آخر تحديث: السبت 04 ديسمبر 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
نصرة المظلوم واجب عربي وإسلامي

نصرة المظلوم واجب عربي وإسلامي

تاريخ الإضافة: 2008/01/25 | عدد المشاهدات: 4331

أما بعد فيا أيها الأخوة المؤمنون:

قلت في نفسي وأنا أرى إخواناً لنا هنا وهناك، ولاسيما في غزة، وقد رأيتم أنتم ما رأيت، قلت في نفسي: إنهم مظلومون، ولاسيما الأطفال والنساء والمساكين والفقراء والضعفاء، إنهم مظلومون، وما أعتقد أن أحداً يقول عنهم غير ذلك، وبغضِّ النظر عن الظالم المشارك للظالم الأساس، الظالم الأساس والأصلي والمتفق على ظالميته إسرائيل، وهناك ظالم مشارك، ربما كان هذا الظالم المشارك عربياً مسلماً أو غير ذلك، أنا لا أريد أن أدخل في تحديد الظالم ولاسيما الظالم المشارك، لكنني أريد أن ألفت نظري ونظركم إلى المظلومين، لأؤكد العبارة التي استهللت بها، أوَليس هؤلاء مظلومين ؟ أما ترون هذا الظلم الذي وقع على أطفالٍ ونساءٍ وضعفاءٍ ومرضى ! لقد مات منهم من مات وهو تحت وطأة الظلم، ولقد مرض منهم من مرض بسبب ما ألمَّ به من ظلم، هذا الذي رأيت ورأيتم جعلني أدعو نفسي وإياكم إلى نصرة المظلوم، ولاسيما أيضاً أن المظلومين إخوة لنا، هكذا ندَّعي، إخوة لنا في العروبة، في الدين، في الجغرافيا، في أمور مشتركة كثيرة، فلمَ لا تهبّوا يا إخوتي إلى نصرة المظلومين ؟ وأنا أخاطب كل واحد منَّا من أجل أن يبذل مُكنته فيما يستطيعه، في رفع هذا الظلم الذي وقع على إخوةٍ لنا هناك، ولعل الظلم أيضاً ليس مقصوراً على إخوتنا في غزة، فإن ظلماً كبيراً يلحق بإخوانٍ وإخوة لنا كثيرين في مناطق مختلفة، حتى لا أجعل الكلام كلاماً عاماً غير محدد، لذلك من خلال إخوتنا المظلومين في غزة يمكن أن تعمم هذه المعاني التي سأذكرها على كل مظلوم من إخوتنا المظلومين في بقاع الأرض، وحيث المكان الذي يصل إليه نظرك، وتصل إليه عينك، ويصل إليه حِسّك، ويصل إليه شعورك، ويصل إليه سمعك، وتصل إليه كل حواسك.

فيا أيها الإخوة العرب هذا أولاً، أليس من الواجب علينا، أو أليس من واجب العروبة أن نهبَّ إلى نصرة المظلومين، وأنتم تقرِّون بأن المظلومين عرب ؟ أوما سمعتم أيها العرب بحلف الفضول كما جاء في السيرة النبوية الشريفة في سنن البيهقي وسواه، أن قبيلة هاشم وزهرة وتيم ومنهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن تأتيه الرسالة، اجتمعوا بعدما رأوا مظلوماً يُنتهك عرضه وجاء يناشدهم رفعَ الظلم عنه، اجتمعوا في دار رجل يدعى عبد الله بن جدعان، وقرر هؤلاء المجتمعون العرب أن يكونوا يداً واحدة في مواجهة الظالم، وعقدوا العزم على ذلك، وشكلوا عهداً وحلفاً من أجل تنفيذ هذا، وأضحى هذا الحلف يُعرف بحلف الفضول، وقد قال عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لقد حضرت) بعد الرسالة وقد حدث الناس عما فعل في هذا الشأن، قال: (لقد حضرت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحبّ لو أن لي به حمر النّعم، ولو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت) أي لو أنني أعطيت مكانه، بدلاً عنه حُمُر النعم ما رضيت. حلف عربي وقبائل عربية اتفقت وتعاهدت وتحالفت على أن ترفع الظلم عن المظلوم منهم وممن يواليهم من قبائل أخرى ومن أجناس آخرين، أنا أقول للعرب اليوم استهدوا على الأقل بحلف الفضول، إن لم تُخاطَبوا باسم الإسلام، فباسم العروبة، العروبة تدفعكم من أجل أن تتحالفوا على حلفٍ يماثل حلف الفضول حتى ترفعوا الظلم عن المظلومين، وأعني أولئك الذين يعيشون في غزة المُحاصَرة.

