آخر تحديث: الخميس 22 أغسطس 2019
عكام


نشاطات حلب عاصمة الثقافة الإسلامية

   
خطبة الجمعة بعنوان حلب عاصمة للثقافة الإسلامية

خطبة الجمعة بعنوان حلب عاصمة للثقافة الإسلامية

تاريخ الإضافة: | عدد المشاهدات: 3947

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون المسلمون، ويا أيها الإخوة الحلبيون:

أقول هذا لأنني سأتحدث عن حلب كعاصمة للثقافة الإسلامية، فلقد اختيرت حلب هذا العام 1427 لتكون عاصمة للثقافة الإسلامية، لكنني ومن باب التوضيح أود أن أبين لإخوتي وأبناء بلدتي ماذا تعني الثقافة الإسلامية، ثم بعد ذلك نتوجه إلى حلب من أجل أن تتحلى بهذه الثقافة فإذا ما تحلت بالثقافة الإسلامية غدت عاصمة فعلية للثقافة الإسلامية.

أما كلمة الثقافة الإسلامية فتعني: الثقافة هي القدرة على تحويل المعطى أو المعرفة أو القاعدة المعرفية إلى واقع. فالثقافة سلوك وحينما نقول الثقافة الإسلامية فهذا يعني القدرة على تحويل القواعد الإسلامية والمعارف الإسلامية والقيم الإسلامية إلى واقع، فهل أهل حلب – مسؤولين وشعباً - قادرون على أن يتحلَّوا بالثقافة الإسلامية، بمعنى أن يحوّلوا المعارف والقيم الإسلامية إلى واقع ؟ إذا استطاع الحلبيون أن يحولوا معطيات الإسلام المعرفية ومعطيات الإسلام القيمية، إذا استطاع الحلبيون أن يحولوا هذه المعارف والقيم إلى سلوك عندها يكونون قد تحلوا بما يسمى الثقافة الإسلامية، لن أتحدث عن كل المعارف والقيم لكنني اخترت لهذا اليوم خمس قيم وخمسة معطيات معرفية إسلامية وأنا أتنادى مع إخوتي في هذه المدينة الخيرة من أجل تحويل هذه المعطيات الخمسة إلى واقع.

فالنظافة مُعطىً معرفي تحدث عنه الإسلام، وهو قيمة معرفية ولن تكون مثقفاً إسلامياً إلا إذا حولت هذا المعطى المعرفي وهذه القيمة إلى واقع وإلا فلستَ ولستُ مثقفين إسلاميين، تعالوا أحدثكم عن معطيات الإسلام المعرفية تجاه النظافة. لن أذكر كل المعطيات ولن أذكر كل ما جاء في الإسلام عن هذه القيمة لكنني سأكتفي بحديثين لأنتقل إلى قيمة أخرى.

روى الإمام أحمد في مسنده أن رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم"، الحديث الثاني يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في صحيح الإمام مسلم: "إن الله جميل يحب الجمال" وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك عندما قال له أحد الصحابة: يا رسول الله إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة فهل هذا من الكبر الذي نهيت عنه ؟ قال: "لا، الكبر بطر الحق – أي أن ترفض الحق – وغمط الناس – أي أن تزدري الناس".

يا أصحاب بلدة الثقافة الإسلامية نريد أن نحول قيمة النظافة كما جاء عنها في الإسلام إلى واقع، وإلا فلسنا بجديرين من أجل أن تكون بلدتنا ومدينتنا عاصمة للثقافة الإسلامية.

القيمة الثانية: التسامح وهو معطىً معرفي جاءت في حقه نصوص معرفية كثيرة، التسامح العرقي والتسامح الديني والتسامح المذهبي.

