آخر تحديث: الأربعاء 10 يوليو 2024
عكام


خطبة الجمعة

   
الاقتصاد في الإسلام

الاقتصاد في الإسلام

تاريخ الإضافة: 2007/11/16 | عدد المشاهدات: 3050

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

المال قضية اجتماعية إنسانية أساسية، وتعامل الإنسان مع المال تعامل أساسي فطري لا بدَّ منه، فالعيش إذ يُطلَقْ فركنه المال، ﴿وإنه لحب الخير لشديد﴾. وقد قال المفسرون بأن الخير هنا هو المال، وكلّ المعاملات والتعاملات المتعلقة بالمال أصبحت اليوم علماً مستقلاً وقائماً بذاته، هذا العلم الذي يُنظِّم قواعد التعامل مع المال يسمى اليوم علم الاقتصاد، هذا بشكل مبسَّط ومختصر.

سُئلت الأحد الفائت وقد كنت في ندوةٍ حول المصارف الإسلامية، سئلت عن الاقتصاد في الإسلام، عن قواعد التعامل مع المال في الإسلام، فقلت للسائل: قواعد التعامل مع المال في الإسلام قواعد إنسانية، لأنها جاءت لنفع الإنسان عندما يكون فرداً، وعندما يكون أسرة، وعندما يكون مجتمعاً، وعندما يكون دولة. وقلت للسائل متابعاً سأختصر عليك، وأقول بكل بساطة: إن قواعد الإسلام التي تضبط التعامل مع المال تقوم على ركنين أساسيين، أرجو من موظفينا ومن تجارنا ومن كل أولئك الذين يتعاملون مع المال أن يأخذوا هذين الركنين الأساسين بالحسبان، أرجو من كل أفراد المجتمع، وكل أفراد المجتمع يتعاملون مع المال رجالاً ونساءً، أطفالاً وكباراً، مسؤولين ومسؤلاً عنهم، أتريد أن تعرف هذين الركنين، أتريد أن تعرف القاعدتين الكبيرتين اللتين تحكمان تعاملك مع المال ؟ إنهما بكل بساطة:

اجتناب الحرام في الكسب، وفعل ما أُمرتَ أن تفعله في الإنفاق.

بعبارةٍ أخرى: كن متحرياً للحلال في كسبك، وأدِّ ما وجب عليك أن تؤديه في إنفاقك. ولو أن كل الذين يتعاملون في المال قاموا بهذين الأمرين البسيطين في فهمهما والبسيطين في إمكانية تطبيقهما، فلن يكون هنالك فقر، ولن يكون استهلاك فظيع يؤدي إلى تضييع وضياع، ولن يكون هنالك تضخم ولن يكون هنالك شُقة بعيدة المدى بين أفراد المجتمع، لن يكون هنالك هذا الذي نراه اليوم من طغيان من قِبل أشخاص على حساب أشخاص آخرين.

الفارق بين الإنسان والإنسان في مجتمعاتنا اتسع، والخَرق اتسع على الراقع، وما عاد الأمر أمر فروق هي بين الغني والفقير، بل أضحت الفروق فروقاً فظيعة كبيرة عظيمة بين إنسان وإنسان حتى ولو كان هذان الإنسانان أخوين. سترى أخوين أحدهما غني إلى حدّ التخمة والآخر فقير إلى حد الحاجة والضرورة، وهذا نتيجة طبيعية لعدم تطبيقنا القاعدتين اللتين ذكرتهما.

