آخر تحديث: الجمعة 25 تشرين الثاني 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
دروسٌ من شهادة الإمام الحسين

دروسٌ من شهادة الإمام الحسين

تاريخ الإضافة: 2008/01/18 | عدد المشاهدات: 3473

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

تمر علينا ذكرى استشهاد سيدنا الحسين رضي الله عنه وأرضاه، وبالأمس استشهد لنا إخوة في غزة، قتلهم عدوٌ لدود، سطا عليهم إنسان جحود، لا يبغي الخير، بل ما يريده هو الشر، يسعى للطغيان ويستعين بمن طبعه العدوان، قُتل أكثر من عشرين أخ لنا في غزة.

نحن نعيش ذكرى استشهاد سيدنا الحسين رضي الله عنه وأرضاه من أجل أن نتذكر قيمة الشهادة، ومن أجل أن نحيي الشهداء في نفس الوقت، فالشهداء الذين يسقطون في أرضنا المحتلة في فلسطين، نسأل الله عز وجل لهم أن يلحقهم بالحسين رضي الله عنه وأرضاه.

أغتنم الذكرى والحادث الواقع من أجل أن أذكر نفسي وإياكم بالحسين ليس على سبيل الحكاية والقصة، ولكن على سبيل التعلم والاتخاذ قدوة لهذا الإمام العظيم الكبير، أتعلمون مَن الحسين ؟ لا أريد أن أسرد عليكم حياته كلها، لكنني سأنقل لكم بعض ما قاله جد الحسين صلى الله عليه وآله وسلم في الحسين، كما سأنقل لكم بعض ما قاله الحسين نفسه رضي الله عنه وأرضاه، ومن خلال ما سنقوله عن الحسين عبر الأحاديث الشريفة وعبر خطبه النظيفة الطاهرة. أحب أن يتخذ الإنسان منا موقفاً حيال ما يحدث في فلسطين، هذا الموقف ذو شقين، الشق الأول الموقف التصوري أو النظري، والشق الثاني هو الموقف العملي، ولعل الشق الثاني يُخاطب به الحكام وأولو الأمر، ويُخاطب به أولئك الذين أُسند إليهم مقاليد التنفيذ.

أيها الإمام الحسين، أنت من قال عنك سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في الترمذي: (حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسيناً) وروى الطبراني بسند حسن أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمع الحسين يبكي فالتفت إلى السيدة فاطمة رضي الله عنها وأرضاها وقال: (يا فاطمة، ألم تعلمي أن بكاءه يؤذيني) فكيف يمكن أن نتحدث عن قتله إذا كان بكاء الحسين يؤذي النبي، فما بالكم بقتله، وتقطيعه، وقطع رأسه.

يقول صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً كما روى ابن ماجه وأحمد بسند حسن وبعضهم قال صحيح، التفت إلى الحسن والحسين فقال: (من أحب الحسن والحسين فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني) وروى الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال أيضاً: (الحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا) وروى الإمام أحمد وابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) وروى الترمذي أيضاً أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (هذان ابناي، وابنا ابنتي، فمن أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني) وروى ابن ماجه والترمذي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للحسن والحسين وفاطمة وعلي: (أنا حرب لمن حاربتم، وسلم لمن سالمتم) وفي رواية (أنا حرب لمن حاربهم، وسلم لمن سالمهم).

هذا بعض ما قاله سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الحسن والحسين وفي الحسين بشكل خاص باعتبارنا نعيش ذكرى استشهاد الإمام الحسين رضي الله عنه وأرضاه.

وأما ما قاله الحسين نفسه فإني أريد أن أسمعكم كلامه. لقد وقف أمام جماعته وكأنهم يُساءلونه لمَ تخرج يا أبا عبد الله ؟ فقال: "أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحُرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله في الإثم والعدوان فلم يُغيِّر عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على الله أن يُدخله مُدخله)، ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلوا حرام الله، وحرموا حلاله، وأنا أحق من غيّر".

ويقول كلمته المشهورة المعروفة: "هيهات منا الذلة، يأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت، وبطون طهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبية، ألا ترون أن الحق لا يُعمل به، والباطل لا يتناهى عنه، فلا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا بَرَما". أي شقاءً.