باسم العروبة إذاً أقول لكم هذا، وباسم الإسلام من باب أولى، ما دمتم مسلمين بعد إذ كنتم عرباً، باسم الإسلام أناديكم في أن تتحدوا وتتعاونوا على رفع الظلم عن المظلومين، وبتوجيه من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، سيدنا، وسَنَدنا، وقائدنا، عندما قال كما جاء في سنن ابن ماجه: (هلا مع صاحب الحق كنتم) وأنا أخاطب الشعب والحكومة في كل بلد عربي ومسلم، لا أخاطب الحكومة فقط فلست مُعارِضاً، ولا أخاطب الشعب فقط فلست مع الحكومة في توجيه كلامٍ إلى الشعب وإعفاءِ نفسها من أن تكون مسؤلةً مسؤولية كبيرة، لكنني أتوجه إلى كل الفئات، إلى كل أولئك الذين يقولون عن أنفسهم إذا ما سُئلوا عن هويتهم بأنهم عرب، وبأنهم مسلمون، أقول لهؤلاء: هلَّا مع صاحب الحق كنتم، أقول لهم توجيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما قال: (لا قُدِّست أمة لا يأخذ فيها الضعيف حقه غير مُتَعتِع) أي لا بارك الله في أمة لا يستطيع فيها الضعيف أن يأخذ حقه من غير تعب، ومن غير وَجَل، ومحاولات سلبية لمنع هذا الحق عنه.

هذا توجيه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والنبي يتابع توجيهه في هذا الميدان فلقد وقعت اليوم على حديث يرويه الإمام أحمد وأبو داود، وآمل أن يكون هذا الحديث ماثلاً أمام أعيننا، ومركوزاً في وعينا، يقول صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من امرئ يخذُل امرءاً مسلماً في موضع تنتهك فيه حرمته ويُنتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلماً في موضع ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حُرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته).

هل نخذل إخواننا، وأنا أتكلم عن موقفٍ عامٍ، هل نخذل إخواننا المظلومين بشكل عام في مواطن تنتهك في حرماتهم وينتقص فيه من أعراضهم ؟ هل ننصرهم أم نخذلهم ؟ واسمحوا لي أن أقول عن نفسي وعن الموقف العام بأنَّ موقفنا موقف خذلان، وبالتالي سننتظر الجزاء من ربنا، والجزاء من جنس العمل، خذلانٌ بخذلان، لأن الله كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأكرر: (ما من امرئ يخذُل امرءاً مسلماً في موضع تنتهك فيه حرمته ويُنتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلماً في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حُرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته).

حالنا حال خذلان، يخذل بعضنا بعضاً إن على مستوى البلاد أو على على مستوى الأفراد، أغتنمها مناسبة من أجل أن أقول: أنتَ حينما ترى إنساناً، وهذا الإنسان كما تشهد أنت مسلم بغضّ النظر عن تقواه وورعه، حينما ترى إنساناً يُخذل أمامك، يُنتهك عرضه، وتنتهك حرمته، هل تَهبُّ لنصرته أم أنك تُساهم مع أولئك الخاذلين لتكون معهم مشاركاً في الخذل والخذلان ؟ لا أريد أن أجيب لكنني أدعُ الجواب لكم، فإننا اليوم أمة لا أريد أن أصفها وصفاً غير جيد لكنني أترك الوصف لكم.

إذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوجهنا هذا التوجيه فإنه يدعونا وبكل قوة إلى اتخاذ مواقف المواجهة مع الظالمين قولاً وعملاً، فها هو يقول صلى الله عليه وآله وسلم فيما يخصّ المواجهة القولية كما جاء في مسند الإمام أحمد: (إذا رأيت أمتي لا يقولون للظالم أنت ظالم فقد تُودِّع منهم) وأنا أريد منا ألا نوجه هذا الحديث توجيهاً داخلياً، لعلَّ الكثير منا يوجهون هذا الحديث توجيهاً داخلياً فيجرؤ أن يقول أنت ظالم لأخيه الذي بجانبه لأنه يخالفه في مسألة فقهية أو مسألة كلامية، ولكن مقصود الحديث ليس هذا، وإنما مقصود الحديث والله أعلم أن تقول للظالم الذي استبان ظُلمه والذي وضح ظلمه، وها نحن أولاء نقول: إن الصهيونية لا شك في أنها ظالمة ووضح ظُلمها وأصبح ظلمها بيناً جلياً لا يشك فيه أي إنسان مرتاب فضلاً عن أن يكون إنساناً باحثاً عن الحق، أنا أتمنى من الأمة حكوماتٍ وشعوباً أن يُعلنوا مقولة الظلم ويوجهوها لإسرائيل، أن يقول الحكام والشعوب عبر وسائل مختلفة وبألفاظ متنوعة وبعبارات ملونة، ولكن الفحوى واحدة: أنت يا إسرائيل ظالمة. لقد أخذ بعضنا مثل هذا الحديث عندما رأى نفسه عاجزاً عن أن يقوله للظالم الحقيقي، فقاله لإنسان مثله يؤمن بما آمن ويعلن إسلامه كما أعلن، إلا أنه خالفه في جزئية بسيطة فطبَّق هذا الحديث مع أخيه ونسيَ الظالم الأساس، ونسي الظالم الذي تحققت الإنسانية اليوم ولا سيما العقلاء منها على أنه ظالم، وهم الصهيونية الذين اعتدوا على القدس، وعلى شبابنا، وعلى فلسطين، وعلى لبنان، وعلى الجولان، ويريدون أن يتابعوا اعتداءهم من خلال مقولتهم: من الفرات إلى النيل، فهل من هبَّة يا أيها المسلمون على مستوى الحكومات والشعوب لتقولوا بلسان واحد على الأقل ضمن المواجهة القولية: أنتِ ظالمة يا إسرائيل، قُلها أيها الحاكم في المكان الفلاني، قلها أيها الإنسان يا صاحب المسؤولية والمنصب، قُلها ولنوحّد القول بوصف هذا المعتدي بالظلم في كل بقاعنا وعبر كل وسائلنا الإعلامية، ولا نريد أن نشتغل الآن بالظالم المشارك، فالظالم المشارك هو منا، لا نريد اليوم أن نخالف الأولويات، وأن نشتغل عن الظالم الحقيقي المجرم بالظالم المشارك الذي ربما كان ظُلمه مُحرّضاً عليه، مغرراً به، ولا أريد أن أسوِّغ له أو أبرر له، لكنني أريد أن ألفت النظر وأوحّد الجهود في مواجهة الظالم الذي أعلنا جميعاً بأنه الظالم الأصل الحقيقي المجرم المعتدي الآثم، الذي لا يرعوي عن ظُلمه لا في قليل ولا في كثير.