أما التسامح العرقي فكما قلت في خطبة سابقة لا فرق بين عربي وكردي في المواطنة، لأن إسلامنا قال على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في مسند الإمام أحمد، والحديث حسن: "يا أبا ذر إنك لست بخيرٍ من أحمر ولا أصفر إلا أن تفضله بالتقوى"، وقال أيضاً: "لا فرق لعربي على أعجمي إلا بالتقوى" لا تظنن بأنك عربي، وبالتالي على أساس من هذا تشعر بأفضليةٍ على غير العربي، لا، وإنما التفاضل بينكما على أساسٍ من تقوى، والتقوى مساحة إنسانية شاملة تعني إيماناً وتعني عملاً وتعني سعياً، هذا عن التسامح العرقي، أما عن التسامح الديني فقد جاء الإسلام بمعطياتٍ معرفية وبأحاديث وكلمات ونصوص حول هذا، ولعل من أبرز هذه النصوص قوله تعالى: ﴿ولتجدن أقربهم مودةً للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون المائدة: 82، قيمة ثانية التسامح الديني والعرقي والمذهبي أعني أن الأخوة تجمعنا، تجمع السني والشيعي، تجمع الحنفي والشافعي، تجمع الأشعري والماتريدي، تجمع الصوفي والسلفي، ﴿إنما المؤمنون إخوة الحجرات: 10، ﴿هو سماكم المسلمين الحج: 78. يكفينا الإسلام فلتلتقِ تحت قنطرته الواسعة ولا نريد أن نختلف ونكون شيعاً وأحزاباً يقاتل بعضنا بعضاً على أساسٍ من مذهبية، وقد قلت ناشدت العراقيين في الأسبوع الماضي، وأناشد السوريين: أن يا إخوتي في الإسلام الأوسع إياكم والاختلافَ الذي يؤدي إلى تقاتل، فإن عدوّكم يفرح بقتال بعضكم بعضاً، فانتبهوا واحذروا هذا القتال، ولا تجعلوا عدوَّكم الذي يؤجِّج صباحَ مساء نارَ العداوة بينكم، لا تجعلوا عدوَّكم يفرح برؤيتكم وأنتم تتقاتلون.

القيمة الثالثة: العمل الصالح، كم مرةً ذُكِر العمل الصالح في القرآن ؟ والعمل الصالح بكل بساطة: صناعة وزراعة وتعليم وتدريس وتجارة، شريطة أن يكون كل ذلك وفق شرع الله وعلى أساسٍ من إخلاص لأن الله لا يقبل من العمل - كما جاء عن سيدي رسول الله حسب ما رواه الإمام مسلم - : "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً له وابتغي به وجهه" فالقيمة الثالثة العمل الصالح: تجارة، صناعة، اقتصاد، تعليم، تدريس، حوِّلوا ذلك إلى واقع حتى نكون جديرين بأن تكون بلدتنا عاصمةً للثقافة الإسلامية، نريد أن نُريَ الآخرين أننا نحول المعطيات المعرفية والقيم الإسلامية إلى واقع، وإلا فأين الثقافة الإسلامية التي اعتُبرنا نحن عاصمتها هذا العام ؟

القيمة الرابعة: الفضيلة، ولا أتحدث عن الفضيلة مصطلحاً ضبابياً عاتماً، لكنني أخص الفضيلة بأمور ثلاثة: أخص الفضيلة بالعفة، نريد (حلب) أن تعيش العِفّة على الأقل هذا العام، حتى تدرّب على العفة فيما يخص الجنس، وفيما يخص الطعام والشراب، والعفة تعني أن يكون الجنس والطعام والشراب في حدود الحلال، ألا تتجاوز ساحات الحلال. إذا تجاوزتَ ساحة الحلال فلستَ بعفيف، وبالتالي ستشكل عنصراً من عناصر عدم العفة في مجتمعك، ولن تكون حلب جديرةً بأن تكون عاصمة الثقافة الإسلامية، نريد مجتمعاً عفيفاً تكون علاقاته الجنسية قائمة على حلال، فلا فجور ولا شذوذ ولا عُهرَ ولا مناظر مؤذية، نريد على الأقل في هذا العام ألا تكون الشوارع فيها ما يؤذي الإنسان صاحب الفضيلة، لا نريد أن تكون هناك صور مؤذية تؤدي إلى العهر ولا تحترم العفة والفضيلة، نريد أن نعيش على الأقل أياماً فيها العفة منتشرة، فالفضيلة قيمة إسلامية ومُعطىً معرفي إسلامي نريد أن نحوله إلى سلوك، فالفضيلة عفة أولاً، والفضيلة صدق ثانياً، نريد أن يصدق الناس في تعاملهم، أن يصدق التاجر، وأن يصدق القاضي، وأن يصدق الطبيب، وأن يصدق الحاكم، وأن يصدق الشيخ، وأن يصدق المحكوم، وأن يصدق البائع، وأن يصدق كل الناس، لأن الصدق ركن من أركان الفضيلة وإلا فلا قيمة للثقافة الإسلامية. الأمر الثالث الذي يشكل ركناً من أركان الفضيلة حسن الخلق، وما أحسن حديثك يا سيدي يا رسول الله، وأنا الذي لا أَمَلُّ من تكراره صباحَ مساء وأنت تقول لواحدٍ من أبناء هذه الأمة: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن" ما أعظمك يا سيد أصحاب الخلق الرفيع وأنت تقول كما روي عنك في صحيح مسلم: "إن العبدَ ليبلغ بحسن خلقه مالا يبلغه – وفي رواية ما يبلغه – الصائم القائم" نريد حسن الخلق مُعمَّماً، نريد حسن الخلق مُطَبَّقاً فيما بيننا وبين الآخرين، فيما بيننا وبيننا، فيما بيننا وبين الجمادات، فيما بيننا وبين الحيوان، فيا أمة الإسلام إنكم دعيتم من قِبَلِ سيد أصحاب الأخلاق الرفيعة الجميلة إلى أن تتحلوا بالأخلاق، فاتبعوه وصدقوه والتزموه.

