آخر تحديث: الجمعة 19 إبريل 2024
عكام


خطبة الجمعة

   
ضرورة التعرف على موضوعات القرآن الكريم

ضرورة التعرف على موضوعات القرآن الكريم

تاريخ الإضافة: 2007/11/02 | عدد المشاهدات: 2927

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون الساعون إلى إرضاء ربكم:

عبر إذاعة غير عربية سألني شاب يعيش في بلد غير إسلامي قال لي: أسمعك كثيراً من خلال قراءتي للخطب تدعو إلى الالتزام بالقرآن وتدعو إلى القرآن الكريم كتاباً يلتزمه الشباب، وتخص الشباب بالذكر بشكل عام، ما الذي تريده من القرآن الكريم أن يفعل فينا، وأريد الجواب باختصار ؟ وما النتائج التي ترجوها لنتحقق بها من خلال تنفيذ ما تدعونا إليه من التزام وقراءة وتلاوة وتدبر للقرآن الكريم ؟

قلت لهذا الإنسان الشاب السائل: أخي الكريم، إن ما أريده أن يفعل فيكم القرآن الكريم وما أريده منكم أن تستجيبوا وأن تتحققوا بالنتائج هو:

أولاً اعلم أن القرآن الكريم يمحو الجهل فيما إذا التزمته، يمحو كل أنواع الجهل، يمحو الجهل اللساني، ويمحو الجهل القلبي، ويمحو الجهل العقلي، إذا ما التزمته فإنك ستنتقل من الظلام إلى النور، ومن الجهل إلى العلم، ومن الضياع في عالم اللامعرفة إلى أن تجد نفسك في عالم المعرفة. ألخص فأقول: أريدك أن تمحو بالقرآن الكريم جهلك، لأن القرآن الكريم قبلاً وبعداً كتاب علم يرفع عنك وعن أبعاضك الجهل الذي إن بقي واستمر فلن يكون الإنسان الجاهل إنساناً، وإنما الإنسان الجاهل هو ذاك الذي عبَّر عنه القرآن الكريم ذاته: ﴿ثم رددناه أسفل سافلين، وعبر عنه القرآن الكريم ذاته عندما قال: ﴿إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل.

الأمر الثاني: القرآن الكريم يعصمك من المجون والتسيب، من اللاأخلاق، يعصمك من الفساد والإفساد، يعصمك من الضياع السلوكي الذي يعيشه أغلب شبابنا اليوم، قل بينك وبين نفسك: سآوي إلى قرآن ربي يعصمني من الفساد، يعصمني من المجون، يعصمني من التسيب، يعصمني من هذا الذي أصاب شبابنا وشاباتنا، أصاب رجالنا ونساءنا، يعصمني من هذا السوء الذي خيَّم على مجتمعنا وقطاعاته، خيَّم على الجامعة والمدرسة، وعلى المديرية والدائرة، وعلى الوزارة والهيئة، يعصمني من كل هذا الذي أضحى سيلاً قوياً يجتاحنا، فخرَّب فينا كل شيء جميل، وخرب فينا كل شيء طاهر، وخرب فينا كل شيء نظيف، وخرب فينا كل شيءٍ صالح، القرآن الكريم ينقلك من الجهل إلى العلم، ويعصمك من نفسك التي تأمر بالسوء، يعصمك من الأخلاق الفاسدة، يعصمك مما يؤذي جسمك وعقلك وفكرك وروحك، يعصمك من كل ما يؤذي مجتمعك وحياتك وحيك وبلدك وقطرك وإنسانيتك، وأريدك أيها الأخ السائل أن تعود لتقرأ القرآن الكريم وأن تتفهم موضوعاته، وهاأنذا أعرض عليك من باب الذكرى ومن باب التلخيص، أعرض عليك موضوعات القرآن الكريم فستجد في هذه الموضوعات فعلاً ما يعصمك عن السوء والفساد، وما ينقلك من الجهل إلى العلم، فالقرآن الكريم موضوعاته:

أولاً: الإيمان والعقيدة، أركان الإيمان، ستجد في القرآن الكريم ما يجب أن تعتقد به، وستجد في القرآن الكريم أركان الإيمان مبثوثة، ولا أريد أن أسرد أركان الإيمان عليك لأنني اليوم أريد أن أحكي لك الموضوعات، ولا أريد التفصيل في هذه الموضوعات، وسأترك التفصيل لك من أجل أن تعود إلى القرآن الكريم لتصنف الآيات التي تقرؤها حسب الموضوعات التي سأذكرها.