يقول صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً وهو يدعونا إلى المواجهة العملية للظالم، هنالك مواجهة قولية فلنقلها للظالم، للصهيونية ومن ساعدها ممن هم متصهينون بدينهم وأفكارهم، وأعني الإدارة الأمريكية الفاسدة، لنقل لهؤلاء بأنهم ظالمون، وأعني بـ (لنقل) الشعوب والحكومات ووسائل الإعلام وكل من ينتمي إلى هذه الأمة العربية والإسلامية على اختلاف الأجناس والأعراق.

وهنالك موقف عملي أدعو من يستطيع إلى أن يقوم به وأن يتخذه وأن يقف في مواجهة الظالم، هذا الموقف العملي يقول فيه صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في الطبراني وهو حديث قدسي: (لأنتقمنَّ ممن رأى مظلوماً فقدر أن ينصره فلم يفعل) ويقول صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً كما جاء في مسند الإمام أحمد وهذا موقف عملي نؤكد على ضرورة اتخاذه بالنسبة لمن يستطيع اتخاذه: (من أُذلَّ عنده مؤمن فلم ينصره وهو يقدر أن ينصره أذله الله عز وجل على رؤوس الخلائق يوم القيامة) مؤمنون إخوة لنا يصيبهم الذل صباح مساء، يعيشون في الظلم والظلام، لا طعام لديهم، يفرحون إذا أتاهم فُتاتكم، يفرحون إذا ما أتاهم شيء من نورٍ خافت تبدّدونه أنتم صباح مساء دون حسبان، يفرحون إذا ما جاءهم شيء مما يخلّفه أطفالكم من أطعمة يرمونها هنا وهناك، ينتظرون ويفرحون عندما يأتيهم شيء، واسمحوا لي أن أقول: شيئاً مما ترمونه في حاوياتكم، وقعوا في الظلم والظلام، وذُلوا، ونحن، وأنا أتحدث عنا جميعاً، نستطيع أن ننصرهم، كُلٌ منا بحسب إمكانيته وقدرته، لكننا لا ننصرهم ونكتفي بدعاءٍ باهت، وربما كان الدعاء مُضمَّخاً بشيء من الدموع التي لا تنفعنا، وأنا لا أدعو إلى عدم الدعاء، لكن أدعو إلى عدم الاقتصار على الدعاء، أدعو إلى ضم المواجهة العلنية، أدعو إلى نصرةٍ عمليةٍ لإخوة لنا في كل مكان وقع الظلم والظلام عليهم، فهبُّوا يا بني قومي لنصرة هؤلاء، وإلا فالجزاء كما قال نبي الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإلا فالذل سيكون وينصبُّ علينا يوم القيامة على رؤوس الخلائق.

يا رب نحن إذ ندعو إخواننا وندعوك، ندعو إخواننا من أجل نصرة إخوانهم المظلومين، وفّق هؤلاء، ووفقنا جميعاً من أجل اتخاذ موقف قولي، وموقف عملي، يسفر عن نصرةٍ لمظلومين، لإخواننا في غزة، في فلسطين، في العراق، في كل مكان، في لبنان، في السودان، ولا أريد أن أعدد، فهناك ظلم قد استشرى في كل بلادنا، وأصبحت سمة الضعفاء منا والأطفال والنساء والمساكين، أصبحت سمتهم إضافة إلى ذلك مظلومين، فأين همتكم، وأين إسلامنا، وأين ديننا وشرعنا، أسألك يا رب بحق هؤلاء المظلومين، يا من لا ترد دعوة المظلوم، أسألك بحق المظلومين أن تُفرِّج عن المسلمين وعن المظلومين، أسألك أن توفق المسلمين جميعاً حكومات وشعوباً من أجل أن يهبوا لنصرة المظلوم قولاً وعملاً، حتى لا يُخذلوا ولا يُذلوا يوم القيامة أمام الخلائق، أسألك يا رب بحق أسمائك وصفاتك أن توفقنا لمواقف ترضيك، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ: 25/1/2008

 

التعليقات

شاركنا بتعليق