آخر تحديث: الإثنين 15 يوليو 2024
عكام


أخبار صحـفيـة

   
التلفزيون السوري يلتقي الدكتور عكام بمناسبة ذكرى الإسراء والمعراج

التلفزيون السوري يلتقي الدكتور عكام بمناسبة ذكرى الإسراء والمعراج

تاريخ الإضافة: 2007/08/09 | عدد المشاهدات: 2673

بمناسبة ذكرى الإسراء والمعراج التقى التلفزيون العربي السوري- قناة حلب، الدكتور الشيخ محمود عكام، في يوم الخميس 26 رجب 1428هـ الموافق: 9 آب 2007، وسأله عن هذه المعجزة، وعن الدروس التي يمكن أن تستخلص منها... وفيما يلي نص الحوار:

 

التلفزيون السوري: مشاهدينا الكرام تحية لكم من جديد، كما ذكرنا في بداية الحلقة، سنتوقف اليوم عند ذكرى الإسراء والمعراج، ولكن في البداية اسمحوا لي أن أصبّح على ضيفي سماحة الشيخ الدكتور محمود عكام مفتي حلب ومستشار وزير الأوقاف، أهلاً وسهلاً بكم سماحة الشيخ ويسعد صباحك.

الدكتور عكام: أهلاً وسهلاً بكم، وكل عام وأنتم بألف خير.

التلفزيون السوري: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هوالسميع البصير. سماحة الشيخ: لونتوقف بداية ولو باختصار، عند قصة الإسراء والمعراج.

الدكتور عكام: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدي رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه.

الحقيقة أن الإسراء والمعراج معجزة من معجزات المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، هذه المعجزة تاريخها كان قبل الهجرة بسنة، على أرجح الأقوال، وكانت هذه المعجزة في عامٍ سمّاه النبي صلى الله عليه وسلم (عام الحزن)، وهوالعام الذي توفي فيه عمه - نصيره - أبوطالب، وزوجته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وكانت هذه المعجزة أيضاً بعد أن ذهب إلى أهل الطائف وعاد منها، وقد استقبله أهلها استقبالاً سيئاً، فقد رموه بالحجارة وسلَّطوا عليه صبيانهم وغلمانهم، ثم لجأ بعد ذلك إلى ظلِّ شجرة، وراح يقول القول المعروف والمشهور جداً: (اللهم إليك أشكوضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت ربي وأنت رب المستضعفين، إلى من تكلني ؟ إلى عدويتجهَّمني أم إلى قريب ملكته أمري ؟ إن لم تكن بك غضب عليّ فلا أبالي، لكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلُح عليه أمر الدنيا، من أن ينزل بي غضبك أوأن يحلَّ عليَّ سخطك، لك العُتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك).

في هذه السنة (عام الحزن)، وبعدما استُقبل النبي صلى الله عليه وسلم استقبالاً سيئاً من قبل أهل الطائف، جاءت معجزة الإسراء والمعراج لتكون ترويحاً من رب العزة جلت قدرته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكأن هذه المعجزة تقول بلسان حالها: يا محمد لئن استقبلك هؤلاء استقبالاً سيئاً، ولئن مُني قلبك بشيء أوبكثير من الحزن والألم، فإني سأعوِّضك، فها ربك سيستقبلك في السموات، وها ربك سيكرمك بأن سينقلك من مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى.

فهي رحلة ترفيهية فيها عطاء، فيها نفحات، فيها كل ما يمكن أن يتجلى به ربنا عز وجل على عبده، بل على أشرف وأعظم عباده بالعطاءات والتجليات.

والنبي صلى الله عليه وسلم، كما تحدثنا كتب الحديث الصحيحة، يتحدث عن هذه المعجزة فيقول، أوكما قال صلى الله عليه وآله وسلم باختصار: بأنه كان في الحطيم (جانب الكعبة المشرفة) في ليلةٍ من الليالي، وإذ يُسرى به إلى المسجد الأقصى، وتقول بعض الروايات المفصِّلة لهذه القضية: بأن جبريل عليه السلام جاءه بالبراق، وهي الوسيلة التي سينتقل بها وعليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى.

