آخر تحديث: الثلاثاء 23 إبريل 2024
عكام


خطبة الجمعة

   
من دلالات ليلة القدر

من دلالات ليلة القدر

تاريخ الإضافة: 2007/10/05 | عدد المشاهدات: 3196

أما بعد، فيا أيها الإخوة المسلمون:

ها نحن أولاء في رحاب العشر الأواخر من رمضان، في رحاب ليلة القدر، فالتمسوها كما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الوتر من العشر الأواخر من رمضان. ربما قال من قال منكم: ولمَ ليلة القدر، وما المراد بها، ولماذا هذا الحديث الطويل عنها إن في القرآن الكريم أو في السنة الشريفة أو في الآثار والأخبار ؟

الإنسان يُقاس عمره بالسنوات، فأنت ومنذ أن خلق الله الخلق يُقاس عمرك بالسنين، فيقال أنت الآن في سن، والسن مأخوذ من السنة، أنت في الأربعين... المهم أن عُمرك يقاس بالسنوات، والسنة هي المفردة التي تنظر إليها على أنها المسافة الزمنية الأهمّ، فكل سنة مرحلة هامة جداً. ألا ترى أن المدرسة اليوم تُعتبر بالسنة، فأنت تنتقل من صفٍ إلى صف عبر سنة، ألا ترى إلى أن المحاسبة والتجارة تكون عبر السنة، فأنت في كل سنة تخرج ميزانيتك وتعيد النظر في عملك، ألا ترى أن هذه المسافة الزمنية لها أهميتها واعتبارها ومكانتها وعدها في حياتنا.

إذا كانت السنة مسافة الزمنية معتبرة، وإذا كان عمرك يقاس بالسّنوات، فإني أقول لك: ما دمت تحاسب نفسك مادياً كل سنة، وما دمت ترتقي من صف إلى صف كل سنة، وما دمت حينما تُوظَّف أو يصدر مرسوم من أجلك تحدد المدة بالسنة، وما دام التقويم يكون كل سنة، فلا تستغرب إذا كانت ليلة القدر تأتي كل سنة، لأنها تأتيك في كل مسافة زمنية معتبرة.

يُراد من ليلة القدر كما أنك تحاسب نفسك مادياً في كل سنة، وما دمت تنظر إلى نفسك إذا ما كنت طالباً أو مُدرِّساً أو عاملاً تقيِّم نفسك كل سنة، فليلة القدر جاءت من أجل أن محاسبة معنوية كل سنة، وإن ليلة القدر جاءت فيصلاً لترى فيما إذا ارتقيتَ من صفٍّ إلى صف أعلى على مستوى الروح والعقل والتفكير كل سنة. في هذه الليلة ليلة الحساب بينك وبين نفسك، في هذه الليلة ليلة الامتحان بينك وبين نفسك، أريدك أن تكون بينك وبين نفسك، قد تكون في المسجد لكنني أريدك أن تخلو بنفسك لتحاسب نفسك، لترى صادرّك وواردَك المعنوي، ماذا فعلت من حسنات، وماذا فعلت من سيئات، احسب الصادر والوارد في حياتك المعنوية العقلية الفكرية في هذه الليلة، لأن ليلة القدر من دلالاتها أنها ليلة القدر، يعني ليلة الحساب، ليلة التقدير، عليك أن تُقدِّر في هذه الليلة مسيرتك، هل كانت هذه المسيرة في هذه السنة مسيرة طيبة. وجاءت ليلة القدر في رمضان في الشهر التاسع من أجل التدارك لبقية السنة، لعلك قصَّرت، لم تكن ليلة القدر في الشهر الأخير من السنة وإنما كانت في الشهر التاسع من أجل أن تتدارك، حتى إذا ما جاءت السنة الهجرية الجديدة التي اعتمدناها نحن في مسيرتنا، وبقي بعد ليلة القدر ثلاثة أشهر فعليك إن كنت في ليلة القدر قد قدَّرت بأنك مقصِّر فلتتدارك في هذه الليلة وفي الأيام التي ستأتي بعدها إلى آخر السنة، وإن لم تكن مقصِّراً ولكنك بحاجة إلى أن تزداد فما عليك إلا أن تزداد في سائر ما بقي في ليلة القدر بعد الشهر التاسع.

كما أن ليلة القدر في الثلث الأخير من رمضان، فإن رمضان في الثلث الأخير من السنة، وكما أن الثلث الأخير من الليل هو الثلث الأهم بالنسبة لليل، انظروا إلى ليلةٍ في وقت هام، في شهر من وقت هام من علاقة مع الله في حالة هامة، لأنك تكون من الصائمين ومن القائمين.