ثقوا بما أقوله لكم، وتخيلوا هذا الذي أقوله لكم: لو أن مجتمعنا الآن، ولو أن المتعاملين مع المال فيما يخص الكسب، اجتنبوا الحرام، والغش، والربا، والربحَ الفاحش، والاحتكار، والاستغلال، والكذب، والادّعاء الذي لا يمتُّ إلى الواقع بصلة، لو أن هؤلاء المتعاملين بالمال اجتنبوا كل هذه الرذائل المحرَّمة، ولو أن هؤلاء المتعاملين بالمال أدّوا النفقات المتوجبة عليهم من زكاة أولاً، بشكل دقيق محسوب فيما يخص المال، بالمئة اثنان ونصف، فيما يخص الغنم، فيما يخص الإبل، فيما يخص الزروع والثمار، فيما يخصّ كل أنواع الممتلكات وأصنافها التي نتعامل معها، لو أن الإنسان اجتنب المحرمات في كسبه وقام بتأدية ما وجب عليه من إنفاقات بدءاً من الزكاة وانتهاءً بما يجب أن ينفقه على من أوجب الله نفقته عليه من زوجة وولد وقريب وصديق وجار وسائل... إلخ، لو أن الإنسان في مجتمعنا قام بذلك، ما أعتقد أنه سيكون هنالك فقر أو حاجة أو هذا الذي ذكرته من عيوب تمسّ المجتمع فيما يخص الاقتصاد. رجعت إلى الأحاديث النبوية الشريفة المتحدثة عن ذلك فوجدت دليلاً على هذا الذي قلت حديثاً تعرفونه، رواه الترمذي بسند حسن صحيح، ورواه غيره. يقول عليه الصلاة والسلام: (لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع) وكلمة عن أربع زيادة الترمذي، وهنالك رواية بعدم الزيادة (عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعما عمل فيما علم) وفي رواية (وعن علمه ما عمل فيه) وموطن الشاهد وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه. أنت يا من تملك مئة ليرة سورية وألف ليرة سورية ويا من تملك مليون ليرة سورية ومليار ليرة سورية أو بالعملات الأخرى من أين اكتسبت مالك ؟ حدثني عن مصدر كسبك هذا المال الذي بين يديك قرشاً قرشاً، لأنك ستُسأل عن كسبه، كيف اكتسبته قرشاً قرشاً، وسنتيماً سنتيماً، وفلساً فلساً. حدثني عن كسبه، وأنا أريد منك أن تحدِّث نفسك، بينك وبين نفسك، عن هذا المال حتى ولو كان قليلاً، حتى ولو كان خمس ليرات، هل كان هنالك شيء من الحرام في الكسب لامس وخالط هذا الكسب ؟ هل كان هنالك أمر محظور اكتنف هذا الكسب ؟ هل اشتغلتَ بالربا ؟ هل اشتغلتَ بالظلم ؟ هل اشتغلتَ بالاحتكار ؟ هل اشتغلتَ بالغش ؟ هل اشتغلتَ بالربح الفاحش ؟ هل اشتغلتَ بالاستغلال ؟ أنت أدرى بنفسك، ولا تقولنَّ بأنني لا أعرف فيما إذا كان هذا الأمر استغلالاً أو لا، لا تقل هذا، ولا ترني احتجاجك الذي يدلُّ على غبائك، فأنت لست غبياً، وأنت تعلم لأن سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام قال: (استفتِ قلبك، وإن أفتوك وأفتوك)، (البر ما أطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في نفسك، وتردد في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس، استفتِ قلبك وإن أفتوك وأفتوك) أنت تعلم، وأريدك أن تُطبِّق علمك على نفسك فيما يخص كسبك المال، مستندي هذا الحديث الذي ذكرته، وهنالك أحاديث أخرى من جملتها قول النبي عليه الصلاة والسلام كما في الطبراني، والحديث حسن: (طلب الحلال واجب على كل مسلم، واجتناب الحرام واجب على كل مسلم).