التلفزيون السوري: عذراً سماحة الشيخ: لكن البعض يتساءل: هل كانت هذه الرحلة بالروح أم بالجسد أم بالروح والجسد معاً ؟

الدكتور عكام: هنالك أقوال في هذا الشأن، لكن القول المعوّل عليه: أن هذه الرحلة كانت بالجسد والروح، ولولم تكن بالروح والجسد، لما اعتُرض عليها هذا الاعتراض الشديد من قبل المشركين، كما سنرى بعد قليل، ولما كُذِّبت، ولوأنها كانت بالروح، لما كانت غريبة تلك الغرابة، ولما كانت معجزة بالمعنى الذي نتحدث عنه، ولما كانت معجزة خاصة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم. لذلك هي معجزة، والإسراء حدث بالروح والجسد.

والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أُتي بالبراق من قبل جبريل عليه السلام، والبراق هوحقيقة وليس صورةً ولا خيالاً، وهذا البراق، كما يصفه رواة السيرة، هوما فوق الحمار ودون الحصان.

استصعب البُراق على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال جبريل عليه السلام مخاطباً البراق، وهذه رواية صحيحة: (أبمحمد تفعل هذا ؟!) وهذا طبعاً بتقدير الله عز وجل، لإظهار فضل هذا النبي العظيم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

فجبريل عليه السلام قال للبراق: (أبمحمد تفعل هذا، فوالله ما ركبك قط أحد أكرم على الله من محمد) وإذ بالبراق ينصبُّ منه العرق، وإذ بالبراق يطوَّع للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيركبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليُسرى به إلى المسجد الأقصى، وهناك في المسجد الأقصى يلتقي بالأنبياء عليهم السلام ويصلي بهم إماماً، ثم بعد ذلك يُعرج بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى السموات: سماءً فسماءً فسماء، إلى سدرة المنتهى، حيث يلتقي بربه عز وجل.

طبعاً التقى بربه عز وجل كما يقال عندنا: بلا كيف ولا أين، فالقضية لا نعرف كيف نتصورها، لأن تصور الشيء يجب أن يكون بحسب ما نرى وبحسب ما نعلم، أما هذا الذي وصل إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يمكن أن يدخل تحت ما يمكن أن نراه أوما نسمعه، لذلك رأى محمد ربه بلا كيف وبلا أين وبلا شكلية نعرفها أوتخضع لحواسنا، المهم أنه رأى ربه عز وجل وأوحى الله إليه ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ ، ففي هذا العروج حيث سدرة المنتهى، أوحى الله إليه ما أوحى من المكرمات، ومن الإيحاءات العظيمة، ومن الإيحاءات المعنوية، ومن الإيحاءات الربانية، ومن التجليات التي جعلت في قلب هذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك العطاء، الذي أعطاه بعد ذلك وقدَّمه لأمته وللعالم وللإنسانية كلها. فالله عز وجل أوحى إليه الرحمة، وأوحى إليه المغفرة، وأوحى إليه الكرم، أوحى إليه كل شيء. يعني عوضاً عن أن نعرف أونتعرف على ما أوحى الله إليه، المهم أن نعرف بأن الله عز وجل قال في سورة النجم: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى* ما كذب الفؤاد ما رأى* أفتمارونه على ما يرى﴾.

لذلك عاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الرحلة، طبعاً أنا أتكلم باختصار، عادَ إلى مكة المكرمة حيث المكان الذي انطلق منه، وفي اليوم الثاني حدَّث الناس بما حَدَثَ معه، والناس حين ذاك بين مصدِّق وبين مكذِّب، حتى إن أحدهم وهومطعم بن عدي قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: "أشهد أنك كاذب". ثم جاؤوا إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقال له: انظر صاحبك اليوم أتانا بشيء لا يمكن أن نقبله، إنه يزعم انه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة ! وإذ بسيدنا أبي بكر رضي الله عنه يقول الكلمة والتي على أساسها لُقِّب بالصِّدِّيق: "إن كان قالها فقد صدق".

