، منهاج إسلامنا: الحيطة والاحتياط، والعاقل من احتاط، هذا ما يمكن أن نسميه ورعاً، يروي البخاري ومسلم أن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وجد تمرة في الطريق فأخذها وقبل أن يأكلها وما أكلها -أتدرون ماذا قال- قال: "والله لولا أخاف أن تكون هذه التمرة من الصدقة لأكلتها" لأن نبي الله لا يأكل الصدقة ولا يأكل الزكاة قال: "والله لولا أخاف أن تكون هذه التمرة من الصدقة لأكلتها" إنه احتياط عاقل، فاحتاطوا يا عقلاء، احتاطوا يا شبابنا، من أجل أن تفعلوا الخير افعلوا ما يؤدي إلى الخير متأكدين من أن هذا يؤدي إلى الخير واجتنبوا ما يؤدي إلى الشر متأكدين أن هذا الذي تجتنبوه يؤدي إلى الشر فعلاً، العاقل من احتاط، لعلي قلت كثيراً الحديث جواباً على سؤال ربما انقدح في أذهاننا: ما المعيار في الخير والشر، وما يؤدي إلى الخير وما يؤدي إلى الشر؟ شرع الله عز وجل، لكنك في الأمور التي لا تعلم فيها حكماً صريحاً عد إلى قلبك أو إلى قلب من تثق بقلبه لأن الإمام أحمد روى في مسنده حديثاً لا أروع ولا أجمل ودائماً أذكر هذا الحديث، عندما جاء وابصة إلى النبي عليه وآله الصلاة والسلام يريد أن يسأله وقد وضع في خَلَده سؤالاً، فتلقاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: "يا وابصة تسألني أم أخبرك؟" أتريد أن أخبرك بما جئت تسأل عنه؟ قال: نعم يا رسول الله أخبرني -لا تعجبوا بمعرفة رسول الله بما يجول في ذهن وخلد وابصة لأن قلوب العارفين لها عيون ترى ما لا يراه الناظرون وسيدي رسول الله سيد العارفين- "يا وابصة تسألني أم أخبرك؟" بل أخبرني يا رسول الله قال: "جئت تسأل عن البر" قال: نعم قال: "البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في صدرك وتردد في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس، استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك" وفي رواية: "وإن أفتاك المفتون".

روى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وراوي هذا الحديث سيدنا الحسن رضي الله عنه وأرضاه، ورضي الله عن أخيه وعن أمه وأبيه، عن أخيه الحسين صاحب ذكرى عاشوراء، رضي الله عن أصحاب العباء أو عن أصحاب الكساء: "اللهم هؤلاء أهل بيتي، أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً" يا أبناء الحسين والحسن يا أبناء علي وفاطمة يا أبناء خديجة الكبرى هذا سيدنا الحسن يروي حديثاً عن جده النبي الأعظم عليه الصلاة والسلام يقول فيه: "دع ما يريبك إلى مالا يريبك" العاقل من احتاط، ويروي الترمذي أيضاً أن نبينا عليه الصلاة والسلام قال: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع مالا بأس به حذراً مما به بأس" يعني حتى يحتاط، لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يحتاط، فالاحتياطَ الاحتياطَ في الدماء والأموال والأعراض، الاحتياطَ الاحتياط، أوما سمعتم تنبيه سيدنا المصطفى لذلك الرجل الذي قتل المشرك وقد تمكن منه وقال المشرك: لا إله إلا الله، فقتله لأن هذا الصحابي ظن أو اعتقد أو اعتبر أن هذا الذي أمامه قال هذه الكلمة خوفاً من السيف فقتله وأجهز عليه، فلما عاد وأخبر النبي، نظر النبي إلى هذا الرجل نظرة الغاضب وقال له: أقتلته؟!. أقتلته بعد إذ قالها؟!. أقتلته؟!. ووقف ذلك يردد بينه وبين نفسه، ويقول الصحابي والله تمنيت أني لم أكن قد أسلمت لما لقي من التنبيه ومن التوبيخ من النبي عليه وآله الصلاة والسلام.

