آخر تحديث: الإثنين 15 يوليو 2024
عكام


أخبار صحـفيـة

   
الدكتور عكام في برنامج سهرة رمضانية - إذاعة دمشق

الدكتور عكام في برنامج سهرة رمضانية - إذاعة دمشق

تاريخ الإضافة: 2006/09/27 | عدد المشاهدات: 2532

استضاف برنامج سهرة رمضانية في إذاعة دمشق مساء الأحد 24 / 9 / 2006 فضيلة الدكتور الشيخ محمود عكام في حوار حول شهر رمضان المبارك بمشاركة نيافة المطران يوحنا إبراهيم مطران السريان الأرثوذكس بحلب.

وقد أكد الدكتور عكام على أن شهر رمضان يشكل داعماً للتواصل الإنساني، لأنه يزيد من حجم المشتركات بين الإنسان والإنسان ويفتح آفاق خيرة تصب في صالح بناء الإنسان وارتقائه، كما دعا الدكتور عكام أهل بلاد الشام عامة إلى فهم صحيح لمعنى البركة التي وضعها الله تعالى في بلادهم، وأنها مرهونة بقيام أهل الشام بنصرة الحق أينما كان، وفي أي شخص تجلى. ونبه الدكتور عكام إلى أن الثقافة – في تعريفه الذي يتبناه – تعني تحويل المعطيات المعرفية إلى سلوك، ومن لم يحول صيامه إلى صوم فلا صيام له.

كما تناول اللقاء - بالإضافة إلى ذلك – موضوعات أخرى كأهمية خطبة الجمعة في مثل هذه الأيام، ومعنى اختيار حلب عاصمة للثقافة الإسلامية، ومقومات الوعي الإنساني.

نص اللقاء

إذاعة دمشق: الدكتور محمود... أتمنى أن نستمع منك بداية إلى شيء عن حلب هذه الأيام وفي هذا الشهر الكريم.

الدكتور محمود عكام: بسم الله الرحمن الرحيم. أكرر تهنئتي بمناسبة حلول رمضان، رمضان الخير والبركة، رمضان القرآن والإنسان، رمضان الوحدة والوطن والجمع والتعاون. ويسرني أن أكون معك أيها الأستاذ عمر عيبور في هذه السهرة الطيبة.

رمضان في حلب رمضانُ خير، رمضانُ نور، رمضانُ بركة، رمضانُ تعاون، رمضانُ سعي من أجل أن يلتقي الناس في الحارة وفي الشارع وفي كل مكان، رمضانُ من أجل أن يلتقي أهل حلب بعضُهم مع بعض. أن يلتقي المسلمُ المسلمَ، والمسلم المسيحي والمسيحي المسيحي.

فعلاً رمضان يضمنا جميعاً. يضم كل أهل حلب ضمةَ خير ويجمعنا جَمعة فضل، وفعلاً نحس في رمضان بأننا إخوة، بأننا متضامنون، بأننا متحابون... ترى الناس تتهلل وجوههم بشراً. ترى الناس يدعو بعضهم بعضاً إلى ولائم وإلى موائد الإفطار، تراهم جميعاً يحث بعضهم بعضاً على فعل الخير... يتصدقون... يحاولون أن يساعد بعضهم بعضاً.

رمضان بهيج فعلاً، وكأني بكل واحد في رمضان يحرص أن يكون صائماً محققاً أهدافَ الصيام. وأهدافُ الصيام كما جاء في الإسلام:

أن يكون الصائم صابراً.

أن يكون الصائم مواسياً أخاه.

أن يكون الصائم رحيماً بأخيه.

أن يكون الصائم ملتقياً مع كتاب ربه... مع القرآن من أجل أن يطبق ما فيه من أحكام.. من فضائل.. من أمور خيّرة.

يسعى الإنسان في رمضان من أجل أن يقوم بواجباته، لأن فريضة الصيام تعلّم الإنسان الصائم الإتقان، باعتبار أن الصيام فريضة سرية، فلا يعلم بالصيام إلا الله عز وجل، وبالتالي يدفعه هذا من أجل أن يقوم بواجبه حيث لا أحد يراقبه، لأنه تعلم من الصيام كيف يمكن أن يعمل من غير حراسة قانونية، ومن غير حراسة من قبل أحد، وإنما فقط هو يعتمد على رقابة ورؤية ربه عز وجل لذلك الصيام.

