آخر تحديث: السبت 04 ديسمبر 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
صفحات من سيرة الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز

صفحات من سيرة الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز

تاريخ الإضافة: 2005/05/06 | عدد المشاهدات: 3714

أما بعد ، فيا أيها الأخوة المسلمون :
كلنا يعلم ، أو أغلبنا أنه في وقت الأزمات على اختلاف تنوعها ومجالاتها ، في وقت النوازل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية يهرع الناس إلى التاريخ من أجل أن يأخذوا العبر منه ، ولئن كنا كما تسمعون ونسمع في حالٍ لا نُحسَد عليها على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي ، لئن كنا في هذه الحال فأحرى بنا أن نلجأ إلى التاريخ ، ولا سيما إلى المساحات الناجحة من هذا التاريخ وإلى من شغلوا هذه المساحات الناجحة في هذا التاريخ ، فالرجوع إلى التاريخ للاعتبار والرجوع إلى التاريخ من أجل التعلم والرجوع إلى التاريخ من أجل أخذ الدروس ، علَّها تفيد أولئك الذين يعيشون في عصرنا أو في هذا العصر .
كنت أرى على التلفاز سؤالاً طرحه المعنيون في وزارة الإعلام ، يقول هذا السؤال : ( ما الذي تريده من المؤتمر الذي سيعقد بعد ثلاثة أسابيع ؟ ) يسألون هذا الإنسان وذاك ، واحد منهم ، من الناس يجيب : نريد عملاً لأننا عاطلون عن العمل ، وآخر يقول : نريد حرية ، وثالث يقول : نريد لأولادنا جواً من التعليم والتعلم ، جواً نظيفاً ... وهكذا دواليك . وباعتبار أن الإنسان في الأزمات يعود إلى التاريخ حاولت أن أستنطق بعض مساحات هذا التاريخ الناجحة . لم أعد إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، كما لم أعد إلى الخلفاء الراشدين ، لكنه خطر ببالي أن أعود إلى حاكم ناجح كان محلَّ تقدير من قبل كل الفئات المسلمة من قبل الشيعة والسنة والصوفية والسلفية . أحببت أن أعود إلى هذا الرجل ، إلى كلامه ، إلى مقالاته ، وإني لأذكر تماماً أنه منذ أكثر من خمسة عشرة عاماً خَصَّصتُ خطبتين عن هذا الحاكم الناجح الذي اعترف أكثر المؤرخين إن لم أقل الجميع بنجاحه ، علماً أن مدة حكمه لم تتجاوز السنتين ، وأنه مات دون الأربعين . كان شاباً وقد استلم الحكم وهو في عمر السابعة والثلاثين ومات وهو في عمر الأربعين أو التاسعة والثلاثين على الميلادية . أحببت أن أعود إلى هذا الرجل الناجح وأن أقرأ كلامه وعباراته ورسائله وأن أقدم هذا الكلام وهذه العبارات وهذه الرسائل إلى المعنيين من أمتي ، إلى الحكام ، إلى المسؤولين ، إلى الشعب ، إلى الناس وكما قلت لكم في أكثر من مرة كلنا مسؤولون ولكن حجم المسؤوليات يتفاوت ، أريد في هذه الخطبة أن أقرأ عليكم بعضاً من كلام هذا الرجل الخليفة الناجح الذي دُعي بالخليفة الراشدي الخامس وأظنكم عرفتموه إنه عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ورحمه الله وجزاه الله عن الأمة المسلمة كل خير .