هذه الكلمة التوثيقية التي أحبُّ أن أغتنم الفرصة اليوم لأقول للناس: انظروا، لم يقل سيدنا أبوبكر رضي الله عنه: نعم أُسري به. ولكن ربط الأمر فيما إذا كان هذا الخبر منقولاً بثقة فقال: (إن كان قالها فقد صدق)، ربما هؤلاء ينقلون عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمراً لم يقله، لذلك كان أبوبكر من العقلاء فعلاً، والذين يُشهد لهم بأنه على عقل كبير جداً. قال: (إن كان قالها فقد صدق). أي هناك دقة في الكلام ودقة في تلقي الخبر، لذلك نحن اليوم مما نستفيده ونفيده من هذه المعجزة، أن نتحرَّى دائماً في نقلنا للأخبار، مثلاً: يُنقل عنكَ أمر ما معين ويقولون لي: لقد قال الأستاذ فؤاد كذا وكذا. أقول لهم: إن قاله فحكمي كذا. لا أن أقول: لا. هذا لا يجوز.

تأكَّّد أولاً ووثِّق هذا الخبر، ثم بعد ذلك احكم عليه، ولا تحكم على الخبر من دون توثيقه، هذا ما علمنا إياه سيدنا أبوبكر الصديق في هذه الحادثة.

التلفزيون السوري: هنالك عبر ومواعظ كثيرة لونتوقف عند بعضها.

الدكتور عكام: هذه المعجزة أنا أسميتها: مدرسة، لأنها تنطوي على دروس كثيرة جداً جداً، ولوأردنا أن نعدِّد هذه الدروس، لكانت هذه الدروس ربما تفوق أيام السنة، المهم أن ما يمكن أن نلخصه من دروس من هذه المعجزة.

أولاً: أن هذه المعجزة لها بُعد سميته: أخوي إنساني ديني، واسمح لي أن أعطيها هذه الثلاثية، انطلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة إلى المسجد الأقصى (القدس) كما تفضلتم وذكرتم الآية: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هوالسميع البصير الجغرافيا هذه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، المُنطَلَق مكة والمُنطَلَق إليه القدس، في الشرق والغرب، في الشمال والجنوب. هذه الانطلاقة من أجل أن تقول للناس: المكان واحد، ووحدة المكان ينبغي أن تكون تحت راية وحدة الدين (وحدة المعبود)، أنا أعلم أن كلَّه سيتَّحد إذا ما اتَّحد القائمون على هذا المكان، أينما كانوا، وفي أي بقعة من الكرة الأرضية كانوا، إذا كان هؤلاء القائمون على هذه الأرض، على مكة، أوفي القدس، أوفي قارة أخرى: في أستراليا أوفي أمريكا... إذا ما كان هؤلاء القائمون على هذه الأمكنة يستظلون بظلِّ الألوهية، بظلِّ الذي خلق السموات والأرض. فهؤلاء إخوة. فهؤلاء إخوة من حيث استظلالهم بظل الله عز وجل (بظل الخالق)، وهؤلاء إخوة أيضاً من حيث إنسانيتهم، فسيدنا علي رضي الله عنه لما أرسل رسالة إلى مالك ابن الأشتر، وهومروي في مسلم، قال له: "الناس صنفان: إما أخ لك في الدِّين أونظير لك في الخلق" (الإنسانية). فهذه الرحلة (معجزة الإسراء والمعراج) فيها بُعد أخوي إنساني ديني. البعد الأخوي: الناس إخوة في الإنسانية بحسب الواقع، والناس إخوة في ضرورة أن يلتجئوا إلى الله عز وجل، ولا يجوز الالتجاء إلى غيره، فالله عز وجل أصبح اليوم حقيقة قائمة، لا يمكن إنكارها، فعلى الناس أن يتَّحدوا تحت ظلال الإيمان بالله عز وجل، فالإخوة الإنسانية إذاً حقيقة قائمة، أنت إنسان، والذي يعيش في أوربا إنسان، والذي يعيش في أفريقيا إنسان.