دعونا الآن نتحدث في مثل هذه الخطب عن أنفسنا، وكفانا أن نتحدث عن غيرنا وعما يحدث في العالم، وعما يحدث في أمريكا وبريطانيا، حتى وعما يحدث في أمكنةٍ قريبة منا، أتريدون أن تنشغلوا بغيركم عن أنفسكم، وأنفسنا بحاجة إلى بناء ؟ والحديث عن الآخر من دون الالتفات إلى بناء النفس المتحدثة حماقة وضياع. نحن نتحدث عن أمر أساسي إذا أردتم وصدقتم في نية التطبيق فسيعود عليكم الأمر بالنجاح في مجتمعكم ودنياكم، وبالفوز في أخراكم، وإلا فالقضية خطيرة، وأنا أعلم أن كثيراً منا يريد أن نتحدث عن أمر لا يلامسنا، يحب أن نتحدث عن كارثة وقعت في باكستان، وعن خلافٍ يجري في أفغانستان، لأن حديثنا عن هذا الأمر سيجعل منا أناساً يشغل بعضاً بسيطاً من فكره دون أن نشعر ضرورة تطبيقٍ ما في حياتنا، وحسبنا حينما نسمع حديثاً عن قضية لا تلامس أنفسنا وسلوكنا أن نقول في النهاية: (حسبنا الله ونعم الوكيل) وبذلك نُغلق هذا الملف بأكمله. أما إذا عن حُدِّثنا عن قضية تمسّ سلوكنا وحياتنا وواقعنا، ربما رفض بعض كثير منا هذا لأنه يشعر أن القضية أصبحت جِدَّة، وأصبح الأمر إدّاً، وها هو الكلام يتسلل إلى سلوكنا من أجل أن نغيِّر، والكلام قد غدا حُجة، وأصبحنا على مرآى من هذا الذي يجب أن نعمل، ومن هذا الذي يجب أن نُهمل وأن نترك. (طلب الحلال واجب على كل مسلم، واجتناب الحرام واجب على كل مسلم)، يقول عليه الصلاة والسلام كما يروي ابن خزيمة وابن حبان والسند حسن: (إذا أدّيتَ زكاة مالك، فقد قضيتَ ما عليك) والسؤال، ومن باب التناصح: هل يقوم من وجبت عليه الزكاة بدفع الزكاة وفق قوانينها الشرعية ؟ هل يدفع مُحصِياً ما يملك بشكل دقيق وموثّق ؟ وهل ينفق الطيب والأنفع للفقير ؟ أم أنه فيما يخص الزكاة يشتغل على الإجمال من حيث الحساب، ويشتغل على الإهمال من حيث نوع ما يعطي ويقدِّم ؟ فإن وجد لديه بضاعة كاسدة جعلها زكاة، وإن وجد أن زكاته ستكون كثيرة حاول أن يقلل من ممتلكاته ليقولَ عن تلك الأرض التي أعدّها للتجارة لا ليست للتجارة، بل من أجل ولدي حتى أبني عليها أرضاً ومزرعة له. يا شيخنا هل على المزرعة زكاة ؟! لا. إذاً هذه الأرض مزرعة، لأنه وجد أن الزكاة ستكون كبيرة، ولا سيولة. هكذا يقول، وهو يعلم أنه يكذب على نفسه وعلينا. (إذا أديت زكاة مالك فقد قضيتَ ما عليك) لكن السؤال: هل يؤدي من وجبت عليه الزكاة زكاته بالطرق والقوانين والضوابط والقواعد الشرعية ؟ أرجو أن يجيب كل إنسان منا نفسه بنفسه على هذا.

مشكلتنا أننا نعاني من آثار اقتصادٍ فاشل، لكننا لا نلتفت إلى الدواء. أنا لا أتحدث عن دواء تفصيلي فلست عالمَ اقتصاد ، لكنني أتحدث عن دواءٍ مُجمَل وجدته في جعبة هذا النبي عليه الصلاة والسلام، وبعد أن وجدته في جعبة القرآن الذي جاء من أجل خير الإنسان، فإما أن نكون من أولئك الذين لا يُطبقون هذين الركنين، من الذين يتساهلون في الركن الأول فيما يخص اجتناب الحرام في الكسب، فقد قال سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما في البخاري: (يأتي زمان على أمتي) وفي رواية على الناس (لا يبالي المرء بما أخذ، أمن الحلال أم من الحرام) كثير اليوم منا لا يبالي، المهم أن يأتيه المال. أمنَ الحلال أم من الحرام، الأمر سيّان. هل هذا سلوكٌ من أجل أن ننجو من تُرَّهات اقتصاد أضحينا اليوم ضحاياه، الفقراء والمحتاجون كثيرون من أقربائكم، من إخوانكم، من جيرانكم، من أبناء دينكم، من أولئك الذين تنظرون إليهم على أنهم أتقى منكم، لكنهم في حاجة، لكنهم في بؤرة الضرورة واقعون، وأنتم إليهم تنظرون ولا تتحركون، ولا تفعلون، ولا تطبقون، ولا تنفذون. نتظرون إليهم وتكتفون بقولكم: حسبنا الله ونعم الوكيل، نسأل الله ألا يبتلينا، وإن دفعتم إليهم شيئاً فإنكم أولاً، تدفعون أقلّ بكثير جداً مما وجب عليكم، وستدفعون من مالٍ هو في جله خبيث، والخبيث لا يُغني. تقول عن أخيك هذا الذي بجانبك سواء أكان الأخ في النسب والدين أو أخاً في الدين، إنه أخي. يسألك وأين تُصرف هذه الكلمة ؟ إن كنتُ محتاجاً فلا عطاء منك لي، وإن كنتُ في ضرورة فتسعفني فيما لا يمكن أن ترتفع به الضرورة فأين تُصرف هذه الكلمة ؟ تقول وتحدث الغرب والشرق عن أخوة الإسلام، وعن أخوتنا في الإيمان، وتقول لهؤلاء المسلمون إخوة، ثم يأتي هذا الذي تحدِّثه عن أخوةِ الإسلام إليك، فيسأل عن أخيك في النسب والدين، وأنت الذي تسكن في الحيّ الرفيع يسألك عن أخيك فتقول له بأنه يسكن في منطقةٍ مخالفة في بيت يتألف من غرفة أو غرفتين، يسألك عن أخيك الذي درس معك فتقول له: حسبي الله ونعم الوكيل إنه في فقرٍ مُدقِع وقد وقع فريسةَ مرضٍ خطير، ولكنه لم يستطع أن يُؤمِّن ما يدفع به هذا المرض فراحَ ميتاً. الحال قاسية، ما أكثر فلسفتنا حينما نتحدث عن الأقدار القاسية، وما أقلَّ حركتنا ونحن نسعى لنجدة إخوتنا الذين يعيشون معنا !! أوَ هذه هي الأخوة التي تقولون عنها أنها أخوة إسلامية ؟ نحن كنا نسمع عن أخوةٍ بين الصحابة الكرام، عن أخوة إيثارية، كنا نسمع ونردد يوم كنا صغاراً قولاً ينسب للإمام علي بن أبي طالب حينما كان يقول:

إن أخاك الحق من كان معك                 ومن يضرُّ نفسه لينفعك

ومن إذا ريب الزمان صدعك                 شتَّتَ فيه شمله ليجمعك

كنا نسمع الآيات التي طبقها الصحابة تطبيقاً كاملاً ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خَصاصة ومن يُوقَ شُحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ كان الواحد يقول لأخيه: هذا مالي فخذ نصفه، أنا لا أقول الآن افعلوا هذا، لأنني عند ذلك سأكون غير حكيم، لكنني أقول: (إذا أديتَ زكاة مالك فقد قضيت ما عليك) أكتفي بتأدية الزكاة، وبتأدية النفقة، وبالسعي للكسب الحلال، ومن مصدر حلال، سيقول بعض الموظفين إذا سعينا إلى الكسب الحلال ومن مصدر حلال فسنموت، لن نعيش في حاجة لأننا سنموت، أقول لهؤلاء: هذا الجهد الذي تبذلونه في الكسب الحرام، أريدكم أن تحوّلوا مسارَه لتطالبوا الدولة، وأن تكونوا يداً مجتمعة، وأن تكونوا يداً واحدة. لا أريد أن تبعثروا الجهد الحلال في المصب الحلال إلى جهود محرَّمة في مصب الحرام. قولوا للمسؤول عنكم: هذا يمسنا، واخرج واطلب وبكل قوة. قل: إن أولادي بحاجة إلى طعام، وهذا الذي آخذه لا يكفي، إن ولدي مريضٌ وبحاجة إلى معالجة. قل هذا بقوة، وعند هذا فالله معك، ونحن معك، ولا تذهب إلى سراديبَ ممنوعة بحجة أن هذا المال لا يكفيك.

الطريق المشروعة محبوبة وإن أعلنتها فأنت مجاهد، وإن أعلنتها فسيكون الله معك وسنكون معك وسيكون كل الضعفاء معك، وليقل الواحد منا الذي يشعر بحاجة ليقل للغني: لي حق عندك وليقل هذا بكل قوة وصراحة إن كان محتاجاً فعلاً وإن كانت الضرورة قد مسّته في أساسياته، في ضروراته، في جسمه، في طعامه، في شرابه، في دراسته، فالعلم ليس حكراً على من يملك المال للعلم، وإنما العلم فرض على الفقير والغني، على الفقير حتى يطلب من الدولة أن تُعلِّمه، فإن لم تعطهِ الدولة فليعطه الغني، وعلى الفقير أن يطلب من الغني وهو مرفوع الرأس، لأن القضية الآن إن تُركت لحركة الأغنياء الخفية المخلصة التي تسعى للقيام بما وجب عليها فلن يكون هذا منها، لأن أولئك الذين كانوا يعطون من لا يسألون الناس إلحافاً، وهؤلاء محتاجون فعلاً، لم يعودوا كثيرين بل غدوا أقل من القليل، (يأتي زمان على الناس، لا يبالي المرء بما أخذ، أمن الحلال أم من الحرام) حينما أتحدث عن ضرورة اجتناب الحرام في الكسب فإني قائل لكم وبكل وضوح هذا الذي قاله لنا سيدنا ومعلمنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم عندما قال للصحابي الجليل كعب بن عجرة: (يا كعب، إنه لا يدخل الجنة لحم ودم نبتا من سُحت، النار أولى به) النار في الدنيا قبل الآخرة. انظروا القلق والاضطراب والفوضى وقد رسمت عناوين على جبهات أغنيائنا، وعلى جبهات مسؤولينا، انظروا هذه الأمور المزعجة وقد رسمت عناوين على صفحات أجسام أولئك الناس الذين يتكسبون عبر وسائل غير مشروعة، (يا كعب الناس غاديان: فغادٍ في فكاك نفسه فمعتقها، وغادٍ فموبقها)