قَدِّر في هذه الليلة تقديراً، وأريدك أن تكون محاسباً نفسك، وأريدك في هذه الليلة أن تخلو بينك وبين نفسك، انظر صادراتك ووارداتك، انظر ما عملته وما أردت أن تعمله، انظر ما قلته وما أردتَ أن تقوله، وأريدك أن تركز على أمور ثلاثة: 

الأمر الأول: في هذه الليلة نزل المنهاج من الله عز وجل فركّز على على علاقتك مع المنهاج مع القرآن الكريم، هذه الليلة، ليلة التشريف، لأن الإنسان الذي يحاسب نفسه فهو يشِّرف نفسه، ونفسه تَشرُف بالمحاسبة، والإنسان الذي لا يحاسب نفسه ويهمل نفسه إنسان لا يشرِّف نفسه، إنسان منعتق من المسؤولية، والإنسان الذي يسأل نفسه إنسان شريف، لأن الشرف يقتضي التساؤل بينك وبين نفسك فيما إذا كنت على الخطّ القويم أو لا، هذه الليلة هي ليلة المنهاج، ليلة القرآن، فانظر علاقتك بالقرآن: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ القرآن بالنسبة لنا هو عقد نُجريه مع ربنا عز وجل، القرآن هو ورقة العقد مع الله، فانظر علاقتك مع المنهاج، فاقرأه وحاول أن تتمعن وأنت تقرأه لأنك ستوقِّع على هذا العقد ولا أريدك وأنت توقع أن تكون غير مبالٍ، ولا أريدك وأنت توقع على هذا العقد وأنت غير هيَّاب، ولا أريدك وأنت توقع على هذا العقد وأنت مهمل التفكير في هذا الذي تقرأه، وأنت تريد أن تعقد عليه أو تريد أن تسجل عقداً من بعد قراءته.

في هذه الليلة أريدك أن تفحص علاقتك بالمنهاج، بالقرآن، اقرأه عبر الشهر، وكن في ليلة القدر من الموقعين على العقد مع الله عز وجل، وقل يا رب ها أنذا أوقع العقد معك من أجل تنفيذ مضمون العقد. ما مضمون العقد ؟ مضمون العقد القرآن الكريم، وقِّع وقل آمنت بما أنزلت يا رب، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، آمنت بهذا الكتاب كتاباً من عندك، اللهم إني أريد ونويت وعقدت العزم على أن يكون هذا الكتاب منهاجاً لي، على أن أقوم بتنفيذ بنود العقد التي هي القرآن الكريم، في هذه الليلة، قل هذا إن كنت مؤمناً بالقرآن وإلا فلا تقل هذا.

الأمر الثاني: هذه الليلة هي ليلة العبادة بالمعنى العام، سيدي رسول الله يقول كما في البخاري: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) أنت في هذه الليلة عليك أن تنوي بأن تعبد الله بشكل مستمر، لأن الله قال في سورة ليلة القدر: ﴿سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ فانوِ العبادة لربك بشكل مستمر وهذا يعني أمرين:

أولاً: أن تحول العادات إلى عبادات لتكون مستمراً بالعبادة، إذا نويت بالعادات، بالطعام والشراب، واللقاءات، والتزاور، نويت النية الخيرة، وأن تكون لله عز وجل فأنت في عبادة، لكن المشكلة اليوم أننا حولنا العبادات إلى عادات، نقضنا الميثاق، وكان من المفروض أن ننوي في هذه الليلة تحويل العادات إلى عبادات لنبقى في عبادة مستمرة ﴿سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ أريدك عابداً لربك في كل شؤونك، في عاداتك تنوي أن تكون العادات عوناً لك على العبادات الصرفة، وعوناً على خدمة الإنسان، وعوناً على خدمة الوطن، وعوناً على خدمة الإنسانية، فأنت في عبادة حتى لو ضحكتَ، حتى لو لهوت اللهو الحلال في المنطقة الحلال في الوقت الحلال، فأنت في عبادة مستمرة، أريدك أن تنظر إلى نفسك على أنك عابد مستمر مفتوح مجال العبادة حتى مطلع الفجر، حتى نهاية العمر، فهل أنت ناوٍ على هذا في ليلة القدر ؟ أم أنك تحول العبادة إلى عادة، وتناقض الذي يجب أن تكون عليه. أيها التلميذ عندما تدرس فبإمكانك أن تحول دراستك إلى عبادة، أنت أيها التاجر حول بنية صالحة طيبة تجارتك إلى عبادة...

ثانياً: من أجل أن تكون في عبادة مستمرة أريدك أن تسأل ربك عز وجل القبول، العبادة لا تكفي، ولكن يجب أن يسأل العبد ربه قبولاً، قل ربِّ تقبل مني، أريدك منكسراً بعد العبادة، ولا أريدك أن تغترَّ بالعبادة، فمهما عبدت الله فإنك مقصر لأنه (لا يُدخل أحدكم الجنة عمله) هكذا قال سيدي رسول الله (قالوا: ولا أنت يا رسول الله ! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة) سل ربك القبول بعد الدراسة التي هي عبادة، وبعد الصلاة، وبعد الصيام، سل ربك القبول لأن ربنا يحب منا فيما إذا عملنا عملاً أو قلنا قولاً أن نسأله القبول بعد العمل والقول، ولا يريد منا أن نعتمد على عباداتنا، أو أن نعتمد على ما نفعله بنية حسنة وسعيٍ لإصابة الشريعة، ولكن يحبنا إذا قلنا بعد العبادة بالمعنى العام تقبل منا يا رب، يا صاحب القبول، تقبل عباداتنا، اللهم إنا نريدك أن تتقبل منا صلاتنا وصيامنا ودعاءنا، اللهم اجعلنا من عتقائك من النار، أكثر من دعاء ربك القبول أيها الإنسان العابد.

