آخر تحديث: الأحد 04 ديسمبر 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
غايات الزواج

غايات الزواج

تاريخ الإضافة: 2006/11/17 | عدد المشاهدات: 4703

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

سألني طالب في كلية الحقوق وآخر عبر الشبكة العالمية (الإنترنت) عن تشريع الزواج في الإسلام، إلا أن سؤاله لم يكن عن تفاصيل هذا التشريع وهذا النظام، لكن سؤاله كان عن الغاية من الزواج في الإسلام، يقول متسائلاً لكل شيء، لكل فعل، لكل سلوك غاية تتناسب وهذا السلوك، فما غاية الزواج في الإسلام وما حِكَم الزواج في الإسلام ؟ هل ثمة غاية تتناسب وهذا التشريع الذي يتضمن أحكاماً وأحكاماً، ويتضمن أشكالاً وأشكالاً، ويتضمن أموراً وأموراً ؟

حدثته مجيباً، لكنني قلت لأحدثن إخوتي في جامع التوحيد عن هذا الأمر الذي حدثت به ذلك الأخ، ولعل هذا الحديث يستمعه منكم من يستمعه ليفكر من جديد في الغاية، وهل حقق الغاية من زواجه إن كان متزوجاً، فإن لم يكن متزوجاً فلينصب هذه الغاية أمام عينه حتى يسعى لتحقيقها وإذا ما تزوج أدرك أن وراء الزواج غاية، وأن هناك حكماً وحكماً.

أيها الأخ السائل، أيها الإخوة المسلمون:

حصرت غايات الزواج أو وصلت إلى تحديدها بست غايات.

لماذا تتزوج أنت ؟

أولاً: لإيجاد السكن النفسي والاستقرار الروحي والأنس الاجتماعي، أوليس الله عز وجل قال: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ غاية الزواج سكن نفسي، استقرار روحي، أنس اجتماعي، أسألك بربك هل حقق زواجك هذه الغاية أم أنك اضطربت أكثر مما كنت عليه قبل الزواج ؟ آمل أن تنتبه إلى زواجك وإلا ستقدم أنموذجاً غير طيب لأولئك الذين يقولون بأن الزواج عبء، وكان من الأجدر ألا يكون الزواج أمراً مطلوباً بل ربما كانت العلاقات القائمة على غير الزواج بديلاً أفضل. الغاية الأولى إذاً إيجاد السكن النفسي والاستقرار الروحي والأنس الاجتماعي، أوليس الله قد قال:  ﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ﴾ هل هذا متحقق في زواجك ؟ انتبه أيها الزوج إلى زواجك وزوجتك، وانتبهي أيتها الزوجة إلى زواجكِ وزوجكِ أيضاً.

الغاية الثانية: الاستجابة لنداء الفطرة في تحقيق الوطر، جُبل الإنسان على وطر ورغبة، على وطر جنسي ورغبة جنسية، كيف يستجيب لهذا الوطر ؟ يستجيب له من خلال نداءات الفطرة. ونداءات الفطرة تقول لك: لا استجابة لهذا الوطر إلا بما شرعه الله وهو الزواج، فاستجب لنداءات الفطرة في تغطية هذا الوطر في إشباع هذا الوطر، الله عز وجل قال:  ﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق  ﴾ ما لكم يا دعاة الإسلام تقدمون الإسلام على أنه كوابيس، على أنه أمور هي في غير مجال السرور أو السعادة، ما لكم يا دعاة الإسلام تقدمون الإسلام على أنه أقرب إلى أن يكون ذلك البعبع المرعب ؟