هذا الرجل أريد أن أضع بعضاً من كلامه وعلى مسامعكم ، وأريد أن أرسل عبر الأثير هذا الكلام إلى كل المعنيين لأقول لهم ما المانع - بل عليكم – ما المانع من أن تعودوا إلى تاريخ هذا الرجل لتتقلدوا خطاه ، لتسيروا على دربه ، لتكتسبوا منه ، لتتعلموا منه ، فإنه مدرسة في الحكم ، مدرسة في السياسة ، مدرسة في الاقتصاد . ما المانع يا أيها الحكام ، يا أيها المسؤولون ، يا أيها الاقتصاديون ، يا أيها التجار ، يا أيها الناس ، ما المانع من أن تعودوا إلى هذا لتكونوا في مدرسته تلامذة ولكم الفخر إذ تكونوا تلامذة في مدرسة هذا الرجل الكبير ، هذا الرجل الذي قدم أنموذجاً للحاكم المسلم العادل ، أو بالأحرى للحاكم الإنسان العادل والذي يستحق بجدارة أن يكون في صفحة العناوين إذا ما أردنا أن نفتح سجلاً للحكام العادلين على طول الإنسانية وعرضها .
اسمحوا لي أن أقرأ عليكم بعض أقواله ، وأني لأرسل ذلك كما قلت لكم إلى كل المؤتمرين وإلى غير المؤتمرين . وعلى كل : ومن باب الواجب سأخصص خطبة بعد أسبوعين إن شاء الله للمطالب التي نريدها نحن الذين ننتمي لهذا الوطن ، وعلينا أن نتكلم ، وعلى الآخرين أن يستجيبوا وأن يعملوا ، وعلى الجميع أن يصدقوا اللهَ في أعمالهم ، في تحركاتهم ، في سكناتهم ، لأننا أيها الأعزاء نعيش كما قلت لكم في البداية وضعاً لا نُحمَد عليه ولا نُحسَد عليه ، نعيش وضعاً مأساوياً في كل المستويات : في المستوى الاقتصادي ، والاجتماعي ، والسياسي ، وأنتم ترون ذلك وتُحِسّون بذلك ، ترون ذلك بأم أعينكم وتحسون بذلك وتلمسون ذلك ، وآمل أن يكون هذا الإحساس وهذا اللمس صادقاً ودافعاً لكم من أجل البحث عن خلاص ، ومن أجل البحث عن هروب إلى ساحة الود والتضامن والحب والعمل والجد ، فالعدو يتربص بنا الدوائر ، والعدو لن يقترب منا إذا كنا مع أنفسنا لكنه سيجدنا فريسة سائغة يوم نكون ضد أنفسنا .
لما استُخلِف سيدنا عمر رضي الله عنه خطب خطبة فقال – وليسمع الإخوة المسؤولون المعنييون فإني أريدهم كما قلت أن يكونوا تلامذة في هذه المدرسة ، ويشهد الله أني ما أريد لوطني ولا لأبناء وطني إلا كل خير – لما استخلف عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال :
" أيها الناس إنه لا كتاب بعد القرآن ولا نبي بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ألا وإني لست بقاضٍ ولكني مُنفذ ، ولست بمبتدع ولكني متبع ، ولست بخيرٍ من أحدكم ولكني أثقلكم حملاً ، وإن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بظالم . ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " . هذه خطبة الاستخلاف وأرجو أن نَعِيَ وأن يَعِيَ كل مسؤول مثل هذا الكلام .
جاءَه أقرباؤه يطلبون منه وظائف ومناصب فقال لأقربائه : " أتحبون أن أُوَلِّيَ كل رجل منكم جنداً ؟! ( أتحبون أن أنصب كل واحد منكم لأنكم أقربائي في منصب يكون فيه قائداً ، ضابطاً ، مديراً ... الخ ) فقال رجل منهم : لم تعرض علينا ما لا تفعله ؟ قال : " ترون بساطي هذا ، إني لأعلم أنه يصير إلى بِلى وفناء ، وإني أكره أن تُدَنِّسوه بأرجلكم فكيف أوليكم أعراض المسلمين ، وأبشارهم ؟! هيهات لكم هيهات " . ليست القضية قضية قرابة ، ليست القضية قضية محسوبية ، القضية قضية أمانة ، القضية قضية كفاءة . قال لهم : إني أكره أن تدنسوا هذا البساط الذي سيكون إلى بلى وفناء بأرجلكم فكيف أوليكم أعراض المسلمين وأبشارهم ؟! هيهات لكم هيهات . فقالوا : لِمَ ؟ أما لنا قرابة معك ، أما لنا حق ؟ قال : " والذي نفس عمر بيده ما أنتم وأقصى رجل من المسلمين عندي في هذا الأمر إلا سواء " والقضية قضية أمانة ، والقضية قضية كفاءة ، والقضية قضية قيامٍ بالواجب ، فليفهم الناس ، وليفهم كل أخٍ مسلم في هذا البلد أن تَقَدُّمَ الغرب إنما كان لأنهم نظروا إلى الكفاءة أكثر من نظرتهم إلى القرابة وأكثر من نظرتهم إلى المحسوبية .
