آخر تحديث: الجمعة 16 أغسطس 2019
عكام


نــــــــــــدوات

   
المسؤولية الأخلاقية الطبية في الإسلام/ نقابة أطباء حلب

المسؤولية الأخلاقية الطبية في الإسلام/ نقابة أطباء حلب

تاريخ الإضافة: 2008/03/18 | عدد المشاهدات: 3596

أقامت نقابة الأطباء (فرع حلب) ندوة بعنوان: الأخلاق الطبية في الإسلام، والمسؤولية القانونية والشرعية للطبيب، في مقر النقابة بحلب يوم الثلاثاء: 18/3/2008. شارك فيها:

الدكتور الشيخ محمود عكام مفتي حلب، والدكتور شواخ الأحمد عميد كلية الحقوق بحلب، والدكتور أحمد عبد الدايم نائب عميد كلية الحقوق بحلب، وأدار الندوة الطبيب فريد زيدان.

ألقى الدكتور عكام في بداية الندوة ورقة بعنوان: المسؤولية الأخلاقية الطبية في الإسلام، تحدث في بدايتها عن ثلاثيتين سماهما: (ثلاثية الترقّي)، و(ثلاثية التردّي)، أما ثلاثية الترقي فهي: بشرية، وإنسانية، ورحمة. أما ثلاثية التردي فهي: بشرية، وحيوانية بهيمية، وظلم.

ثم وضح الدكتور عكام العلاقة بين المسؤولية القانونية والأخلاقية، معتبراً أن الحد الأدنى من الأخلاق هو القانون... وفيما يلي النص الكامل.

 بدايةً أهنئكم بالأعياد الثلاثة: عيد المولد، وعيد المعلم، وعيد الأم. وأسأل الله عز وجل أن يوفقنا لنكون على مستوى الاتباع لصاحب ذكرى المولد، وعلى مستوى المعلم الذي يقدم الخير للناس، وعلى مستوى الأم لعطائها الإيثاري.

أشكر نقابة الأطباء ممثلة بنقيبها ومجلس إدارتها على هذه الندوة التي تصبّ في مصبِّ الأخلاق.

أيها الإخوة، أيتها الأخوات:

اسمحوا لي أن أقدم للحديث عن الخلفية الفقهية بالحديث عن خلفية فلسفية إسلامية، عن رؤيةٍ لعمق أخلاق المهنة بشكل عام، ثم بعد ذلك من خلال سحابة أخلاق المهنة بشكل عام نستمطر البنود المتعلقة بأخلاق مهنة الطب، هذا الكلام سيكون واضحاً أكثر بعد أن تسمعوا الكلام الذي سأقوله لكم.

منذ زمنٍ غير قريب كنت أفكر في ترقي الإنسان وفي ترديه، فوصلت بعد بحث متواصل لفترةٍ طويلة إلى ثلاثيتين، سميتهما ثلاثية الترقي، وثلاثية التردي. أما ثلاثية الترقي فهي بشرية، إنسانية، رحمة, وأما ثلاثية التردي فهي بشرية، لأن البشرية هي الحد المنطلق منه، بشرية، حيوانية بهيمية، ظلم. وسأتحدث عن ثلاثية الترقي فقط.

بشرية تُستغرق بالإنسانية وتغطّيها، لم يعد هناك بشرية بل تتحول إلى إنسانية، وهذه درجة رقي، ثم هنالك ترقٍ أكثر إذ تستغرق الرحمةُ الإنسانيةَ، وتُستغرق الإنسانية في الرحمة، وقد قال ربي عز وجل: (إني خالق بشراً من طين. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) إنسانية، بعد ذلك الإنسان الأكمل. من خلال التقصي والبحث عرفنا أن الأنبياء هم أناس كاملين، وبالنسبة لنا نتكلم عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باعتباره خاتم الأنبياء، فنسميه الإنسان الأكمل، وقد وُصف في القرآن الكريم بالرحمة فقال الله عز وجل عنه: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). بشرية ارتقت إلى إنسانية، ارتقت الإنسانية إلى رحمة، وفي القرآن الكريم آية أخرى تقول: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) بعض المفسرين قالوا بأن الأرض هي الجنة، لكني لست مع هذا الرأي، أنا مع من يقول بأن الأرض التي نحن عليها يرثها وراثة صحيحة، الأرض وما عليها، عمارة الأرض، قيومية الأرض، الذي يرث الأرض بجدارة هم الصالحون، والسؤال الذي طرحته على نفسي: من هم الصالحون الذين ورثهم الأرض بجدارة ؟ تابعت قراءة الآية فوجدت (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون. إن في هذا لبلاغاً لقومٍ عابدين. وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) فصارت لدي المعادلة: الأرض يرثها عبادي الصالحون، والصالحون هم الرحماء، الرحيم هو الذي يتولى وراثة الأرض من أجل أن تتجه نحو الاستقامة الفضيلة الخيرية... ولكن ما المقصود بالرحمة ؟ بعد بحث طويل أيضاً وصلت إلى تعريف للرحمة، وهي: عطاء نافع برفق. إن أعطيتَ عطاءً نافعاً برفق فأنت رحيم، وتكون قد حزت قمة الترقي في الثلاثية التي ذكرناها.