فالموضوع الأول العقيدة، فالقرآن تحدث عن الإيمان بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر، إلى آخر ما يمكن أن يُعد من مضمار وميدان العقيدة.

الموضوع الثاني: القرآن الكريم تناول العبادات، تناول الصلاة والصيام والزكاة والحج، فارجع إلى القرآن الكريم لترى التفصيل فيما يتعلق بهذه العبادات.

القرآن الكريم ثالثاً تحدث عن المعاملات المالية والإدارية من حيث إجمالها، من حيث ثوابتها، ربي عز وجل قال على سبيل المثال: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا وقال: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارةً عن تراضٍ منكم فالمعاملات المالية والإدارية مبثوثة في القرآن الكريم بإجمالها ودستوريتها، فارجع إليها من أجل أن تصنف الأحكام المتعلقة بذلك حتى تضعها تحت هذا الموضوع، وبالتالي فستكون عالماً وعارفاً بهذا الذي يلزمك في معاملاتك المالية والإدارية، وإلا ستبقى جاهلاً بما يريده الله منك في هذا الميدان الذي تحدثنا عنه.

الموضوع الرابع للقرآن الكريم الأسرة وأحكامها، تحدث القرآن الكريم عن الزواج والطلاق، عن الوصية والميراث، فارجع إلى آيات القرآن الكريم من أجل أن تتعرف على ما أراده الله عز وجل منك فيما يتعلق بالزواج وعلاقة الزوج بزوجته، وعلاقة الزوجة بزوجها، وعلاقة الأولاد بوالدهم ووالدتهم، وعلاقة الأب والأم بأولادهم، ارجع إلى القرآن الكريم فستلقى دستوراً فيما يخص الأسرة والعلاقة بين أفرادها.

الموضوع الخامس من موضوعات القرآن الكريم الأخلاق، تحدث القرآن الكريم عن الكريم، عن الأمانة، عن الصدق، عن الوفاء، عن العدل، عن كل هاتيك الأخلاق التي يطلبها الناس من خلال فطرتهم، وعبر صبغتهم الإيمانية والإنسانية، إن الإنسان ليطلب أينما كان العدل والوفاء والصدق، وهذا ما حضّ عليه القرآن الكريم واعتبره موضوعاً أساساً أو أساسياً من موضوعاته الهامة التي شكلت هذا الكتاب الكريم.

أما سادساً: فستجد في القرآن الكريم العقوبات والحدود، فقد رتب القرآن الكريم عقوبات وحدوداً على كل فعلة تسمى جريمة، على كل فعلة تنتهك طهر المجتمع، وتنتهك قداسة الإنسان، وتنتهك هذا التكريم الذي ألقاه الله عز وجل وشاحاً على الإنسانية وهو يريدها أن تكون بمجموعها خليفة له على وجه هذه البسيطة، فالقرآن الكريم ذكر العقوبات والحدود، ذكر عقوبة الزنا وعقوبة السرقة وعقوبة القتل وعقوبة... فارجع إلى القرآن الكريم، وكلما مررت بآية ترتب عقوبة على فعلة ما، على فعلةٍ مجرمة أو على جريمة فصنفها تحت هذا العنوان وبذلك تنتقل فيما يخص الجهل بهذه الأشياء إلى عالَم العلم والمعرفة فيما يخص هذه الأمور.

أما الموضوع السابع في القرآن الكريم فهو القصص والتاريخ، ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص، ﴿نحن نقص عليك نبأهم بالحق ذكر القرآن الكريم تأريخ الإنسان منذ البداية وحتى مجيء الرسالة وإلى أن تقوم الساعة وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ذكر الله قصص الأنبياء، وقصص أولئك الطواغيت، ذكر هذه القصص من أجل عبرة نستخلصها ومن أجل عظة ننادي من خلالها الناس حتى يتعظوا ويعيشوا عيشاً فيه مقايسة على ما مضى بما حضر، يقيسون الحاضر على الماضي، وما وقع بأهل الماضي سيقع بأهل الحاضر تلك سنة الله في خلقه.