الأخوة الإنسانية حقيقة قائمة، الإخوة الدينية ضرورة يتطلبها الفكر والعقل والقلب. لأنه لا يمكن أن يعيش الإنسان من غير اعتقاد بأن الله موجود، الإخوة الإنسانية حقيقة قائمة، الأخوة الدينية ضرورة تتوجه إلى إله واحد. فهذه ضرورة، وليس ثمة من إنسان إذا ما فكر قليلاً إذا ما فكر كثيراً إذا ما فكر وفكر، إلا وسيصل أن للكون إلهاً، وبالتالي نحن إخوة باعتبارنا نلجأ جميعاً إلى الله عز وجل، على أساس العبودية لهذا الإله القادر لهذا للخالق العظيم. فبالتالي إنسانية هذه حقيقة. دينية هذه ضرورة.

ثم بعد ذلك جغرافية، فينبغي أن نكون أوفياء للأرض، أنا أسكن في سوريا، عليّ أن أكون وفياً للأرض، وعليّ أن أكون وفياً أيضاً لأرض غير سوريا، أن أكون وفياً للأرض كلها، وهنا أغتنم فرصة من أجل أن أقول للناس: عليكم أن تحافظوا على البيئة اليوم، فالحفاظ على البيئة أمر موكل في أعناقنا، وأمانة على أكتافنا وفي قلوبنا.

فوحدة الأرض الإسراء والمعراج فيها نظرة وبث على هذا الربط بين المكان والمكان، فكلنا مسؤولون عن كل الأرض، صحيح أنا بالدرجة الأولى أكون مسؤولاً عن أرضي وعن وطني (سوريا)، فهنالك وطن وهنالك أرض، وهنالك مسؤولية تنتمي للوطن بطريق أولوي وأساسي، وتنتمي للأرض بطريق ديني وإنساني، فإذا ما تكلمت عن الأخوة الإنسانية والتي هي حقيقة، وعن الأخوة الدينية والتي هي ضرورة، وعلى الأخوة الجغرافية التي تفرز مسؤولية عن الأرض، فعليّ أن أكون مسؤولاً عن أرضي، أن أرعاها وأحميها من كل ما يؤذيها ويلوثها ويتعبها ومن كل يقع عليها.

واليوم نحن نخاف مما سيأتينا، لا سمح الله وأرجوالله أن يذهب عنا هذه الأمور، مما سيأتينا من تلوث بيئي، ومن ثقب في الأوزون، من أشياء كثيرة ترعبنا، والتي نقف أمامها اليوم ونريد أن نتلافى ما يمكن أن تفرزه من آثار سلبية على بيئتنا.

التلفزيون السوري: هنالك أشياء نحن نقوم بها وفيها تلوث للبيئة.

الدكتور عكام: وبالتالي أن نحميها بعلمنا وأن نحميها بمبتكراتنا وأن نحميها بقدراتنا...الخ

التلفزيون السوري: كما ذكرتم سماحة الشيخ إذا عدنا إلى الأخوة الإنسانية، والأخوة الجغرافيا، فبالتالي سنبتعد عن كل شيء فيه ضرر للغير، فإن كنا دائماً نتساءل دائماً بما أننا إخوة في الإنسانية وهناك بُعد وارتباط بالأرض والجغرافيا، فعلاً سنبتعد عن كل شيء فيه ضرر لهذه الأرض ولمن يعيش على هذه الأرض.

الدكتور عكام: وكل هذا الذي تفضلت به تتطلبه الأخوة، التي ذكرناها، الأخوة الإنسانية والأخوة الدينية والأخوة الجغرافية، فيما بعد ذلك أريد أن أركِّز على قضية الأخوة الدينية، عندما صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالأنبياء، ثم عُرج به إلى السماء، والأنبياء بالنسبة لنا هم إخوان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فالنبي أب والأنبياء أعمام بالنسبة لنا، والنبي صلى بالأنبياء قبل المعراج، وهذا يؤكد أخوة الدين، وعلينا جميعاً أن نتوجه إلى بعضنا على أننا إخوة، هذه دلالة واضحة وبينة على أن الذين ينتمون إلى الله عز وجل على سبيل العبودية، ينبغي أن يقووا أواصر العلاقة فيما بينهم، وينبغي أن يعيشوا وهم يدافعون عن بعضهم البعض، وأن يحسن بعضهم بعضاً، وأن يقوي بعضهم بعضاً، وأن يتعاون بعضهم مع بعض. هذه أمور أعتقد أنها أصبحت من البداهة بمكان.