الإسلام يريدك أن تكون سعيداً، يريدك أن تكون مسروراً ضمن خط مشروع يستوعب كل تطلعات سرورك، كل تطلعات سعادتك، هل تريد أكثر من هذه الآية: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ﴾ تزوج فالزواج أمر مشروع وهو يلبي لك الوطر الذي يعيش في داخلك والذي يتراوح بين جنبي صدرك في داخلك، تزوج فالطيبات من الرزق أرادها الله أن تكون لك، هيا إلى اغتنامها ما دامت ضمن خط المشروعية الربانية، يقول سيدي رسول الله كما يروي الترمذي:  )إن الدنيا خضرة حلوة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون) فالدنيا حلوة، والدنيا جميلة، ولا نريد لأحد أن ينظر لها غير ذلك فالدنيا حلوة هكذا خلقها الله، والله استخلفكم فيها فناظر كيف تعملون هل تلبون أوطاركم بغير الطرق المشروعة وبالتالي تقضون على الخضار والاخضرار وتفسدون فيها وتعيثون فيها فساداً واضطراباً، هل تبقونها خضرة أم تحولوها إلى هشيم تذروه الرياح من خلال فعل ما لا يرضي الله، من خلال مجانبة الأفعال المشروعة لتفعلوا أموراً لا ترضي ربنا ولا تستجيب للفطرة ولا تناسب الفطرة ولا تناسب الصبغة، الله عز وجل قال:  ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين ﴾ الله عز وجل يريد لك الإحصان لا أن تكون مسافحاً وشتان بين الإحصان والسفاح، هل تريد لنفسك حصانة أم سفاحاً ؟ هل تريد لدمك حقناً أم سفاحاً ؟ هل تريد لرغباتك حصانة  والحصانة لا تعني كبتاً ولا تعني منعاً وإنما تعني الحصانة تنظيماً وتدبيراً وترتيباً وتصنيفاًَ وتنسيقاً أما السفاح فيعني فوضى واضطراب.

الغاية الثالثة من الزواج: المحافظة على النوع البشري سليماً قوياً، يتكلم عن عالم الخيل فيقال: إن تلك الخيل أصيلة ذلك أنها لم تكن من نتاج غير صالح، أي لم تكن من نتاج علاقات غير سوية. إذا كانت الأصالة ممدوحة في الخيل فهلا جعلناها أيضاً في البشر، إذاً من غايات الزواج المحافظة على النوع البشري سليماً قوياً، من غايات الزواج ضمن هذا البند إرواء دافع حب البقاء، من منا لا يريد أن يستمر من خلال نسل يسير على هديه  ﴿رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين ﴾ وقال سيدي رسول الله كما يروي أبو داود: (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة) من غايات الزواج إذاً المحافظة على النوع البشري سليماً قوياً، وضمن هذا البند يمكن أن نتحدث عن إرواء دافع حب البقاء وعن مد المجتمع بعناصر خيرة، بعناصر نافعة طيبة، وأنا أفهم حديث النبي: (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة) مكاثر بالنوع وليس بالعدد، مفاخر بكثرة النوع الجيد فيكم، الكثرة العددية ليست محمودة لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول في حديث آخر عندما قال له الصحابة: "أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله ؟!" قال: (لا، أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل).

فالمكاثرة بالنوع، لا أريدكم أن تنجبوا الكثير المهمل لكنني أريدكم أن تنجبوا النوع الأفضل المربى تتبنونه مُرَبّاً مُراعى ممداً بكل ما يمكن أن تملكه من طاقات نحو هذا الذي جعله الله أمانة في عنقك.

الغاية الرابعة من الزواج: الحفاظ على أخلاق المجتمع من أن تسوء، تصوروا مجتمعاً من غير زواج سيحل السِّفاح محل الزواج، وبالتالي ستكون نتائج السفاح هتك الأعراض، كثرة الأمراض، ستكون نتائج السفاح القتل والاضطراب والتدمير، الزواج يقدم لك مجتمعاً محافظاً على أخلاقه، محافظاً على الاحترام والتقدير والبر والإحسان والرحمة والعطاء لأن الإنسان بالزواج يصبح أباً، وتحدثنا في الأسابيع الماضية عن واجب الزوج تجاه زوجته، وواجب الزوجة تجاه زوجها، وعن الأولاد ووالدهم وأمهم، وعن الأمهات والآباء وأولادهم فبالزواج الإسلامي بآدابه وأحكامه تحافظ على أخلاق المجتمع.

الغاية الخامسة: تقوية وتعميق المسؤولية، أنت تتزوج ستغدو مسؤولاً وستتعمق مسؤوليتك لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال كما في البخاري: (والرجل راعٍ على أهل بيته ومسؤول عن رعيته) الزواج يعمق فيك المسؤولية فهل تستشعر المسؤولية يا أخي ؟

أيها المتزوج ويا أيها الراغب في الزواج هل تضع يافطة المسؤولية أمام ناظريك صباح مساء لتستشعر ما من أجله خلقت ؟ أنت خلقت مسؤولاً  ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين. فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين ﴾ وقلت على هذا المنبر أكثر من مرة: أنا مسؤول إذاً أنا موجود. الزواج يعمق المسؤولية (والرجل راع على أهل بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده).