ثامناً: مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن ومجادلة المشركين ونقاشهم والحوار معهم، فيما يتعلق بضرورة إقناعهم بهذا الدين الحنيف، وبضرورة الإيمان بالله رباً يُعبد من دون الآلهة الأخرى التي لا تمتّ إلى حقيقة الألوهية بصلة، فالقرآن الكريم فيه موضوع مجادلة أهل الكتاب ومناقشة الكفار والمشركين: ﴿ضُرِبَ مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وقال في آياتٍ أُخَر: ﴿وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه، ﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله. اقرأ في القرآن الكريم آيات تتعلق بهذا الموضوع وصنفها حتى تكون عالماً بالقصص والتاريخ ومجادلة أهل الكتاب ومناقشة المشركين، لأن القرآن الكريم ناقش وجادل بالتي هي أحسن، وأرادك مجادلاً بالتي هي أحسن، ومحاوراً بالتي هي أفضل حتى تظهر على أولئك ليس بالسيف ولا بالقوة المادية، وإنما يريدك القرآن الكريم ظاهراً بالحجة والبرهان ظهور رحمة وعطاء، ظهور نفع وخير لهذه الإنسانية، ولا نريد الظهور من أجل الاستعلاء والاستكبار فذاك الظهور ظهورٌ ماديٌّ مرفوض، لأن الأمة الإسلامية مدعوة إلى أن تظهر من خلال الرحمة والعطاء والرفق والخير وتقديم ما ينفع الناس.

أما الموضوع التاسع، فالدعوة والجهاد، وقد تحدث القرآن الكريم ملياً عن الدعوة والجهاد: ﴿ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، ﴿ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وتحدث القرآن الكريم عن الجهاد والقتال، وعن الجهاد باللسان وعن الجهاد بالقرآن، وعن الجهاد بالمال، فارجع إلى القرآن الكريم لتحصد آياتٍ تتحدث عن هذا المجال صنفها حتى تكون على بينة من أمرك فيما يريده الله منك فيما يخص هذا الشأن.

أما الموضوع العاشر فقد تحدث القرآن الكريم عن الكون وخلقه ونظامه، تحدث عن الكون، ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت. وإلى السماء كيف رفعت. وإلى الجبال كيف نصبت. وإلى الأرض كيف سطحت اقرأ: ﴿فلينظر الإنسان مما خلق. خلق من ماء دافق تحدث القرآن الكريم عن هذا الكون ونظامه: ﴿وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون. والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم إلى آخر ما يمكن أن تجمعه من آيات تخص هذا المقام.

أما الموضوع الحادي عشر فالقرآن الكريم تحدث عن الآخرة وأهوالها وأحوالها ومقدماتها، والآيات كثيرة: ﴿عمَّ يتساءلون. عن النبأ العظيم. الذي هم فيه مختلفون. كلا سيعلمون. ثم كلا سيعلمون، ﴿فإذا جاءت الطامّة الكبرى. يوم يتذكر الإنسان ما سعى. وبرزت الجحيم لمن يرى اقرأ آيات كثيرة في هذا الميدان فإنك ستصل إلى حقائق إن تمتعت بها انتقلت من عالم الجهل إلى عالم العلم فيما يخص موضوع الآخرة.

أما الموضوع الثاني عشر: فالإنسان. وما أدراك ما الإنسان، تحدث القرآن الكريم عنه ملياً ﴿إني خالق بشراً من طين. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين، ﴿هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً. إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً اقرأ آيات تتحدث عن الإنسان جسماً، وعن الإنسان عقلاً، وعن الإنسان فكراً، وعن الإنسان روحاً، وعن الإنسان معنى، حتى تُلمّ بذاتك أنت أيها الإنسان، أنت جاهل بنفسك إن عزلت نفسك عن القرآن الكريم وعزلت القرآن الكريم عنك، أنت جاهل بأحوالك، بشؤونك، بكل ما يشكل ذاتك ووجودك المادي والمعنوي، إن انعزلت عن القرآن الكريم، لأنني قلت أكثر من مرة بأن القرآن الكريم جاء للإنسان توصيفاً وتوظيفاً، فوصف الإنسان ووظفه ووضع له غايته، وبالتالي هذا يشكل موضوعاً كبيراً من موضوعات القرآن الكريم.

