آخر تحديث: الأحد 04 ديسمبر 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
القرآن يجمع الأمة

القرآن يجمع الأمة

تاريخ الإضافة: 2006/09/01 | عدد المشاهدات: 2711

أما بعد، فيا أيها الأخوة المؤمنون:

البارحة انتهينا من إجراء مسابقة للقرآن الكريم هنا في حلب واستمرت المسابقة ثلاثة أيام، لن أحدثكم عنها على أنها خبر أسوقه إلى أسماعكم، لكنني أحدثكم عن هذه المسابقة وعن شعور انتابني وأنا أحضر فعاليات هذه المسابقة كلها وعن بعض الخواطر التي سكنت خلدي وطافت بفكري وأنا أرقب هؤلاء المتسابقين في ميدان القرآن الكريم، أما الشعور فلقد كنت وأيم الحق مسروراً، كنت سعيداً، كنت أشعر بنشوة هي محض روحية، كنت أشعر وأنا أرى هؤلاء المتسابقين الممتحَنين والممتحِنين والصلة بين هؤلاء وأولئك القرآن الكريم، كنت أشعر أنني أمام رياض من رياض الجنة وذلك وفق ما جاء في الحديث الشريف: (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا: وما رياض الجنة يا رسول الله ؟ قال: حِلَق الذكر) أي حلق العلم وأسُّ العلم القرآن الكريم، فرحت سررت سعدت، ما أجمل منظر أبناء أمتنا صغاراً وكباراً تخرج من أفواههم كلمات القرآن الكريم، ما أبهى هذا الشكل الذي ضم والذي رسم أبناءنا، آباءنا، بناتنا، أمهاتنا، والقرآن الكريم يصدر من قلوبهم على ألسنتهم، صدقوني أن فرحتي كانت كبيرة جداً وأني شعرت باطمئنان ما بعده اطمئنان وأنا أسمع القرآن من فم هذا الشاب ومن فم ذاك الشاب ومن فم ذاك الشيخ ومن فم تلك البنت التي لم يتجاوز عمرها ثلاثة أعوام، كما أنني كنت أنظر إلى عظمة القرآن الكريم وهو يُحفظ بإتقان بالحرف، بالحركة، بمخرج الصوت، بصفة الحرف، يحفظ من قبل فتاة لم تتجاوز الرابعة من عمرها ومن قبل فتى لم يتجاوز السادسة أو السابعة أو الثامنة من عمره أيضاً.

تسألني: لمَ فرحت ؟ فرحت وأنا أقول بيني وبين نفسي القرآن حافظنا والقرآن عاصمنا إن شاء الله وهذه الأمة بخير ما دام في هذه المدينة ومن خلال مسابقة ليست بتلك المسابقة الدولية، وفي هذه المدينة وحسب ما استقبلنا أكثر من مئتي شاب دون الثلاثين من عمرهم يحفظون القرآن الكريم غيباً حسب هذه المسابقة فقط.