كل من يقرأ سيرة هذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعجزته، يدرك تماماً بأن هذه القضايا التي تكلمنا عنها من مفردات هذه السيرة العظيمة لذلك النبي العظيم.

أخيراً يمكن أن أضيف درساً جديداً وهو: خصوصية المنطلق إليه ومسرى النبي صلى الله عليه وآله وسلم (القدس)، لماذا أسرى الله عز وجل بنبيه عليه الصلاة والسلام من مكة المكرمة إلى القدس ؟

أسرى به من أجل أن يقول للناس: بأن القدس ليست مدينة عادية، القدس مدينة مقدسة ومحترمة، وكأن هذه المعجزة تقول للناس القادمين من بعيد والذين سيأتون إلى يوم القيامة: انتبهوا إلى أهمية هذه المدينة، وبالتالي فلسطين والقدس تقول للمسلمين: ألستُ مسرى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟ ألست أولى القبلتين ؟ ألستُ المكان الذي عَرج منه النبي إلى السموات ؟ فأين اهتمامكم بالأرض التي هي مسرى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعراجه ؟

أنا أقول للناس وهذا درس وعبرة أفهمها: لئن بدأ الإسلام من مكة، فإن الإسلام سينتهي في القدس، فلذلك من أراد للإسلام الرفعة والمكانة، فعليه أن يسعى من أجل تحرير القدس من براثن الأعداء، لأن القدس هي موطن الخلافة الإسلامية الإنسانية العربية المنتظرة، فهي العاصمة المنتظرة للأمة العربية الإسلامية الموحدة، نحن نتحدث عن الوحدة الإسلامية والوحدة العربية. وهذا ما نأمله، نقول لأولئك السعاة لوحدة عربية ووحدة إسلامية: ما العاصمة لهذه الوحدة التي ستكون ؟ ما العاصمة لهذه الدولة العربية الإسلامية الموحدة المنتظرة ؟ عاصمتها القدس في فلسطين. لأن الله عز وجل يقول بلسان الحال: جعلت المنطلق من مكة المكرمة، والنهاية في القدس. لذلك أنا أقول: كل قضية إسلامية تُهمِل فلسطين فليست بقضية إسلامية ولا عربية، وكل قضية أوتوجه أوحركة عربية يهمل فلسطين فليس بقضية عربية ولا فلسطينية، كل حركة فلسطينية تهمل العروبة والإسلام فليست بقضية فلسطينية.

ومن هنا نقول: يا إخوة الإيمان، يا إخوة الإنسان، نحن حينما نقول بأن القدس ستكون عاصمة الدولة الإسلامية والعربية الموحدة، ليس هذا من باب الأثرة، لا والله، وإنما نقول عاصمة الدولة العربية الإسلامية الموحدة التي تبغي عطاء الخير للإنسانية كلها، فنحن دعاة سلام.

سئلت منذ يومين، وقد حضرت مهرجاناً لسيدنا الإمام علي رضي الله عنه، وكان هذا المهرجان بعنوان: (السِّلم، واللاعنف عند سيدنا علي رضي الله عنه)، قال لي أحدهم: أنت تتحدث عن السلم واللاعنف عند سيدنا علي رضي الله عنه، لكن المعروف عن سيدنا علي رضي الله عنه بأنه كان صاحب سيف، وكان يقاتل. قلت له آنذاك: إن سيدنا علي رضي الله عنه مقتدياً بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم حمل السيف لينصر السَّلام، فنحن نحمل السيف لننصر السلام عندما يُعتدى عليه، لا نحمل ما نحمل إلا من أجل نصرة السلام، عندما يريد الآخرون السلام فنحن نريده قبل أن يريدوه، لكن عندما نواجههم بما نواجههم به من عتاد، من قوة... الخ،  نواجههم لأنهم هم يريدون أن يقتلوا السلام، نحن ندافع عن السلام، ونردع هؤلاء القتلى، الذين يريدون أن يبيدوا وأن يقتلوا. كما يقال في التعبير الرمزي: يقتلوا ويبيدوا حمامة السلام.