ورمضان يُشعرنا أن الإنسان يتحسن في مسار إنسانيته في مستوى عطائه، لأن رمضان شهر الكرم، شهر العطاء... كل إنسان منا يعطي للآخر، لأنه يشعر بشعور الآخر، يشعر بشعور الفقير، يشعر بشعور ذاك الإنسان الذي لم يعد له أحد، وبالتالي يدفعه هذا الشعور من أجل أن يؤاخيه، أن يقدم له الطعام والشراب، وأن يكون فعلاً معه أخاً بكل جدارة، لأن الصيام في النهاية يطلب منا أن نستشعر الأخوّة التي عقدها الله بيننا جميعاً، وأن نستشعر المواطنة التي تربطنا جميعا بين أفراد هذا الوطن.

رمضان وكأني به نور يضيء المجتمع بكل ما فيه من تشكلات وفسيفساء. يضيئه وينوّره ويسلط الضوء الخيّر عليه، حتى يظهر ما في المجتمع من خير، لذلك أتمنى أن يوفقنا الله عز وجل لكي نتمم فعل ما فعلناه في رمضان بعد رمضان، لأن ما بعد رمضان يجب أن يعتمد على ما فعلناه في رمضان، لأن رمضان - كما أسميه أنا - شهر الولادة، باعتباره يأتي الشهر التاسع، والشهر التاسع دائماً هو شهر الولادة، ويجب أن نعتني بما بعد الولادة بالوليد الذي جاء في رمضان، ليكون وليداً طيباً صالحاً، لا أن نقضي على هذا الوليد الذي جاء في رمضان، الشهر التاسع لولادة الإنسان الصالح التقي الهادف لكل خير.

إذاعة دمشق: ما الذي نراه من صور هذا التواصل الجميل بين أهلنا جميعاً في حلب، ولنأخذ حلب كنموذج ولنضرب مثلاً من شهر رمضان الذي سبق، على اعتبار أننا ما زلنا في الأيام الأولى من شهر رمضان الكريم.

الدكتور محمود عكام: أردد ما كنت قد قلته بأن رمضان شهر التواصل فعلاً، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنه (وهو شهر المواساة)، والمواساة لا تعني فقط أن يقدم الإنسان لأخيه الإنسان الطعام، بل تعني أن يقدم الإنسان لهذا الذي أمامه - من قريب ومن جار ومن مواطن ومن صديق ومن سجين ومن محتاج - أن يقدم له ما يحتاجه، سواء أكان طعاماً أم مالاً أم معونة نفسية أم اجتماعية أم تيسيراً، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (من يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة). وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الشهر "أجود من الريح المرسلة"، كما نقلت كتاب السيرة وكما نقل أصحاب الكتب الحديثية الذين رسموا حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

التواصل في رمضان لا يمكن للإنسان أن ينكر قوته فعلاً، التواصل من خلال الاجتماع على المشتركات... وقد قيل دائماً: التواصل يقاس بمقدار ما بين الإنسان والإنسان من مشتركات، وها نحن أولاء في رمضان بيننا وبين المواطنين كافة مشتركات كثيرة، وهي تكثر في رمضان أكثر، فنحن نصوم سوية في وقت واحد، ونأكل ونتناول الطعام في وقت واحد، ثم بعد ذلك نذهب إلى المسجد لصلاة التراويح في وقت واحد، ونسمع قرآناً واحداً، وعندما نتزاور نتزاورُ ليتكلم كل منا مع الآخر، عما جرى معه، ويكاد الذي جرى معي يماثل ما جرى معك، ويكاد يكون نسخة واحدة متكررة، وهذا لا يعني أننا نفقد خصوصياتنا... لا، ولكن رمضان يطلب مني أن أتجه إلى ذاتي وأن أصفيها من الأدران وأن أصفيها من الرذائل ومن كل ما يمكن أن يؤثر على مسيرتها الخيرة المعطاءة، وأن أتوجه أيضاً إلى الآخر من أجل أن أجعل منه أخاً صادقاً يواسيني يتوددني يتوجع إلي، لأن العرب قالت قديماً: لا بد لك من ذي مروءة يواسيك أو يتوددك أو يتوجعك... وهذا يدفعنا معاً في رمضان - باعتبار أن المشتركات بيني وبين هذا الأخ كثيرة - من أجل أن نتعايش معاً على أساس من الأخوة التي أقول عنها دائماً بأنها كما وصفها الإمام علي كرم الله وجهه، عندما قال عن الأخ: إن أخاك الحق من كان معك، ومن يضر نفسه لينفعك، ومن إذا ريب الزمان صدعك، شتّتَ فيه شمله ليجمعك.