العالم اليوم وأعني العالم العربي والإسلامي يبحث عن محور يلتقي عليه، الحكام يبحثون عن محور والشعوب تبحث عن محور، الحكام يبحثون عن صلة طيبة بينهم وبين شعوبهم، والشعوب تبحث عما يسكِّن قلقها واضطرابها لكنني ومن باب التعليق بعد إذ ذكرت بعض الشعور، أقول وأتوجه إلى الحكام: هل فكرتم أيها الحكام في أن تجمعوا شعوبكم على القرآن وشعوبكم تطلب القرآن والله إنه لنعم المعتصم، ورب الكعبة إنه لنعم المحور، والذي برأ الخلائق كلها إن القرآن لنعم الصلة بينكم وبين شعوبكم، وبينكم وبين أنفسكم، وبينكم وبين ربكم، وبينكم وبين قلوبكم. خطر ببالي أن أقول: إذا كنا جادين في البحث عن محور يجمعنا وصلة تقرب المسافات بيننا فهيا أيها الحكام إلى القرآن الكريم وإني لكم ناصح أمين وما تعودت أن أقول شيئاً على هذا المنبر أريد من ورائه تنفيراً أو انتقاماً لكنني أريد نصحا وأريد وفاءً وأريد خيراً لمن أنصحهم، يا أيها الحكام إلى القرآن الكريم، اجتمعوا عليه واجمعوا شعوبكم عليه، خطر ببالي أن أخطب اليوم عن القرآن الكريم جامعاً للأمة شعوباً وقيادات وحكاماً. أعلنوا أنكم أبناء القرآن وكفى بالقرآن جامعاً وإذا ما أعلنتم فإنني واثق أن جلَّ الشعب على مستوى العالم العربي والإسلامي سيكون راضياً، على كلٍ أعلنوا هذا وجربوا بأنفسكم فإن وجدتم خلاف هذا الذي أظن فقولوا لنا: لقد جربنا وكانت النتيجة غير الذي قلت وتقول، جربوا هذا، أيها الحكام: أريدكم مجتمعين على خير وهل ثمة خير أعظم من القرآن الكريم ؟ أريدكم مجتمعين على فضيلة وهل تستنبط فضيلة أكثر مما يمكن أن تستنبط من القرآن الكريم ؟ أريدكم مجتمعين على سلام وأمان واطمئنان وهل ثمة سلام وأمان واطمئنان أقوى من هذا الذي يمكن أن يستخرج من القرآن الكريم.

أيتها الشعوب بعد الحكام: أنت تريدين وحسب ما تتكلمين، البارحة أو قبل البارحة استقبل سكان دمشق الرئيس الفنزويلي استقبالاً حاراً، اجتمعوا عليه وهذا شيء جميل لأن هذا الرجل يشاركنا في عداوتنا لعدو الإنسانية إسرائيل، لأنه يقول عن الكيان الصهيوني بأنه كيان معتدل، شاركنا في أمر فاستقبلناه وأعلنا بأننا سنقوم بإجراء حلف معه، هب أن هذا الذي يجلس بجانبك هب أنك لا تعرفه لكنه قال لك إني مشترك معك بالقرآن الكريم كله، فلماذا لا تستقبله ؟ لماذا لا تحبه ؟ لماذا لا ترتاح إليه ؟ ولماذا لا تجتمع معه ؟ ولماذا لا تعلن الأخوة معه ؟ لماذا ؟ هل غاب عن إحساسنا بأن القرآن هو المعتصم ؟ هل فقدنا التفكير بأن القرآن الكريم هو الذي يجمعنا ؟ هو حبل الله المتين  ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً﴾ ما حبل الله ؟ حبل الله بكل وضوح وصراحة هو القرآن الكريم.