وأهم عبرة في النهاية أقول لكل المسلمين ولكل العرب:

أريدكم أيها الإخوة المسلمون، أيها الإخوة العرب، أريدكم أن تنظروا إلى هذا النبي الكريم على أنه قدوة وعلى أنه أسوة، فورب الكعبة إنه لقدوة وأسوة، ليس فقط في ميدان الصلاة والزكاة والعبادة، إنه لأسوة وقدوة في ميدان العلاقة مع الناس، في ميدان العلاقة مع الزوجة، في ميدان العلاقة مع الأب، في كل تفاصيل الحياة، هذا النبي الكريم الذي كان أفضل الناس عند الله عز وجل، وهذه الأفضلية أخذناها من قول الله عز وجل: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾ و﴿عبده﴾ هنا هومحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكما ذكرنا في قصة البراق: (ما ركبك أحد قط أكرم على الله من محمد) فأنا أخاطب الأمة العربية والإسلامية من أجل أن تعيد حسابها في علاقتها مع هذا الرجل العظيم، حتى تتخذه بجدارة أسوة لها وقدوة. وأيضاً أقول لهم بأن ديننا هذا دين عقل، وهذه المعجزة اسمها معجزة، ودين رحمة، ودين صلة بالله عز وجل، ودين صلة بالإنسانية، ودين يحترم الأرض كلها، ودين يحترم الإنسان. اقتدوا بهذا النبي فستجدون أن هذا الدين عظيم، وآمل أن لا نغفل عن اتباع هذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كل سلوكياته التي صدرت عنه.

التلفزيون السوري: أيضا ًسماحة الشيخ، اسمح لنا أن نتوقف عند هذه الليلة، وكيف يجب على الناس أن يحتفلوا بها، هل جائز حكم الاحتفال بهذه الليلة (ليلة الإسراء والمعراج) وكيف يمكن أن نحتفل بها وبما يعود بالفائدة على إخوتنا جميعاً ؟

الدكتور عكام: دائما الإنسان بين ذكرى وواقع، كل يوم تمرُّ بك ذكرى، وتمرُّ بي ذكرى، مثلاً أقول: في مثل هذا اليوم من الأسبوع الفائت كان عندي صديق، في مثل هذا اليوم من الشهر الفائت ذهبت إلى صديق. هنالك ذكريات خاصة، وهنالك ذكريات عامة، كل يوم نعيشه فيه ذكريات خاصة وذكريات عامة، ذكريات عامة تهمنا جميعاً، أما زيارة صديق لي فهي تهمني أنا. لكن هذه الذكرى، ذكرى الإسراء والمعراج، هي ذكرى لكل المسلمين، بل لكل الإنسانية، وبالتالي نقول: إن أهم ما يجب أن نعيشه ونحن نتذكر الذكرى العامة، وأهم ما يجب أن نفعله تجاه هذه الذكرى: هونتعرف على هذه الذكرى، فهذا هو الأهم. لأنه لا يمكن أن نبني سلوكاً على جهل، وبالتالي الواجب الأساسي علينا تجاه أي ذكرى تمرُّ بنا أن نتعرف عليها، وأنا أتكلم عن الذكريات العامة التي تهمنا، والتي نريد أن نستخلص منها العبر والدروس، لنسقطها على واقعنا، وبالتالي نريد أن نؤسس مستقبلاً بناءً على دروس استخلصناها من الذكريات. لأن الإنسان دائماً يعرف ثم يسلك، فإذا ما سلك من دون معرفة، أصبح سلوكه خاطئاً، وإذا ما عرف من دون أن يحوِّل هذه المعرفة إلى سلوك، كان هذا الإنسان جامداً، وكان صاحب عقل وليس له قلب.

 نحن نتعرف ونتعارف على هذه المعجزة، ولما نتحدث، كما سألتني عن الدروس والعبر، هذه من أجل أن نجعل منها منطلقات لسلوكنا، لذلك الاحتفال الحق تجاه الذكريات: هو أن نتعرف، وبالتالي أن نستنبط من هذه المعرفة دروساً لنحوِّلها إلى سلوكيات، عند ذلك نكون أوفياء للذكرى، الوفاء لأي ذكرى التعرف الصحيح عن هذه الذكرى والسلوك المعتمد.