يقول عمر رضي الله عنه أيضاً وقد رأى بعضاً من الذين يرتادون أماكن الحكام وقصورهم وبيوت الحكام ودوائر الحكام قال لهم : " يا أيها الناس - يا هؤلاء ، الحقوا ببلادكم فإنكم إن ظننتم أنكم هنا من أجل أن أتذكركم بوظيفة ، لأنكم تنافقون ولأنكم تقعدون أمام بابي ، لا - قال لهم : الحقوا ببلادكم فإني أنساكم عندي وأذكركم ببلادكم ، اذهبوا إلى بلادكم ، إلى مدنكم ، إلى قراكم ، ألا وأني قد استعملت عليكم رجالاً ، وضعت عليكم ولاة - محافظين - لا أقول هم خياركم ، ولكنهم خير ممن هو شر منهم ، ألا فمن ظلمه إمامه - ولي الأمر في بلده - مظلمة فلا إذن له علي - أي فليأتني وليدخل من غير إذن - فلا إذن له عليّ ، ومن لم يكن له مظلمة فلا أَرَيَنَّه عندي . فلتذهبوا لا أريد أمامي متكلمين مادحين مثنين ، اذهبوا وليأت صاحب المظلمة وليدخل من غير إذن فإن الباب مفتوح للمظلومين ، لذوي الحاجات ، لأصحاب الضرورات .
يقول رحمه الله : لا يحل – وليسمع الأخوة على اختلاف مستوياتهم – لا يحل لعاملٍ ، أي لوالٍ ، لصاحب منصب ، لا يحل لعامل تجارة في سلطانه ، لا يحل لمسؤول تجارة في سلطانه ، فإن الأمير متى يَتَّجِر يستأثر ، ويصدر أموراً فيها عَنَت وإن حَرِص على أن لا يفعل لكنه لن يستطيع . لا تتاجر أيها المسؤول ، فإنك إن تاجرتَ جعلتَ سلطانك وسيلةً من أجل أن تربح ، وهذا ما يمكن أن يؤثِّر على اقتصاد البلاد ، ولا أريد أن أشرح أكثر فلستُ بمختصٍ في الاقتصاد ولا في السياسة ، لكنني رجلٌ أبغي الإصلاح كما قلت :
﴿ إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب هود : 88 .
كتبَ إلى أحد ولاته ، إلى أحد عماله على البلدان فقال له : يا هذا – وما أحرى بأي مسؤول أن يكتب إلى عماله – : " لقد كثر شاكوك وقلَّ شاكروك ، فإما عَدَلتَ وإما اعتزلت " وكتب له عامله وهب بن منبه وهو رجل جليل : إني فقدت من بيت مال اليمن دنانير . أعلمه أعلم الخليفة أعلم الرئيس العام فكتب إليه عمر أما بعد : فإني لست أتَّهمُ دينك - أنت رجل طيب - ولا أمانتك ، ولكن أتهم تضييعك وتفريطك ، فاحلف أمام الناس على أنك لم تأخذ مالاً من هذه الخزينة ، فاحلف لهم والسلام . وليكن الأمر واضحاً : نريد وضوحاً فيما بيننا على مستوى الشعب وعلى مستوى العلاقة فيما بين أفراد الشعب وعلى مستوى العلاقة بين الشعب وبين الدولة ، نريد وضوحاً ، ونريد أن نسمع الخبر من بلدنا ولا نريد أن نسمع الخبر من غير بلدنا .