رضي الله عنك يا أبا عبد الله، أيها الإمام العظيم، أنت من انبثقت من نور النبوة محمد، ومن عظمة الرجولة علي، ومن رونق الفضيلة فاطمة، فأنت خِيارٌ من خيار، لا شك في ذلك ولا ريب، رضي الله عنك وأرضاك، كنت خارجاً من أجل الإصلاح في أمة جدك محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فيا أيها المسلمون، وكلكم يحب الحسين، ماذا أنتم فاعلون على الأقل في عالم التصور والنظر، وبالله عليكم قولوا لي: بمَ تحدثون أنفسكم وأنتم ترون عدواً لدوداً يُنزل الموت بوسائل وحشية على أبناءٍ لنا في فلسطين، يُقِّتل في كل يوم، يقضي على الأراضي وعلى الثمار والأشجار، يُذهب أرواح زهرات شبابنا، بالله عليكم أنبئوني عما تُحدثون به أنفسكم وأنتم تسمعون وتشاهدون هذا الذي يحدث في غزة، قتلٌ وسبيٌ وضربٌ وإماتةٌ وإبادةٌ وحصارٌ وحرمانٌ لإخوة لكم يحبون الحسين كما تحبونه، يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله كما تقولون، يؤمنون بالكتاب القرآن الكريم كما تؤمنون، ينادوكم بالأخوة التي عقدها ربكم فيما بينكم وبينهم، هل نكتفي بأن نقول هؤلاء شهداء وقد أدّينا ما يجب أن نؤدّيه، أم أن هنالك سعياً يجب أن يكون في دواخلنا من أجل نصرة هؤلاء المظلومين، أوَليسوا مظلومين ؟ هل مات الوجدان فينا، أم مات الإحساس تجاه إخوة يعيشون كما نعيش في أصل الوجود، لكنهم يتعرضون لأسوء ما يتعرض إليه إنسان على وجه هذه البسيطة، يدعم المعتدي معتدٍ أكبر، يُستقبل المعتدي الأكبر استقبال المنتصرين، لا أريد أن أحمِّل الشعوب جرائر الحُكام لكنني أتوجه من أجل التصور ومن أجل التنفيذ.

من أجل التصور أتوجه إلى الشعوب قائلاً: أيتها الشعوب المظلومة لا أخاطب المسلمين فيكم فحسب، لكنني أخاطب كل إنسان مظلوم على وجه هذه البسيطة، إنه ومن باب الواجب الإنساني والإسلامي أن نفكر في إعادة الكرامة التي سُفكت والتي ضاعت والتي سُفحت، وكلنا معنيون لا يندّ عن ذلك إنسان مهما كان، سواء أكان صغيراً أم كبيراً، عالماً أم جاهلاً، تاجراً أم طبيباً، ضابطاً أم مديراً، وزيراً أم أميراً، يجب علينا جميعاً أن يفكر كلٌ منا وأن يُنظِّر تنظيراً يقبل التطبيق من أجل كيفية إعادة الكرامة وإعادة الأرض، ومن أجل حقن الدماء التي تُراق من غير سبب مشروع يهريقها ويسفحها غاشم لدود، عرفت الإنسانية كلها أنه غدة سرطانية لا وجود لها وجوداً صحيحاً في هذا المكان فلماذا لا يشتغل جميعنا وقد أدرك جميعنا أن هذا العدو عدوٌ بكل ما تعنيه هذه الكلمة، لماذا لا يشتغل الجميع ؟ لماذا لا تشتغلون أنتم بتخطيط، وتتقاطع التخطيطات فيما بيننا حتى نصل إلى مخطط نتفق عليه جميعنا، نريد من ورائه أن نزيح الكابوس، هذا العدو الذي جثم على صدورنا وعلى قلوبنا وعلى أفئدتنا.

أيتها الشعوب: أناديكم من أجل تفكير جاد فيما يتعلق بالوضع الذي يعيشه إخواننا في فلسطين، بالوضع الذي يعيشه المسجد الأقصى مسجد القبة، حدثتكم منذ زمن، أن هؤلاء الصهاينة المجرمون يسعون ليل نهار من أجل أن يزلزلوا أركان المسجد الأقصى، يريدون أن يزيلوا كل أثر يدل عليكم وعلى وجودكم التاريخي هناك، ونحن نكتفي بأن نقول، ولا أقول بأن هذه الكلمة التي نقولها هينة أو بسيطة، لكننا نكتفي بأن نردد هذه الكلمة بألسنتنا: ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ لا أكثر ولا أقل.