رمضان يوصلنا ببعضنا ويؤكد على وصالنا، بل بالعكس يطالبنا رمضان في أن نعيش فيه التواصل على أشده، وألا ننسى هذا التواصل من أجل أن يكون مستمراً بعد رمضان، فيأتي العيد ليتوج التواصل، وما بعد العيد يجب أن نتعايش على ما كنا عليه في رمضان، وأن نبحث عن المشتركات التي هي كثيرة في النهاية.

والله إن المشتركات فيما بيننا كثيرة جداً، وبالتالي: يا ناس. ما دامت المشتركات بينكم كثيرة فهيا من أجل أن تكونوا معاً إخوة متضامنين متحابين متباذلين متعاونين، وهذا ما نلمحه.

أنا لا أريد أن أتكلم عن الهنات الموجودة في بلدنا، لكنني أريد أن أتكلم عن الصالحات، أريد في رمضان أن أتكلم عن الحسنات ولا أريد أن أتكلم عن السيئات، فالسيئات لا شك هي موجودة، لكن دعونا نتكلم عن الحسنات في مجتمعنا، وأعتقد أن كل الرمضانات التي مرت في السنوات الماضية كانت مملوءة بالحسنات، وهذا ما أتكلم به من خلال نفسي ومن خلال ما في الذاكرة، أنا الآن أستنطق الذاكرة فأحس أنها مملوءة بأشياء كثيرة يمكن أن أتحدث عنها، ولو طال الوقت لساعتين أو ثلاث ساعات لتحدثت الكثير الكثيرَ عن هذا الذاكرة التي غذّاها رمضان بما فيه من عطاءات خيرة، بما فيه من دعوات للإنسان من أجل أن يلتقي الإنسان، فعلاً عندما تكلمت في الإجابة الأولى عن العلاقة بين المسلم والمسيحي أنا أعني هذا، ويشهد الله أني لا أتكلم هذا مجاملة وإنما أتكلم هذا مستقياً من معين تاريخي الخاص، ومن معين تاريخ مدينتي حلب التي يعيش فيها المسلمون والمسيحيون في رمضان كأن الجميع صائمون، ويعيش فيها المسلمون والمسيحيون في عيد الميلاد كأنهم جميعاً يعيشون ذكرى صاحب الميلاد. يعيشون جميعاً بروح طيبة متآلفة متضامنة، وهذا ليس مجاملة لكنها حقيقة راهنة قائمة على أرضنا في بلدنا، وعندما اختيرت حلب عاصمة للثقافة الإسلامية كان هذا أحد أسباب الاختيارات، لأن أبناء حلب - من مسلمين ومن مسيحيين ومن عرب ومن أكراد ومن شركس ومن غيرهم - متضامنون ومتآلفون، وليس ثمة مدينة تضم فسيفساء كما هي حلب، وحلب على مر التاريخ لم تشهد تلك الحروب التي تكون نتاج اختلاف الأعراق واختلاف الديانات على الرغم من أن تلك الأعراق لا يوجد لها نظير في غيرها من البلدان، وعلى الرغم من كل هذا لم تشهد الحروب التي شهدتها بلدان تضم أعراقاً أقل وديانات أقل، لكنها أفرزت - وللأسف الشديد - حروباً تصب في مصب دمار الإنسان ودمار العلاقة الطيبة التي تربط بين الإنسان وأخيه.

إذاعة دمشق: ألا ترى إذا انطلقنا من عاصمة الثقافة الإسلامية إلى آفاق أرحب وأرحب ألا ترى بأن أبناء هذه البلاد نصروا سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام قبل ألفي عام فكان المجد لله في العلا وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة وأيضاً وقبل حوالي خمسة عشر قرنا من الزمان إلا قليل أبناء أهل هذه البلاد وقفوا إلى جانب سيدنا محمد فكان العدل وكان التسامح وكان المحبة ؟

الدكتور محمود عكام: هذا الذي تفضلت به فعلاً يؤكد على أن هناك خصوصية لأبناء هذا البلد وهذه البقعة من العالم وهي الشام بشكل عام، فربنا عز وجل من المعلوم أنه بارك هذه البقعة من الأرض فقال في سورة الإسراء: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير﴾، وقد وردت في هذا الخصوص أحاديث كثيرة جمعتها أنا ونشرتها صحيفة تشرين وستصير كتاباً في الأيام اللاحقة، أقول حديثاً واحداً منها ولا أريد أن أكثر. يقول عليه وآله الصلاة والسلام: (عليكم بالشام فإن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها على بلاد الشام).