نحن الآن أحد رجلين فيما يخص التعامل مع المال لا ثالث لنا، إما رجل يغدو في فكاك نفسه من النار على مستوى الدنيا وعلى مستوى الآخرة عندما يتبع الأصول المشروعة في كسبه المال، وإما إنسان غادٍ إلى النار عندما يجتنب الأصول المشروعة في كسبه المال، ويرتكب الأساليب المحظورة، الناس غاديان: فغادٍ في فكاك نفسه فمعتقها من كل الأمراض النفسية في الدنيا، ومن النار في الآخرة، وإما غادٍ فموبقها، جاعلها في النار، في الدنيا، في هذه الأمراض والقلاقل والاضطرابات، وفي الآخرة في نار سُعِّرت لأمثال هؤلاء، نسأل الله العفو والعافية من ذلك.

ألخص ما قلت: الاقتصاد أمران، اجتناب الطرق المحرمة في الكسب، وفعل ما وجب عليك في الإنفاق وفقَ الطرق المشروعة الإسلامية الواضحة. الإسراف ممنوع، فإياك وأنت تنفق أن تسرف على نفسك، الإسراف ممنوع، الواحد منا ينفق على نفسه ما يعده غير إسراف، لكنه عندما ينفق حيث يجب ألا يعد ذلك مهما بلغ إسرافاً، يعده إسرافا، يشتري لنفسه حذاءً بخمسة آلاف ليرة سورية، ولا يعد ذلك إسرافاً، لكنه إن طلب منه أن يعطي فقيراً خمسة آلاف من أجل أن يعلِّم ولده، يعتبر عطاء الفقير إسرافاً، أأعطي أنا المبلغ كله لهذا الفقير ؟! أليس له من معيل إلا أنا ؟! فهذا إسراف ! أما أن يشتري حذاء بخمسة آلاف ليرة سورية فليس بإسراف، لأنه يحب – هكذا يزعم كاذباً – أن يحدث بنعمة الله: ﴿وأما بنعمة ربك فحدِّث﴾ أنت كاذب في هذا الادّعاء، ﴿وأما بنعمة ربك فحدِّث﴾ ولو كان المعنى هذا الذي تقول لكان أولى بتطبيق هذا المعنى السيد الأعظم الحبيب الأكرم قرة العين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولما كان النبي تقول عنه السيدة عائشة في يوم من الأيام: "كان يمرّ علينا الهلال، ثم الهلال، ثم الهلال، وما يوقد في بيت رسول الله النار" يسألها ابن أختها وما كان عيشكم يا خالة ؟ تقول: "الأسودان: التمر والماء". لو كان الأمر كما قلت، لكنك تعلم أن الأمر كذب، وأنت تكذب على نفسك ﴿وأما بنعمة ربك فحدِّث﴾ إنفاقاً، دعوةً إلى دينك لأن النعمة الكبرى هي الإسلام، وحدّث بها نفسَك والآخرين، هذا هو معنى آية: ﴿وأما بنعمة ربك فحدِّث﴾.

فيا ربنا: أنت العادل، المتفضل، ونحن من ظلمنا أنفسنا، لكننا ليس لنا إلا أن ندعوك، ولن نقتصر على الدعاء، لكننا نعاهدك على أن نعمل ونعمل، أن نعمل صالحاً، وأن نخلص في عملنا، ليكون العمل ابتغاء وجهك، فيسّر لنا يا ربنا ذلك.

اللهم إنا نسألك بحق الفقراء الذين لا يُلتفت إليهم، وبحق أولئك المحتاجين المكسورين الذين لا يُتفقدون، أسألك بحق هؤلاء أن تردنا إلى قواعد ديننا الصحيحة رداً جميلاً، نِعمَ من يسأل ربنا، ونعم النصير إلهنا، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ: 16/11/2007

 

التعليقات

علي العمرات

تاريخ :2011/09/10

بارك الله فيك يا شيخ وكثر من أمثالك وجزاك الله كل خير نسأل الله العفاف والكفاف في العيش ونسأل الله العفو والعافية وحسن الختام امين..امين

شاركنا بتعليق