آخر تحديث: الثلاثاء 18 يناير 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
حِكَمٌ وعِبَر من حياة الإمام عمر بن عبد العزيز

حِكَمٌ وعِبَر من حياة الإمام عمر بن عبد العزيز

تاريخ الإضافة: 2004/07/09 | عدد المشاهدات: 3484

أما بعد ، أيها الأخوة المؤمنون :
ما الإنسان بأشدِّ حاجة إلى مبدأ مناسبٌ منه إلى قائمٍ متحرك منفِّذ مطبق هذا المبدأ . وبعبارة أخرى : المبدأ إذا كان مناسباً صحيحاً منطقياً ورَّثك قناعة ، ولكنك إذ ترى هذا المبدأ مُطبَّقاً منفذاً من خلال مجسد له فهذا يورثك اطمئناناً ، ولذلك أنزل الله عز وجل كتباً فيها مبادئ قويمة ، أنزل القرآن الكريم فيه مبدأ قويم متماسكٌ منطقي ، من توجَّه إلى قراءته بإخلاص وصدق اقتنع به ، ولكن الله عز وجل جعل مع هذا الكتاب مُجَسِّداً له نبياً رسولاً متحققاً بما في هذا الكتاب ، وذلك من أجل أن نطمئن نحن الذين نزّل هذا الكتاب من أجلنا وعلينا ، وجاء هذا الرسول من أجل هدايتنا ونصحنا وإنقاذنا
﴿ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين . يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام .
منطقية الفكرة تقنعك ، رؤية الفكرة من خلال من ينفذها ويطبقها تطمئنك ، ولهذا كان النبي وكان القرآن .
القرآن للإقناع ، وتطبيق النبي القرآن للاطمئنان ، من أجل أن تطمئن بعد الإقناع ، والله عز وجل ما أعدم الأمة من مُطبِّقين ومن خلفاء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، يطبقون القرآن الكريم حتى يُورِّثوا الاطمئنان للناس ، فكان الخلفاء الراشدون بعد النبي رضي الله عنهم ولم ينقطع الأمر بانتهاء الخلفاء الراشدين بل تتابع ، فها هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول كما يروي الحاكم وأبو داود : " إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها " وقد اتفق العلماء على اختلاف فرقهم وعلى اختلاف مذاهبهم على أن المجدد الأول بعد الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه .
هذا الرجل الذي أجمعت الأمة على أنموذجيته وعلى كونه قدوة وعلى كونه مجدداً ، أحببت هذا الأسبوع أن نعيش معه ، مع كلماته ، مع فكره ، مع سلوكه ، مع ما قال موجهاً ومعلماً رضي الله عنه وأرضاه ، وقبل أن أنقل كلماتٍ من كلماته وعباراتٍ من عباراته أقول لكم ما قيل فيه . فقد قال أحمد بن حنبل رحمه الله ورضي الله عنه : إذا رأيت الرجل يحب عمر بن عبد العزيز ويذكر محاسنه وينشرها فاعلم أن وراء ذلك خيراً . ويروى عن محمد الباقر رحمه الله ورضي الله عنه أنه قال : إن عمر بن العزيز يبعث يوم القيامة أمة وحده . ماذا قلت يا أيها الإمام ، يا أيها المجدد ، يا عمر رضي الله عنك ؟
عبارات من عباراته وكلمات من كلماته . قال من جملة ما قال : " لا كتاب بعد القرآن ، ولا نبي بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ألا وأني ولست بقاضٍ " يا شباب الأمة ويا حكام الأمة ويا مثقفي الأمة ويا مربي الأمة : اسمعوا وعُوا كلام هذا المجدد إن كنتم حريصين على أن تكونوا حلقة في سلسلة المجددين : " ألا أني لست بقاضٍ ولكني منفذ ، ولست بمبتدع ولكني متبع ، ولست بخيرٍ من أحدكم ولكني أثقلكم حملاً ، وإن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بظالم ، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " .
لما ولي الخلافة جاء الشعراء كعادتهم ليمدحوه فمكثوا شهراً لا يأذن لهم عمر بن العزيز ، فعادوا من حيث أتوا . لا نريد نحن شعراء يمدحوننا ولا لكننا نريد ناصحين ينصحوننا ، لا نريد من يقف على الباب ليسجل آياتِ مدحٍ ولكننا نريد من ينصحنا فيما يعود علينا وعلى بلادنا وعلى مجتمعنا وعلى وطننا بالخير ، فالمدح لا يُنتِجُ إذا اكتفي به وحده ، لا ينتج خيراً ، ولكن النصيحة هي الدين ، فالنتناصح حب ومدح . أوصى سيدنا عمر بن عبد العزيز محمد بن كعب القرضي فقال : " كن لصغير المسلمين أباً ، ولكبيرهم ابناً ، وللمثل منهم أخاً ، وعاقب الناس بقدر ذنوبهم " يا ضباط ، يا شرطة ، يا قضاة : " وعاقب الناس بقدر ذنوبهم على قدر أجسامهم ، ولا تضربَن لغضبك سوطاً واحداً فتكون عند الله من العادين " أي من المعتدين . وكتب إلى واليه في البصرة عدي بن أرطأه وليسمع الناس ، وليسمع إخواننا في كل مكان ، وليسمع المقاتلون والولاة والحكام والمقاومون كتب اليه فقال : " إن لديك عمالاً ظهرت خيانتهم ، وتسألني أن آذن لك في عذابهم ، فإذا جاءك كتابي هذا فإن قامت عليهم بينة واضحة كالشمس فخذهم بذلك ، وإلا لأن يلقوا الله بخيانتهم أحب إلي من أن ألقاه بدمائهم " .
أيها المعنيون على اختلاف أطيافكم ، على اختلاف مسؤولياتكم ، هذه قاعدة من مجدد " فإن قامت عليهم بينة واضحة كالشمس فخذهم بذلك وإلا لأن يلقوا الله بخيانتهم أحب إلي من أن ألقاه بدمائهم " كتب إليه أي إلى عمر والي خراسان - أيها المكتوب إليهم اسمعوا هذا - إن أهل خراسان ساءت رعيتهم وإنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ذلك " – أي أن استخدم السيف والسوط لأن أهل خراسان ما عاد يصلحهم إلا ذلك - فكتب إليه أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز : " أما بعد : بلغني كتابك ، فقد كذبت بل يصلحهم العدل والحق ، فابسط ذلك فيهم " لا يصلحهم السيف والسوط بل العدل والحق . وكتب عمر إلى أحد ولاته – ما أجمل هذا الكلام أيها القادة – كتب إليه فقال : " يا هذا فقد كثر شاكُوك وقل شاكروك ، فإما عدلت وإما اعتزلت " رأته زوجته فاطمة يبكي في الليل فقالت : ما يبكيك ؟ فقال لها : يا فاطمة وَيْحكِ – أيها المسئولون اسمعوا هذا الكلام - قال لها : يا فاطمة ويحك قد وُليت من أمر هذه الأمة ما وليت ، فتذكرت الفقير الجائع ، والمريض الضائع ، والعاري المجهود ، واليتيم المكسور ، والمظلوم المقهور ، والأرملة الوحيدة ، والغريب والأسير ، والشيخ الكبير ، وذا العيال الكثير والمال القليل وأشباههم في البلاد ، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم يوم القيامة ، وأن خصمي دونهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم فخشيت يا فاطمة أن لا تثبت لي حجة عند خصومته ، فرحمت نفسي فبكيت " تذكرت الفقير الجائع والمريض الضائع والعاري المجهود واليتيم المكسور والمظلوم المقهور والأرملة الوحيدة والأسير والشيخ الكبير وذا العيال الكثير والمال القليل وأشباههم في البلاد ، هنالك غرباء ، هنالك أسارى ، هنالك شيوخ كبار ، هنالك ذووا عيال كثير ، هنالك ذووا مال قليل ، أين أنت من موقفك أمام الله عزوجل حين يسألك عنهم كل ذي دعوة جادة مخلصة سيتعرض لحقد وحسد ولكلام غير صحيح ، تلك سنة الله في الكون وفي رأس القائمة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهذا هو عمر أيضاً ، هناك من يحسده ، هناك من يحقد عليه لا لشيء إلا لأن الله رفع شأنه ، لا لشيء إلا لأن الله جعل له تأثير في القلوب ، أرسل هؤلاء الحساد من يدس له السُّم فاكتشفه عمر ودعا هذا الرجل وقال له : ما حملك على ما صنعت فدسست لي السم ؟ قال : ألف دينار أعطيتها يا أمير المؤمنين . أعطاني إياها حسادك ، أعطاني إياها أعداؤك الذين يَقْفُون ماليس لهم به علم ، ألف دينار أعطيتها . فقال : هاتها . فأخذها عمر فوضعها في بيت مال المسلمين ثم قال لهذا المُغرَّر به : اذهب حيث لا يراك أحد فتهلك لأني أخاف أن يقتلوك . مَن يَدَّعون محبتي ، اذهب حيث لا يراك أحد فتهلك .
يروي من حكى سيرة عمر - أكثر من شخص - عن رجلٍ من الشام استشهد وكان يأتي كل جمعة جاره في المنام يزور هذا الشهيد جاره في المنام ، في الحلم ، وهذا أمر شرعي ، فـ الرؤية الصالحة جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة يراها الرجل وترى له ، رجل من الشام استشهد وكان يأتي كل جمعة جاره في المنام فافتقده جاره في جمعه فقال له الشهيد الشهيد الحي الذي مات ولكننا نقول عن الشهداء أحياء ، افتقده جاره الحي حياة حقيقية افتقده في جمعة فسأله في الجمعة التالية : لم غبت عني ؟ فقال هذا الشهيد : إنا معاشر الشهداء أمرنا أن نشهد جنازة عمر بن عبد العزيز . نعم إننا بحاجة الى من يجدد لهذه الأمة أمر دينها . بالرغم من كل ما يقال فتابع يا أخي يا من تريد مرضاة ربك تابع خطك مهما كان ومهما قيل ، حسبك كما ورد عن سيدنا عمر بن عبد العزيز حسبك ربك ، علم الله فيني يكفيني ، والعاقل من اكتفى بعلم الله فيه . أوصى أخيراً أولاده فقال : " إما أن تستغنوا وأدخل النار وإما أن تفتقروا وأدخل الجنة ، وأرى أن تفتقروا ، قوموا عصمكم الله " ثم كان يدعو ويقول : " اللهم إن كنت تعلم أني أخاف شيئاً دون يوم القيامة فلا تؤمني " وكان يكرر ويقول : " لولا الاسلام ما أمنا " نعم لولا الاسلام ما أمن مجتمعنا ، ولا أمن وطننا ، وبقدر ما نحرص على الإسلام بقدر ما نحرص على أمن وطننا وعلى أمن مجتمعاتنا وعلى أمن كوننا وعلى أمن عالمنا وعلى أمن قارتنا وعلى أمن إنساننا ، أعني بالإسلام إسلامنا الصحيح الموثق النقل من القرآن الكريم ، والمحقق في معطياته وأحكامه ، والذي يقف في رأس قادته وسادته المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم . ولما دنت الوفاة في الأنفاس الأخيرة من حياة سيدنا عمر قال هذه الآيات :
﴿ رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت وليّي في الدنيا والآخرة توفني مسلماً وألحقني بالصالحين يوسف : 101 هذا كان آخر ما ختم به عمر بن عبد العزيز . لا أريد أن أعلق ، لكنني أقول : اللهم إنا ندعوك لتجعل في أمة محمد أتباعاً كعمر بن العزيز ، ورجالاً كعمر بن عبد العزيز ، وقادة كعمر بن عبد العزيز ، وسادة ورعاة وولاة يارب العالمين ، نسألك يا ربنا أن تجعلنا ممن يجدد لهذه الأمة أمر دينها ، اللهم اجعلنا من هؤلاء المجددين لا يخافون فيك لومة لائم ، يدعونك على بصيرة ويدعون إليك على بصيرة ، يارب العالمين كن معنا ولا تكن علينا ، أنت ولينا يا فاطر السموات والأرض ، توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين ، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت ، أقول هذا القول واستغفر الله .

التعليقات

شاركنا بتعليق