أما من أجل الموقف التنفيذي، أيها الحكام: اسمحوا لي أن أخاطبكم جميعاً وبلسان الناصح وبلسان المحب اسمحوا لي أن أقول لكم: ألم تدركوا بعد أن الصهيونية عدوٌ لدود مجرم يريد إبادتكم أنتم حتى وإن واليتموهم، يُريدُ القضاء على كل مغايرٍ لهم، لا يريد في هذه الأرض إلا الصهيونية تنعم بخيرات الأرض، لا يريد مسلماً ولا مسيحياً، لا يريد آسيوياً ولا أوروبياً، ولا يريد أمريكياً ولا أفريقياً، إنما يريد ذاته، إنما يريد عنصرية، حدودها الصهيانية المعتدون المجرمون، مساحتها الأرض كلها، تبتدئ من الفرات إلى النيل، لتنتهي من مطلع الشمس إلى مغربها، فيا أيها الناس، يا أيها الحكام: ألم تدركوا بأن هذا العدو عدوكم أنتم ؟ إن كان الأمر بلى، فالسؤال الثاني: ألم تدركوا بأن هذا العدو لا يريد دولة فلسطينية مجاورة، ولا يريد سواها، ولا يريد دولة سورية، ولا أردنية، ولا لبنانية، ولا يريد أي دولة أخرى لا تحمل شعاره، لعل الجواب معروف في دواخلكم بلى، ألم تدركوا أيها الحكام أن هؤلاء ومن خلال تجربة تاريخ لا يرقبون في إنسان، ولا يرقبون في مؤمن، ولا يرقبون في غيرهم إلاً ولا ذمة ؟ ألم تدركوا أن عليكم واجباً كبيراً أيها الحكام إن لم يكن الأمر من باب الاستجابة لنداء الله في وحدتكم وجهادكم فمن باب معرفة العدو الواحد، ألم يوحِّدكم عدوكم ؟ إن عدو سورية هو إسرائيل، وإن عدو إيران هو إسرائيل، وإن عدو أوروبا إسرائيل، وإن إسرائيل تخطط مرحلة مرحلة، فتتحدث عن عدوٍ بعيد على أنه صديق قريب لتكسبه في هذه المرحلة، ومن ثَمَّ تقوم بالانقضاض عليه، ولا تخاطبوها على أنها تنكث العهد، فمسيرتها منذ أن كانت، مسيرة من أخلف العهد والوعد، ومن نكث العهد، ومن قتل النبي، ومن عاقر وحاصر كل من قال لهم أنكم أناس معتدون، فيا أيها الحكام: نحن نطالبكم، ولعل مطالبتنا عشوائية، لكنكم أنتم أهل التنظيم والتنسيق والسياسة والتخطيط والمؤتمرات، مطلبنا أن تجتمعوا على مواجهة هذا العدو، لا أريد أن أطرح عليكم مخططات من أجل كيفية مواجهة هذا العدو، فأنتم والحمد لله مخططون وسياسيون وعارفون وحكام وقادرون وموجهون ومسيرون، نحن نقول الكلمة هكذا، كما يقال خامية، كما يقال في اللغة العامية، وأنتم يا أولي الفهم والقيادة والسياسة والحنكة والحكمة، نفِّذوا هذه المقولة التي انبثقت منا طلباً شعبياً نريده ونلح عليه، خططوا أنتم لتنفيذها التخطيط اللازم، واشتغلوا في وضعها ضمن مخطط تشرفون عليه، تنسقونه، تحققونه. المنبر هنا ليس من أجل إراءتكم خططاً، ولكن من أجل النصح، وإنا لا نقول هذا الكلام مستهينيين بكم، لكننا نقول هذا الكلام لأننا نريدكم أن تكونوا كما أقسمتم إذ أقسمتم أن تكونوا رعاةً لدين هذه الأمة، لمبادئ هذه الأمة، لثوابت هذه الأمة، لما يرضي هذه الأمة، بما يرضي ربها عز وجل، نقول لكم هذا الكلام ناصحين متمنين لكم كل الخير ما دمتم تسعون ضمن هذا المسار، فيا أيها الحكام بعد الشعوب، لا نستثني منكم أحداً، نريد منكم سعياً حثيثاً لحل هذه المشكلة، أتريدون أن تمتد المشكلة أعواماً كثيرة كما امتدت سالفاً ؟ عندها سيقوى هذا العدو وستزداد قوته. بالأمس جرَّب صواريخه التي تصل إلى آلاف الكيلو مترات، فهل تنتظرون من هذا العدو أكثر مما حفلت به مخازنه ومستودعاته وأمكنته ورجالاته وضباطه، أتكتفون ؟ أو أتنتظرون أكثر من هذا ؟

أيتها الشعوب، أيها الحكام، ويشهد الله، وإنني إذ أتكلم هذا فليس من باب المواجهة، ولكن من باب المحبة والتقدير، فأنا أحب الناس كافة، أحب أولئك الذين يسعون للخير، أحب الذين يريدون الخير للإنسان وللمسلم ولغير المسلم ما دام إنساناً منضبطاً بإنسانيته من منطلق الحب وإرادة الخير لكم ولنا، أدعوكم أيتها الشعوب، أيها الحكام إلى هذا، وكفانا أن نتلقى درساً بعد درس في كل يوم.

أتوجه أخيراً إلى العلي القدير أقول: اللهم بحق الحسين، وبحق جد الحسين، وأم الحسين، وأبي الحسين، ارحم شهداء غزة، ارحمهم وألحقهم بالحسين، بالشهداء الذين هم عند ربهم يرزقون، اجعلهم يا ربنا مذكرين لنا بضرورة ما يجب أن نفعله حيال الأرض، حيال المسجد الأقصى، حيال الدم المسفوح الطاهر هناك، اللهم بحق الحسين ارحم شهداء المسلمين كافة في كل بقاع الأرض، تب علينا وارحمنا، وإلى غيرك ربِّ لا تكلنا، اللهم إني أسألك بحق الحسين وبحق كل الشهداء أن ترد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً، شعوباً وحكاماً، قادة ومقودين، يا رب العالمين، نعم من يسأل أنت، ونعم النصير أنت، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ: 18/1/2008

التعليقات

محمد عكلة

تاريخ :2008/08/03

جزاكم الله خيرا

محمد ذاكر

تاريخ :2010/05/18

اللهم صلي على الحسين وعلى جد الحسين وعلى أب الحسين وعلى أم الحسين وعلى أخوة الحسين وعلى أصحاب الحسين وعلى من استشهد مع الحسين

شاركنا بتعليق