أين تتجلى هذه البركة بالنسبة لأهل الشام ؟ البركة تتجلى في أهل الشام عندما يناصرون الحق، إذ يتجلى مُشَخَّصاً، عندما تجلى الحق مشخصاً في سيدنا عيسى ناصروا سيدنا عيسى، وعندما تجلى الحق مشخصاً في سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ناصر أهل هذه البلاد سيدنا محمداً صلى الله عليه وآله سلم، وعندما سيتجلى الحق في أي صورة من الصور، لا سيما تلك الصور التي ترسلها العناية الإلهية، فسيهب أهل هذه البقعة لمناصرتها، وهذا يدل على أنهم مباركون، ولولا هذا ما هبوا لنصرة هذا النبي وذاك النبي، لنصرة هذا المصلح وذاك المصلح، وهذا يدل على أنهم أهل بركة، وأن البركة متجذرة فيهم، وأنهم متمتعون بعنايةٍ وبركة ولطف واصطفاء إلهي.

نحن لاشك أننا اليوم ندرك هذا التاريخ المجيد لأبناء هذه البقعة الطاهرة، لا سيما حلب. أقول حلب لأنني ابن حلب، وأتكلم الآن عن حلب فأناشد اليوم أبناء حلب وأبناء الشام بشكل عام من أجل أن يتذكروا البركة التي أسست في بلادهم، والتي اصطفيت من أجلها بلادهم، أناشدهم أن يتذكروا هذه البركة حتى يعودوا إلى السيرة التي كان عليها أسلافهم وأجدادهم، أولئك الذين ناصروا سيدنا عيسى وناصروا الإسلام وناصروا الصحابة وناصروا المصلحين، أناشدهم اليوم أن يناصروا كل مصلح وأن يناصروا الحق وأن يناصروا الحقيقة، واسمح لي أن أقول: أنا أناشدهم أن يناصروا هذا ليس فقط بالكلام بل وبالفعل والسلوك، لأن الحق لا يكفي أن تكون معه فقط باللسان، ولكن عليك أن تكون مع الحق بالقلب والسلوك والعمل والفعل، ومن هنا كنت أعرّف ولا زلت أعرّف الثقافة بالسلوك، فالثقافة هي تحويل المعطى المعرفي إلى واقع. وعندما اختيرت حلب عاصمة للثقافة الإسلامية فهذا لأن حلب في التاريخ حولت كل المعطيات المعرفية إلى واقع، ولهذا كانت حلب بجدارة عاصمة للثقافة الإسلامية، وأنا أقول لأهل حلب اليوم: حوّلوا قيم رمضان إلى سلوك وبهذا ستكونون مثقفين، وحولوا قيم القرآن إلى سلوك وبهذا ستكونون مثقفين، وحولوا قيم الإنجيل إلى سلوك وبهذا ستكونون مثقفين، وإلا فالثقافة ليست حفظ معلومات وليست مَلء ذاكرة، وإنما الثقافة هي أن أحول كل المعلومات التي اختزنتها في عقلي وفي قلبي وفي فكري، أن أحولها إلى سلوك، وبقدر ما أحول هذه القيم إلى سلوك أكون مثقفاً، وعلينا جميعا أن نسعى لنرتدي لباس الثقافة التي هي لباس الإنسان حيث كان الإنسان، لأن الإنسان من غير ثقافة لا يمكن أن يعيش، مادامت الثقافة - كما قلنا – سلوكاً، وهي تحويل المعطيات المعرفية القيمية إلى واقع وعمل وسلوك، وكل ما يمكن أن يطلق عليه في مواجهة القول والكلام والحديث.

إذاعة دمشق: أنت الخطيب الأشهر لجامع التوحيد في حلب. أتوقف وقد جاءت الفكرة إليَّ الآن عند خطبة الجمعة وخاصة في هذه الأيام الفضيلة والمباركة من شهر رمضان. هل تعتقد أنها تصل إلى الإخوة المصلين الصائمين لأنها قيمية مع حداثتها ؟

الدكتور محمود عكام: لا شك بأن خطبة الجمعة تشكل أحد أهم بنود الخطاب الإسلامي بشكل عام، لهذا أنا أحرص دائماً على أن تكون خطبة الجمعة معدة بشكل جيد، متناسبة مع الظرف، موجهة إلى الناس الذين أمامي بصيغة يفهمونها، لأنني أريد أن أكلم الناس كما ورد في الأثر: "حدثوا الناس بما يعرفون و خاطبوا الناس على قدر عقولهم، وهذا لا يعني أنهم أقل مستوى لا بل العكس أنا أخاطبهم على قدر عقولهم" لأنني أشعر أن مستوياتهم رفيعة جداً، وأنهم مثقفون إلى درجة تدفعني أن أحضّر تحضيراً جيداً قبل اعتلاء هذا المنبر، الذي هو - كما يقال - منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