وكتب إلى أحد عماله : فلتَجِفَّ يداك من دماء المسلمين ، وليجف بطنك من أموالهم ، وليجف لسانك من أعراضهم ، فإذا فعلتَ ذلك فليس عليك سبيل - أنت في أمان - :
﴿ إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم الشورى : 42 .
خطب مرة فقال : أيها الناس ، أصلحوا أسراركم تصلح علانيتكم ، واعملوا لآخرتكم تُكفَوا دنياكم .
كان يقول في محرابه ويدعو ، ونحن نردد معه رضي الله عنه : اللهم أصلح مَنْ كان في صلاحه صلاحُ أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وأهلك من كان في هلاكه صلاح أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
كان يقول وهو يريد الحفاظ على الدماء ، حافظوا على دماء بعضكم يا مسلمون ، يا عرب ، يا سوريون ، يا حلبيون ، نريد لهذا الدم أن يكون في الجسم لا أن يُراقَ ، نريد الحفاظ على دمائنا . كان يقول رحمه الله ورضي الله عنه : والله لَزوالُ الدنيا أهونُ عليَّ من أن يُراقَ بسببي مَحْجَمَةُ دم . ما في هذا الكأس كأس الحجامة من دم .
فلنحرص على دمائنا في أجسامنا ، ولنبتعد عن إراقتها . ما أفظع منظر الدمَ يُراق من جسم إنسان مسلم ، مواطن ، عربي ، يعيش معك ، جارك . انتبهوا للدماء ، فالدماء لا تأتي إلا بشر إذا ما أريقت بظلم ، وكم هي تراق بظلم في أيامنا هذه ، كم تراق الدماء بظلم !
أخيراً : ما أروعك يا أيها الإمام العادل يوم دَخلتْ عليك زوجتك الرضية فرأتك جالساً في مصلاك واضعاً خدَّك على يدك ، ورأت دموعك تسيل على خديك ، فقالت : ما لك يا عمر ؟ قال : ويحك يا فاطمة ، قد وُليت من أمر هذه الأمة ما وليت ، فتفكرتُ في الفقير الجائع – ولينتبه المسؤولون – والمريض الضائع والعاري المجهود واليتيم المكسور والأرملة الوحيدة والمظلوم المقهور والغريب والأسير والشيخ الكبير ذي العيال الكثير والمال القليل ، تذكرت هؤلاء وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد فعلمتُ أن ربي سيسألني عنهم يوم القيامة ، وأن خَصمي دونهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم فخشيت أن لا يثبت لي حجة عند خصومتهم فرحمت نفسي وبكيت .
لا نريد أن نعلِّق أكثر مما علقنا ، فهل نتطلع نحن الذين نعيش في هذه البلاد إلى رجلٍ ناجح في التاريخ من أجل أن نأخذ عنه عبراً ودروساً ، وإن لم نأخذ عن أمثال هؤلاء فقولوا لي بربكم عن أي شخص ستأخذون ، أم أنكم أعرضتم عن التاريخ في مساحاته الناجعة ، إذاً فما مرجعكم يا أيها الناس من أجل أن تهتدوا في طريقكم التي تسيرون فيها ؟ أسأل الله أن يوفقنا من أجل أن نتطلع إلى المساحات الناجعة في تواريخنا أو في تاريخ الإنسانية كلها لنفيدَ منها ، فنحن أمة تبحث عن الحِكمة لتأخذها أينما وُجدت ولا تنظر من أي وعاءٍ خرجت ، اللهم وفقنا لذلك ، نِعْمَ من يسأل أنت ، ونعم النصير أنت ، والحمد لله رب العالمين .

التعليقات

شاركنا بتعليق