القيمة الخامسة أو المعطى المعرفي الذي نريد أن نركز عليه أن نحوله إلى واقع حتى تكون بلدتنا بجدارة عاصمة الثقافة الإسلامية العدالة. العدل إياكم وما يسمى بالمُداخلات غير المشروعة، إياكم والوساطات التي لا تَمُتُّ إلى الكفاءات بِصِلة، نريد أكفاء في مختلف التخصصات، في مختلف الشؤون، نريد العدل مسيطراً على سلوكنا، والعدل قيمة إسلامية عليا ﴿إن الله يأمر بالعدل النحل: 90، أول ما يأمر به الله العدل، اعدلوا يا آباء بين أبنائكم، اعدلوا يا أساتيذ بين طلابكم، اعدلوا يا حكام بين رعيتكم، اعدلوا يا قضاة بين الخصوم الذين يقفون أمامكم، اعدلوا يا شيوخ مع تلاميذكم، اعدلوا قد يصيبنا مَسّ من الشيطان فننحرف عن العدل، لكننا نريد أن نكون من أولئك الذين قال عنهم ربي: ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون الأعراف: 201.

خلاصة الأمر: نريد حلب عاصمةً فعلية للثقافة الإسلامية، ونريد من أهالي حلب أن يحوِّلوا هذه القيم إلى واقع، أن يحولوا قيمة النظافة إلى واقع، وقيمة التسامح العرقي والمذهبي والديني إلى واقع، وأن يحولوا العمل الصالح إلى واقع، وأن يحولوا الفضيلة من عِفة وصدق وحُسن خلق إلى واقع، وأن يحولوا العدالة إلى واقع، فإذا ما كان الأمر كذلك فاعلموا بأنكم جديرون في أن تكون بلدتنا عاصمةً فعلية للثقافة الإسلامية، وإلا فالادّعاء ما أسهله، ولا نريد أن نسجل في سِجل الادّعاء، لكننا نريد أن نكون في سجل التوثيق والتحقيق، في سجل التطبيق لا في سِجلّ الادّعاء والبهرجة التي لا تقدم بل تؤخر ولا تقدم.

يا أمتي يا أمة حلب - على الأقل - ادعموا الثقافة الإسلامية من خلال النظافة، من خلال التسامح، من خلال العمل الصالح، من خلال العفة، من خلال العدالة، وأنا لا أستثني أحداً من هذا الخطاب. أبدأ بنفسي وأنتهي بأعلى مسؤول في قمة الهرم وإلى أدنى مسؤول في قاعدة الهرم.

لا نريد أخيراً إلا الخير لبلدنا، فبلدنا قطعةٌ منا، لها ما لنا وعليها ما علينا، هي بعضنا الممتد في الكون، فإن أسأنا إلى بعضنا أسأنا إلى أنفسنا، هي بعضنا شئنا أم أبينا، نريد أن نعيش حسَّ المسؤولية عن بعضنا الممتد في الكون هذا الذي أمامنا، فما الكون إلا امتدادك، وما أنت إلا خلاصة من الكون، وصدق الإمام علي كرم الله وجهه ورضي الله عنه، ذلك الإمام العظيم الذي فَهم ما فهم عندما قال:

داؤك فيك وما تشعر                    ودواؤك منك وما تبصر

أتحسب أنك جرم صغير                    وفيك انطوى العالم الأكبر

أنت حلب وأنت الكون كله، لكن الأقرب فالأقرب، الأقرب منك بالنسبة إلى الكون حلب، بلدتك بل حيك بل بيتك، فانطلق من تحسين بيتك إلى تحسين حيك إلى تحسين بلدتك إلى تحسين قطرك إلى تحسين عالمك إلى تحسين الدنيا كلها، فالمؤمن يحمل رسالة قيل عنها في القرآن الكريم: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين الأنبياء: 107.

اللهم وفقنا لهذه الفضائل من أجل أن نحولها إلى واقع نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت أقول هذا القول وأستغفر الله.

التعليقات

شاركنا بتعليق