الاحتياط في المال والعرض والدم، حدثتكم على هذا المنبر، وأكرر وإنها لكلمة أعجبتني وتكاد تشكل مفردة من مفردات منهجي ومنهاجي يوم قيل لعمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين ولأنه كذلك كان خامس الخلفاء الراشدين قيل له من بعض الولاة: إن هنالك ولاة خانوا فأذن لنا أن نقطع رؤوسهم أو أن نقتلهم. ماذا كانت إجابة ذلك الخليفة العادل الذي ألحق بالراشدين، قال لهؤلاء: لا، لا تقتلوا هؤلاء الخائنين الذين قلتم عنهم أنهم خائنون، قال كلمته الرائعة: لأن يلقوا الله بخياناتهم أحب إليَّ من أن ألقى الله بدمائهم.

عليك بالاحتياط فيما يخص المال والعرض والدم وإلا فأنت لست من المتقين بل لست من العقلاء بل لست من الورعين، فلنكن على احتياط ولنكن محتاطين ولنعش الورع، فالورع والتقوى احتياط وحيطة، هكذا علمنا سيدي رسول الله، هكذا علمنا الإسلام، هكذا علمنا القرآن، ضعوا أمام أعينكم هذه القضية وأنا أدعو من باب الحيطة العاقلة أدعو شبابنا من أجل أن يجتنبوا ما يؤدي إلى الشر حتى لا يقعوا في الشر ذاته، أتوجه إلى شبابنا إلى أن يجتنبوا السهر وهو حلال ربما لكنه سيؤدي بهم إلى أن يضيعوا الفرائض في اليوم التالي وإلى أن  يضيعوا عقولهم فيما لا يجدي، وبالتالي فهذا سيوقعهم في الشر ذاته، لا نريد سهراً حلالاً ومن باب أولى نحن نرفض السهر الحرام لأنه شر ذاتي، نحن نريد أن تبتعدوا عما يؤدي إلى الشر خشية الوقوع في الشر، نريد أن تبتعدوا عما لا بأس به خشية أن تقعوا فيما به بأس، نريد أن تجتنبوا المساحة التي تؤدي إلى الشر ونريد أن تدخلوا المساحات التي تؤدي إلى الخير، فأكثروا من النوافل حتى يؤدي بكم هذا إلى عدم ترك الفرائض، نريد أن يكون لكم وِرد تذكرون ربكم فيه ولعل هذا من النوافل من أجل المحافظة على الفرائض، لا تمش في الشارع في أماكن فيها منكرات إن لم يكن لك هنالك حاجة ضرورية، والضرورة تقدر بقدرها لئلا يؤدي بك هذا المشي في تلك الشوارع إلى ارتكاب الحرام، إلى النظرة الحرام، إلى ما يمكن أن يكون حراماً بنص شرعي وارد في القرآن الكريم أو السنة المطهرة، نريد شباباً ورعين، نريد شباباً متقين، ما أجمل الورع صفة تتحلون بها، نريد نساءً ورعات متقيات ﴿ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ومن باب أولى -يا فتياتنا- احرصن على ألا تفعلوا ما يؤدي بكن إلى التبرج تبرج الجاهلية الأولى، فاجتنبوا ما يؤدي إلى الشر حتى لا تقعوا في الشر وافعلوا ما يؤدي إلى الخير حتى تتمكنوا من فعل الخير ذاته، تلك هي النصيحة التي أحببت أن تكون الرابطة فيما بيني وبينكم هذا الأسبوع.

فاللهم وفقنا من أجل أن ندع ما يؤدي إلى الشر وأن نفعل ما يؤدي إلى الخير، اللهم وفقنا من أجل أن ندع ما يريبنا إلى مالا يريبنا، اللهم وفقنا من أجل أن ندع مالا بأس به حتى لا يؤدي الأمر بنا إلى أن نقع فيما به بأس، اللهم اجعلنا من الذين يبتعدون عن الأمور المشتبهات التي هي بين الحلال والحرام ولكنها تؤدي إلى الحرام حتى نكون في ديننا من الورعين والمتقين. نعم من يسأل ربنا ونعم النصير إلهنا، أقول هذا القول وأستغفر الله.

التعليقات

شاركنا بتعليق