اسمحوا لي أن أقول: نريد من الطبيب أن يكون رحيماً حتى يتسنَّم سدة المرحلة العالية الراقية لهذه الثلاثية، فنحن نريد أن نتحدث عن طبيب رحيم حينما نتحدث عن أخلاقية في الطب، وما دمنا عرفنا الرحمة بأنها عطاء نافع برفق، فالطبيب يجب أن يعطي عطاءً نافعاً برفق، عند ذلك يكون قد وصل إلى ما يسمى بقمة الأخلاق الطبية، نريد أن نفند العطاء النافع برفق من الطبيب فنقول: كل فعلة على الإطلاق لها مستويان، مضمون وأسلوب، مثال: لك عليَّ دين ألف ليرة، فتطالبني بها. أحمل الألف وأعيدها بشكل غير جيد، فظّ، أكون قد أعطيتك الدَّين، أدّيت الفعلة على المستوى المضموني، لكني على المستوى الأسلوبي ما نفّذت.

نعود للطب، وهو مجموعة أفعالٍ، لها مستويان: مضموني وأسلوبي. المستوى المضموني أن يكون عارفاً المعرفة الجادة والخبرة الداعمة، أما المستوى الأسلوبي فالرفق. وقد رأيت حديثاً في مسند أحمد وغيره عن أبي رمثة قال: انطلقت مع أبي وأنا غلام، إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: فقال له أبي: "إني رجل طبيب، فأرني هذه السلعة التي بظهرك"، قال: (وما تصنع بها ؟) قال: "أقطعها" قال: (لست بطبيب، ولكنك رفيق، طبيبها الذي وضعها) معرفة جادة، وخبرة داعمة.

أما الرفق فإننا نبنّد هذا الأمر بالأمور التالية:

1- على الطبيب أن يقصد وجه ربه: هناك قضية اختلف فيها الفلاسفة في العصر الحديث والقديم، لكنها محلولة عندي، قالوا: هل العلم هو قيمة القيم أم هناك قيمة تحكمه ؟ انقسم الفلاسفة قسمان، منهم من قال: العلم قيمة القيم، بينما قال آخرون يجب أن تكون هناك قيمة تحكم هذه القيمة. أما بالنسبة لي فوجدت حديثاً في الطبراني يقول فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا أتى عليَّ يوم لا أزداد فيه علماً يقربني إلى الله فلا بورك لي في شمس ذلك اليوم) القيمة التي تحكم العلم هي القرب من الله، ويمثله الصالح العام. حينما نقول على الطبيب أن يقصد وجه ربه، أي نفع الأمة. هذا هو الإخلاص يجب أن نشخصه وهو أن تقصد نفع الأمة التي تشكل أنت فرداً من أفرادها.

2- التأكد من معرفته وخبرته في القضية المعالجة: (على مثل الشمس فاشهد وإلا فدع) إن كنت عالماً ومتأكداً من كونك عالماً فباشر، وإلا قل لا أدري.

3- المخاطبة على قدر العقول وتحديث الناس بما يعرفون من حيث التأني في سماع المريض وهو يحكي مرضه، ومن حيث إيناس المريض، ومن حيث مراعاة الوضع المادي للمريض، ومن حيث مراعاة المكانة الاجتماعية للمريض.