أيتها الشعوب اجتمعي على القرآن الكريم فوالله إذ حضرت هذه المسابقة شعرت بأن هؤلاء المتسابقين هؤلاء الممتحنين إخوة وفي أعلى درجات الأخوة يتمتعون بأخوة عالية رفيعة، شعرت بأن قلبي يسرق من قبلهم سرقة حلال لأنني رأيت في وجوههم نور القرآن الكريم، رأيت في وجوههم تطلعاً من أجل أن يُبسط القرآن الكريم على كل حياتنا، على ألستنا تلاوة، وعلى سلوكنا تطبيقاً، وعلى أخلاقنا تنفيذاً، فما أروعه وما أجمله، أيتها الشعوب هيا إلى القرآن الكريم يا شبابنا وبكل بساطة يقول سيدي وقرة عيني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في سنن الترمذي وقال حديث حسن صحيح: (إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب) البنية التحتية المعنوية لك هي القرآن، إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن، وهذا ينطبق على الإنسان وعلى المدينة وعلى الدولة وعلى العالم وعلى الأمة، فالمدينة التي ليس في جوفها شيء من القرآن كالبيت الخرب والدولة التي ليس في جوفها ليس في دستورها ليس في قانونها شيء من القرآن كالبيت الخرب، والأمة التي ليس في جوفها في سلوكها في نمطها في مبدئها شيء من القرآن كالبيت الخرب، فهل تريد يا أخي أن تكون بيتاً خربا ؟ وهل تريدون يا أبناء مدينة ما أن تكون مدينتكم كالبيت الخرب ؟ وهل تريدون يا أبناء دولة ما أن تكون دولتكم كالبيت الخرب ؟ وهل تريدون يا أبناء العالم أن يكون عالمكم كالبيت الخرب ؟ هل تريدون يا أبناء أمة العرب والإسلام أن تكون أمتكم كالبيت الخرب ؟ ولا يستخفنكم قول من يقول: وماذا ينفعنا القرآن ؟ القرآن لن تعرف نفعه إلا إذا سلكت طريقه، كالعلاج وما يؤخذ له، لا يمكن لمن يطلب العلاج أن يتحدث عن فائدة العلاج من دون أن يتناوله، اسلك طريق القرآن ترى نفعه، على الأقل ستجد أن داخلك مستقر، ستجد أنك تتحرك بحصانة القرآن الكريم، ستجد أنك ممن ينتظرون شفاعة القرآن يوم القيامة باعتبار أنك تؤمن بأن هناك يوماً يسمى يوم القيامة، فقد قال سيدي رسول الله كما في صحيح الإمام مسلم: (اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه).

أنت تأتي لتصلي من أجل أن ينقذك الله من نار في الآخرة، اقرأ القرآن على الأقل من أجل الآخرة التي تؤمن بها، أتريد الرفعة في الدنيا إذاً عليك بالقرآن الكريم ألا تصدق كلام سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما قال كما في صحيح الإمام مسلم أيضاً: (إن الله يرفع بهذا القرآن أقواماً ويخفض به آخرين) أتريد أن تكون رفيعاً مقدراً مثمناً عالياً إذاً هات من القرآن ما تستطيع وضع هذا القرآن في عقلك وقلبك وسلوكك.

يا شبابنا، ليس واحداً منا معفىً من أن يكون قارئاً للقرآن الكريم تالياً للقرآن الكريم، لقد سرني وأعيد الحديث عن الشعور سرني وأفرحني وأبكاني بكاء فرح منظر شباب يحفظون القرآن الكريم حتى على القراءات، وجدت من لم تتجاوز الخامسة عشر عاماً تحفظ القرآن الكريم مع القراءات عبر طريق ما يسمى بالشاطبية والدرة، إنه علم لسان وعلم نحو وعلم تاريخ وعلم نطق، والغرب اليوم قدَّم في هذا الميدان علوماً لا تزال مرفوعة الرايات، قدم علم الأصوات وعلم الأصوات في علم القراءات مندرج، لكننا أمة أعرضت عن إعمال عقلها وفكرها وتريد أن تكون مستعجلة لوهم نفع مادي يصيب جسدها وينزاح عن عقلها وروحها وقلبها، كما تفكر في بيت جميل تسكنه فكر في بيت داخلك، فكر في بيت داخلك تُسكن فيه القرآن الكريم، لأن داخلك أهم من ظاهرك أولسنا الأمة التي قيل عنها:

أقبل على النفس فاستكمل فضائلها                    فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