أيتها الأمهات أين التربية ؟ حدثني بالأمس صديق لي قال: يا أخي تحدث في خطبة من الخطب عن هؤلاء الخادمات اللواتي يؤتى بهن من بلاد بعيدة ليكنَّ محل الأم في البيت، وهل يمكن أن تكون تلك الخادمة القادمة من البلد الفلاني أو البلد الفلاني أن تكون أماً ؟ إنها تنصب أماً من قبل الأم الفعلية، والأم الفعلية في لهوٍ عن ولدها هي لا تريد أن تقدم لهم النظافة، لا تريد أن تقدم لهم الطعام، لا تريد أن تقدم لهم الرحمة مجسدة من خلال الخدمة والرعاية. يا هؤلاء أين أنتن من الحديث الذي نذكره (والمرأة راعية على بيت زوجها وولده) أين الرعاية على البيت والولد، من العجب أن نلقى في بلادنا – أنا لا أقول هذا منتقداً لكنني أقول هذا متسائلاً ومتعجباً – الأمهات المسلمات يجلبن تلك الخادمة المربية لتكون محل الأم في إيقاظ الأولاد في الصباح، في تقديم الفطور، في إرضاع الأولاد، في أخذ الأولاد إلى المدرسة، في كل ما يجب على الأم أن تقوم به. أما الأم فماذا تعملين وأنت الراعية ؟ تزوجتِ لتكوني مسؤولة ولتتعمق مسؤوليتك فأين الرعاية ؟ ورسول الله يقول: (والمرأة راعية على بيت زوجها وولده)، (فكلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته).

قال هذا الرجل حدث الناس عن أخلاق سيئة تجاه الخادمات القادمات من البلد الفلاني أو البلد الفلاني. قلت إن أردت أن أتحدث فسأتحدث عن أصل الفكرة، هل نحن بحاجة ؟ أين تعمل الأم ؟ لمَ تريد الأم أن تتفرغ إن تركت أعمال أولادها تقوم بها تلك الخادمة القادمة من البلد الآخر ؟ قل لي بربك وأنت تعرف هذا وذاك وتعرف جارك وقريبك وهم يعيشون في منزل مع خادمة أثيوبية أو اندونيسية أو أو... حدثني بربك عن هذا الوضع هل أنت راض ؟ وبالتالي هل تحكم على الأم بأنها تقوم على رعاية بيت زوجها وولده أم أنها مقصرة ؟

يقول سيدي رسول الله كما جاء في سنن أبي داود واسمعوا أيها الآباء المقصرون في رعاية أبنائكم واسمعن أيتها الأمهات المقصرات في رعاية البيت والولد: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت) وللأسف الشديد جلُّ آبائنا، جل الأمهات، جل الزوجات والأزواج يضيعون ويضيعن من يعولون ومن يقوتون وأنتم أدرى بذلك، فهلا استجبنا لنداء الإسلام والفطرة اللذين يقولان لنا بكل صراحة كونوا مسؤولين، تحققوا بالمسؤولية تجاه بيوتكم تجاه أولادكم تجاه أموالكم تجاه مجتمعكم وإلا فالنهاية وخيمة وآمل أن نستيقظ قبل أن نأتي مشارف هذه النهاية الوخيمة.

الغاية السادسة من الزواج: تحقيق العبودية لله، الله قال لك تزوج ففي الزواج عبادة أنا أمتثل أمر الله فأتزوج لأنني بهذا أتحقق بالعبودية لرب العزة جلت قدرته، أوليس النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (وفي بضع أحدكم صدقة) قالوا يا رسول الله: "أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟" قال: (أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له فيها أجر).

أيتها الأمة إننا بحاجة إلى أسرة يحقق فيها الزواج غايته، نحن بحاجة إلى أن يتزوج من هو في سن الزواج ومن هو راغب في الزواج ولكن من أجل تحقيق الغايات فإن كان الزواج لا يحقق غايته المشروعة المطلوبة الإنسانية الإسلامية فأنا أقول إن الزواج سيغدو كارثة وها نحن نعيش آثار الكوارث جراء زواج كثير من الناس لا يبغون من وراء زواجهم تحقيق الغايات التي من أجلها شرع الزواج.

أسأل الله العلي القدير أن يوفقنا من أجل أن نتحقق بالغايات لكل تشريعات ربنا فما غايات تشريعات ربنا لنا إلا وتصب في مصب النفع والفضل والعناية والرعاية بنا، اللهم اجعلنا من الذين يهتدون بهديك نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ: 17/11/2006

التعليقات

شاركنا بتعليق