التلفزيون السوري: أن نعرفها لأطفالنا.

الدكتور عكام: طبعاً بلا شك نتعرف عليها وأن نعرف عليها أبناءنا وطلابنا وتلاميذنا... لذلك أنا اجتمعت منذ يومين مع السادة العلماء والشيوخ وقلت لهم: عليكم أن تتحدثوا عن أي ذكرى من هذه الذكريات العامة: ذكرى الإسراء والمعراج، ذكرى غزوة بدر، ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكرى مولد سيدنا المسيح عليه السلام... عليكم أن تتعرفوا عليها من مصادرها الموثَّقة وأن تتقنوا معرفتها، وأن تستلهموا منها الدروس المفيدة، والتي تصبُّ في مصبِّ نفع الوطن والإنسان والأمة، وبالتالي الناس ينطلقون من ورقة عمل، فيها ما يجب عليّ أن أفعله وأسلكه. وأنا مستند إلى دليل ودراية وحجة، ومستند إلى مشروعية مستلهمة من القرآن الكريم والسنة، ونحن بالنسبة لنا مصدر معرفتنا لسلوكنا القرآن الكريم والسنة الشريفة، والقرآن الكريم يحوي أيضاً خلاصة ما جاء في الكتب السماوية الأخرى: من توراة وانجيل وزبور وصحف إبراهيم. فهذا الاحتفال نحن نشجع عليه، مادام هذا الاحتفال يصبُّ في مصبِّ العلم والمعرفة والسلوك الحسن.

التلفزيون السوري: نتعرف بداية ثم نسلك، لا أن نسلك من دون أن نتعرف، ولا أن نتعرف دون أن نسلك، بل علينا أن نربط، كما ذكرتم سماحة الشيخ، أن نربط بين المعرفة والسلوكية، حتى نسلك السلوك الصحيح، وكما ذكرتم أيضاً هناك دور لعلماء الدين وخطباء المساجد في إيصال هذه العبر والمواعظ وهذا التعرف لأخوتنا جميعاً أينما كانوا. هذا الحديث الجميل نتمنى أن لا ينتهي، ولكن وقت البرنامج المخصص أوشك على الانتهاء، كلمة أخيرة سماحة الشيخ.

الدكتور عكام: أشكركم أولاً، لأنه لا يشكر الله من لم يشكر الناس، أشكركم أنتم هنا بالذات، وجزاكم الله خيراً على هذه المتابعات للذكريات العامة والذكريات الخاصة، والمتابعات الحثيثة الجيدة الواعية لما يحدث في الوطن الغالي وتغطيته، وأسأل الله أن يعطيكم الثواب والأجر على هذا، ثم أتمنى من أمتي العربية والإسلامية، وبداية من أهل حلب الكرام باعتبارنا نتوجه إليهم. نتمنى أن يكونوا على مستوى هذه المعجزة، وأن يكونوا على مستوى إسلامهم وعروبتهم، ومستوى إسلامهم وعروبتهم الواعي هو أن يكونوا حماة لهذا البلد من كل مكروه، وأن يقوموا على نظافته وطهارته ورعايته وإتقان أعمالهم فيه، وأن يتحلَّوا بصفة الوفاء وصفة الأمانة، وهذا يمكن أن يقوموا به فعلاً. لأن شعب حلب في النهاية شعب طيب فعلاً وفطري، وينطوي على خير كثير، لكن علينا أن نحرِّض هذا الخير الذي عنده، وأن نحرِّك هذا المكنون الداخلي الذي عنده.

وأسأل الله عز وجل أن يحفظ بلادنا من كل مكروه، وأن يرعانا جميعاً، وأن يجعلنا إخوة متعاونين متضامنين متباذلين، وأن يوفقنا لكل خير.

التلفزيون السوري: إن شاء الله. سماحة الدكتور الشيخ محمود عكّام مفتي حلب ومستشار وزير الأوقاف: كل الشكر لك وجزاك الله خيراً عن كل ما حدثتنا به في هذا اليوم.

أجرى اللقاء: فؤاد أزمرلي

التعليقات

شاركنا بتعليق