أنا أعتبر أن خطبة الجمعة في رمضان تكاد تكون منتظرَة، وأنا أعني ما أقول، منتظرة من قبل المصلين. وثق يا أخي أنني أخطب في جامع التوحيد وهذا الجامع تحفه أربع كنائس وأنا أرى أناسا أعرفهم من الديانة المسيحية يحضرون خطبة الجمعة، وهنالك من لا أعرفهم من المواطنين المسيحيين، وهذا ما حُدثت عنه كثيراً، ويكاد يكون حضورهم في رمضان متميزاً أكثر منه في غير رمضان، لأن المسلمين والمواطنين بشكل عام ينتظرون خطبة الجمعة في رمضان باعتبارها ستكون ذات موضوع إيماني، تقوي فيهم إيمانهم، لأن الإيمان في النهاية هو البنية التحتية، هو الأساس لنقيم عليه العمل الصالح، فلا يمكن أن يكون العمل صالحاً إلا إذا أسس على إيمان، ولهذا قلت وخطبت خطبة عن الوعي من خلال قوله عز وجل ﴿وتعيها أذن واعية﴾، فقلت: "الوعي مصطلحاً هو عبارة عن إيمان، الإيمان كالجذر بالنسبة للشجرة، الإيمان ينبثق عنه ساق هو العلم، وينبثق عن الساق أغصان هي العمل الصالح"، هذه الشجرة سميتها شجرة الوعي وفي رمضان تكاد تكون الأذن الواعية التي قال عنها ربي عز وجل: ﴿وتعيها أذن واعية﴾، واعية بوتيرة عالية، باعتبار أن الإنسان متخلص من الطعام ومن الانشغال بالطعام ومن الشراب ومما يمكن أن يؤثر الطعام فيه من ثقل بالجسم الخ... لأنه في النهاية إذا صفى جسم الإنسان من أدران الطعام أصبح مؤهلاً أكثر من أجل أن يستقبل الكلام، لاسيما ذلك الكلام الذي يصب في مصب الإيمان والمعرفة والعمل الصالح، فنحن في خطبة الجمعة في رمضان بشكل خاص نركز على ثلاثة أمور: على الجذر وهو الإيمان، وعلى الساق وهي المعرفة، وعلى العمل الصالح. ونقول لأنفسنا قبل أن نقول للناس: إذا صمتَ فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار وليكن عليك سكينة ووقار.

واسمح لي أن أقول كلمة باختصار: أنا أفرق دائماً بين الصيام والصوم، الصيام امتناع عن المفطرات الحسية من طعام وشراب، لكن الصوم هو امتناع عن المفطرات المعنوية. وما الصيام إلا سبيل من أجل أن نتحقق بالصوم، ومن لم يتحقق بالصوم لا قيمة لصيامه، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش)، باعتبار أن صيامه لم يؤد به من أجل أن يتحقق بالصوم، الذي هو امتناع عن كل ما يفطر معنوياً، امتناع عن الغيبة والنميمة والغش والخداع وشهادة الزور وإيذاء الجيران والإخوان والمواطنين والوساخة، وكل ما يؤدي إلى عرقلة السير، وكل هذه مفطرات معنوية، وهذا يصب في مصب الصوم، فنحن نقوم بالصيام من أجل أن نؤدي دور الصائمين صوماً، من أجل أن نتحقق بالصوم، ومن هنا قلت لإخوتي في الأسبوع الماضي على المنبر: نحن نصوم صياماً نمتنع عن المفطرات الحسية في رمضان من أجل أن نتحقق بالصوم في رمضان وفي سائر أشهر السنة، وهو امتناع عن المفطرات المعنوية من غش وغيبة و... و.... و... فهذا ما يمكن أن نتكلم به دائماً في رمضان عبر خطبة الجمعة وعبر الدروس وبعد صلاة التراويح وأثناء صلاة التراويح، وأسأل الله في النهاية من أجل أن يوفقنا من أجل أن نكون صائمين صياماً وصائمين صوماً، وأن نكون على مستوى هذا الدين، وأن نكون على مستوى بركة بلاد الشام، وعلى مستوى هذا الذي نتجلبب جلبابه وهو الإنسانية، فثوب الإنسانية كريم جداً ورفيع وعال، والله أكرمنا به.

نسأل الله أن نكون على مستواه حتى نكون في أحسن تقويم، وإلا... لا سمح الله، فسوف نرد إلى أسفل سافلين.

أجرى الحوار: عمر عيبور

التعليقات

شاركنا بتعليق