الموضوع الثالث عشر الدعاء، اقرأ آياتٍ من القرآن الكريم، وادعُ بها ربك: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وما أجمل الدعاء يربطك بربك، يربط النسبيَّ بالمطلق، ويربط الضعيف بالقوي، يربط العاجز بالقادر، يربط العبد المحتاج بالله، يربطك أنت في حال اضطرارك بالذي يلبيك والذي يسمعك والذي لا يعجزه أن يلبي لك كل مطالبك، (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيدٍ واحد وسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي).

أيها الإنسان في القرآن الكريم دعاء وما أحوجنا وما أشدَّ حاجتنا إلى الدعاء، فنحن نحتاج إلى أن ندعو فأنت تدعو أخاك وتدعو أباك وتدعو إنساناً مسؤولاً، وهذا من حقك فلمَ لا تدع ربك وقد أمرك ربك بذلك ودعاك ربك إلى أن تدعوه: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين .

ادعُ ربك صباحاً مساءً، إن استيقظت فادع ربك، وإن أويت إلى فراشك فادع ربك، وإن تناولت طعامك فادع ربك، وإن ذهبت إلى عملك فادع ربك، قل: ربِّ أعطني خيراً وامنحني خيراً، ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ادعُ ربك بآيات من القرآن الكريم تبتدئ بـ: يا ربنا، ويا الله، واللهم... أريدك أن تقرأ الآيات المتعلقة بالدعاء وأن تجعلها وِرداً، وقد لا يكون الورد يومياً لأنني أعلم بأننا نعيش حالة من الضعف والاستكانة والانهزام، ولكن لا أقلَّ من أن تدعو ربك بكلماته وآياته في كل أسبوع، على الأقل في كل شهر، ولكن هذا الدعاء الذي تدعو به ربك أريدك أن تكون حاضر العقل والتفكير معه، أريدك أن تستحضر هيبة ربك، أريدك أن تستحضر عطاء ربك، أريدك أن تستحضر رحمة ربك، أريد أن تستحضر حاجتك وفاقتك إلى ربك، أريدك أن تستحضر ضعفك أمام ربك، أريد أن تستحضر تلك الحالة التي تؤول إليها إن كنت بعيداً عن ربك، وتلك الحالة التي ستؤول إليها إن كنت قريباً مع ربك، فإن كنت بعيداً عن ربك فليس لك قيمة: "ماذا وجد من فقدك" وإن كنت قريباً من ربك فلنعم الإنسان الكبير القوي أنت: "وماذا فقد من وجدك"، (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها).

وخُتمَ الحديث بيني وبين ذاك الشاب بكلام أقل من هذا الذي قلته لكم، وقد قلت لكم أكثر مما قلته من حيث التفصيل، خُتم الحديث بيني وبينه مُعاهداً أن يغدوَ إلى القرآن الكريم من أجل أن يقرأه، في كل يوم يريد أن يخصص جزءاً أو بعضاً من الوقت لقراءة آيات من القرآن الكريم، عاهد ربه من أجل أن يتعرف على القرآن الكريم وعلى موضوعاته.

في النهاية، أقول لكم أنتم: هل تعاهدون ربكم من أجل تعرف موضوعي صادق على كتاب ربكم لأنكم جميعاً معنيون بالإجابة على مثل هذا السؤال، فمن قال لكم: ما القرآن الكريم الذي تقرؤونه والذي نسمعه من المحطات الفضائية والذي نسمعه منكم ومن شيوخكم، هل تستطيعون أن تقدموا لنا تلخيصاً عن موضوعاته ؟

أريدكم أن تقرؤوا القرآن الكريم بنية التعرف على موضوعاته وبنية استحضار هذه الموضوعات، لأنكم مسلمون تؤمنون بالكتاب الكريم كتاباً من عند الله يهدي للتي هي أقوم.

اللهم إنا نسألك أن تجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا وغمومنا يا رب العالمين. نعم من يسأل أنت، ونعم النصير أنت، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ: 2/11/2007

التعليقات

شاركنا بتعليق