الأمر الثالث: أنت في ليلة القدر مع الخلل، يصيبك مَلَل، أليس كذلك ؟ حتى ولو عزمت ونويت، وقد فُطر الإنسان على الخطأ والخلل، كل ابن آدم خطاء، ولكن عليك أن تقف مع الخلل وقفة التائب، تعلَّم في ليلة القدر إن أصابك خَلل، وسيصيبك خلل ألا تدعه يمرّ، ولكن واجه هذا الخلل بتوبة، كلنا خطّاؤون ولكن كما قال سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما في الترمذي: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن) سيصيبك خطأ وخلل وخَطَل فكيف تواجهه ؟ بتوبة صادقة: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ بتوبة سريعة جداً، وبهذا تكون قد حافظت على علاقة طيبة مع القرآن، ومع توبة مستمرة، لأن التوبة عبادة، لو لم تخطئوا لذهب الله بكم وأتى بأناس يخطؤون ويستغفرون ويغفر لهم، هل تستغفر ربك حينما تخطئ ؟ حينما تنظر نظرة حرام، هل تستغفر ربك مباشرة أم أنك تسدر في ظلام معصيتك وإثمك وذنبك، أريدك تائباً، السيدة عائشة رضي الله عنها قالت عن هذه الليلة يا رسول الله إن علمت أي ليلة ليلة القدر فماذا أقول ؟ علمها كلمة التوبة قال قولي: (اللهم إنك عفوٌ تحب العفو فاعف عني) أريدكم تائبين.

خلاصة الأمر في ليلة القدر قفوا بينكم وبين أنفسكم، إن كان ذلك سيكون أقوى في البيت فكونوا في البيت، إن كان ذلك سيكون أقوى في المسجد فكونوا في المسجد، المهم أن تقفوا مع أنفسكم هذه الوقفات النوعية مع المنهاج، من أجل أن توقعوا العقد مع الله عز وجل، مع العبادة المستمرة من أجل أن تعزموا على عبادة مستمرة مع الخطأ والذنب حتى تواجهوه بالتوبة، وإلا ليلة القدر ليست بليلة القدر بالنسبة لنا.

يا أمتي، تمر الأمة بأيام عصيبة شئنا أم أبينا، ولا يمكن أن نردّ هذه الأيام العصيبة إلا إذا كنا على مستوى ليلة القدر، على مستوى ما أُنزل في ليلة القدر، على مستوى العبادة بمعناها العام، من حيث كون التآخي عبادة، والتضامن عبادة، والتناصح عبادة، والتناصر عبادة، ومحبتك الآخرين عبادة، ورعايتك وطنك عبادة، ورعايتك البلد الذي تعيش فيه وتفانيك في خدمته عبادة. وسِّع دائرة العبادة وانوِ ذلك في ليلة القدر، وكل ليالي العشر الأواخر ربما كانت ليلة القدر، أريدك أن تفكر في القرآن منهاجاً لتوقع عليه، وبالعبادة المستمرة الواسعة حتى تكون عابداً مستمراً، وبالخطأ والذنب الذي يصيبك ويصيبنا من أجل أن تواجهه بالتوبة، يا من أجرمت فارتكبت زنى أو فاحشة أو كذباً أو... هيا إلى التوبة، فباب التوبة مفتوح ولا سيما في رمضان، ولا سيما في العشر الأواخر من رمضان، ولا سيما في ليلة القدر، فالله عز وجل ينادي في كل سحر، وفي سحر الأيام الأخيرة من رمضان الأمر آكد: هل من مستغفرٍ فأغفر له، هل من مسترزقٍ فأرزقه، هل من تائبٍ فأتوب عليه، هل من كذا هل من كذا حتى يطلع الفجر.

اللهم اجعلنا من التوابين، واجعلنا من المتطهرين، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم بسرِّ ليلة القدر، وبسر شهر رمضان، وبسر أهل السر، أسألك أن تحمي بلادنا، وأن تخلص بلادنا من محتل آثم لا يريد للإنسانية إلا السوء، اللهم إني أسألك لبيت المقدس التحرير، وأسألك للعراق الوحدة، وأسألك لسورية الحماية، وأسألك لكل البلدان العربية والإسلامية لشعوبها وحكوماتها أن تردَّها إلى دينك رداً جميلاً، وأن تحفظ دماءها فيما بينها، أسألك بسر ليلة القدر أن توحد كلمة المسلمين، أن تجمع شملهم، أن تجعلهم كالرجل الواحد إذا اشتكت عينه اشتكى كله، وإذا اشتكى رأسه اشتكى كله، أسألك بسر هذه الليلة المباركة أن تجمعنا على ما يرضيك، وأن تحول بيننا وبين معاصيك، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ: 5/10/2007

التعليقات

شاركنا بتعليق