يا طلابنا وستفتح أبواب المدارس بعد أسبوع، ولن نشبع من توجيه الكلام حول هذا المحور العظيم لكم دائماً ولأنفسنا قبلكم: عليكم بالقرآن الكريم، لا تغفلوا عن القرآن الكريم، اقرؤوا القرآن الكريم، أتريدون أن تكونوا أمة تتكامل فيها الحضارة وحينما تسألون عن الحضارة ويعرفونها من تسألونهم فيقولون ويتحدثون عن مادية ما فتقولون لهؤلاء ليست هذه هي الحضارة، كأن الحضارة شيء والمدنية شيء، تقولون: العناية المادية مدنية فإذا ما أدخلت على المادية أمور معنوية صارت حضارة، فأدخلوا أنتم يا أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم على ماديتكم القرآن الكريم حتى تغدوا المادية التي بيننا حضارة لأن الحضارة ليست مدنية، فالمدنية مادية ولكن المدنية إذ تدخلها روح معنوية تغدو حضارة، فالحضارة عقل وقلب جسد وروح خُلق واستعداد سيف وإيمان، هذه هي الحضارة أما المدنية فهي مادية صرفة لا تمت إلى الخلق والروح والقلب، وهل تريدون روحاً للحضارة غير القرآن وأنتم من يقرأ قول الله عز وجل: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً﴾ تذكرة بعد تذكرة: إلى القرآن الكريم، إلى العناية بالقرآن الكريم اقرؤوه تدبروه اتلوه صباح مساء ما استطعتم إلى ذلك سبيلاً أريدكم غير منفكين عن القرآن الكريم، ما أروعك يا سيدي يا رسول الله يوم طلبت من صحابي – وهذا ما سأختم به خطبتي – ما أروعك يا من نزل عليك القرآن تنزيلاً، يا من تورث عنك القرآن بإحكام وإتقان من غير تبديل وتحريف ما أروعك وأنت تقول لصحابي جليل يدعى ابن مسعود كما جاء في البخاري ومسلم هكذا قال سيدي رسول الله: (اقرأ علي القرآن) يقول ابن مسعود: يا رسول الله أأقرأ عليك القرآن وعليك أنزل ؟ أنا من سأقرأ عليك القرآن وعليك أنزل القرآن ؟! وإذ بسيدي رسول الله يقول: نعم يا ابن مسعود اقرأ فإني أحب أن أسمعه من غيري فقرأ ابن مسعود رضي الله عنه حتى إذا وصل إلى قوله تعالى: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً. يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً﴾ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لابن مسعود حسبك حسبك، فالتفت ابن مسعود قال: فوجدت عيني رسول الله تذرفان لأن رسول الله استشعر المسؤولية الملقاة على عاتقه فهو شهيد الشهداء، شهيد على الأنبياء والأنبياء شهداء على الأمم فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً وأنتم يا أتباع شهيد الشهداء ليس في ميدان القتال وإنما الشاهد على الأمم إنما المعيار إنما الأنموذج فكيف أنتم يا أتباع شهيد الشهداء هل تصورتم مسؤوليتكم عن الأمم عن أنفسكم عن أولادكم عن قرآنكم عن عقولكم، أنا لا أحجر على أحد من أجل أن يكون يمينياً أو يسارياً لكنني أنصحه لأقول له: انطلق من القرآن لأن الانطلاق من القرآن لا ينادى لذلك المسلمون فحسب ولكن أنصح كل إنسان ولو كان غير مسلم من أجل أن ينطلق من القرآن إذا ما أراد منهاجاً مستقيماً لتفكيره وعقله، إن القرآن يقدم في النهاية أسس منهاج تفكير لا أروع ولا أعظم، اقرؤوا من أجل ذلك شهادات العظماء من المسلمين ومن غير المسلمين وحسبنا أن نتوج هذه الشهادات بشهادة سيد العظماء عليه وآله الصلاة والسلام الذي كان كما وصفه من عاش معه (كان خلقه القرآن) صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله ، يا شبابنا هيا إلى القرآن الكريم هيا إلى هذا الدستور العظيم، يا حكامنا يا شعوبنا إلى القرآن الكريم ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ فاللهم اجعلنا من أهل القرآن فأهل القرآن هم أهل الله وخاصته، أقول هذا القول وأستغفر الله.

التعليقات

Dr. D

تاريخ :2008/03/24

خطبة نادرة

شاركنا بتعليق