4- أن يكون على علمٍ بمبادئ دينه المتعلقة بمهنته، وهنا نسأل: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) أيَّ علم ؟ أقول: العلم الشرعي المكتنف للمهنة التي أنت فيها. المفروض أن يكون الطبيب عالماً بالفقه الملامس لمهنته، أن يكون أفقه مني، لأنه يمارسه فأنا لا أستطيع أن أقدم أحكاماً فقهية تتعلق بالطب أكثر من الطبيب نفسه، بل على العكس، حينما أفتي في قضية طبية أسأل الطبيب.

5- عليه أن يشكل مع زملائه عنوان الأخوة المطلوبة التي تفرز التعاون والتباذل...، (إنما المؤمنون إخوة) هذه الآية إما أن نقرأها على أنها قصة وقعت وانتهت، وإما أن نقرأها على أنها طلب يجب أن نتحقق به، والأولى بالتحقق أبناء المهنة الواحدة، فهم أولى من غيرهم في مجالهم.

6- تفعيل الضمير، بل تفعيل محكمة الضمير: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يسمى وابصة، استقبله النبي وقال: (تسألني أن أخبرك ؟ فقال: أخبرني يا رسول الله. قال: (جئت تسأل عن البر والإثم ؟) قلت: نعم. قال: (يا وابصة: البر ما اطمأنّ إليه القلب، واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في نفسك، وتردد في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس،  استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك) لا يمكن للإنسان إذا لم يفعّل محكمة الضمير أن يتحدث، ولا يمكن أن يتخلق بالأخلاق الطبية، فنحن نريد تحكيم محكمة الضمير التي تفتح أبوابها 24 ساعة، أما المحكمة العادية فتغلق أبوابها عند نهاية الدوام، أما محكمة الضمير فتعمل دائماً، بل وأنت نائم ترى في منامك ما كنت قد قصّرت به.

هذا ما أردت أن أقوله في هذه القضية...

 

وفي سؤال حول العلاقة بين الأخلاق والقانون، أجاب الدكتور عكام:

أريد هنا من خلال الأخلاق والقانون تأصيل، ولا أريد أن نتكلم عن مفردات. فما العلاقة بين الأخلاق والقانون ؟ الأخلاق هي ما يجب أن تكون عليه، أما القانون ما لا يجوز أن تخالفه. فالحد الأدنى من الأخلاق قانون، والحد الأعلى من الأخلاق أخلاق. نحن الآن نتكلم عن القانون، ويجب أن يفهم الناس الذين يعيشون في بلد ما الحد الذي لا يجوز لهم أن يتجاوزوه، وإلا فهناك مؤيدات عقابية مادية، مؤيدات الأخلاق بالنسبة لنا معنوية أخروية اجتماعية، لن نعرض كل ما جعبتنا من قوانين تتعلق بالطب، لكن أريد أن تكون هذه الندوة في النهاية شيئاً مؤصلاً، وأعتقد أن الإخوة الأطباء على بينة من أمرهم فيما يتعلق بالقانون والأخلاق، لكني أريد أن ألخص:

نحن نريد التصعيد والارتقاء من البشرية، للإنسانية، للرحمة. ولا نريد أن تتجاوزوا القانون. عندما تسعون من أجل التخلق بالأخلاق، بالقمة، فلكم ثواب أخروي ودنيوي. الثواب الأخروي كبير عند الله، والثواب الدنيوي سمعة طيبة، تنعكس عليكم رزقاً وتقديراً..

نحن نناشد الأطباء في أن يضعوا مسافة الأخلاق نصب أعينهم، وأن لا يضعوا مسافة القانون أمام أعينهم، أي أن يبقوا في النظر إلى فوق القانون ولا ينظروا إلى القانون لأن من يطلب علامة الستين يحصل على الثلاثين، نحن نريدهم أن يطلبوا المئة ليحصلوا على الستين أو الخمسين. نحن نقدم الرؤية الأخلاقية، وأرجو أن يُقنِّن الأطباء هذه الرؤية في أذهانهم ويسيروا على الرؤية الأخلاقية على اللغة الإحسانية: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) وهذه الندوة مناشدة للأطباء ليقوموا بعملهم على ضوء المعايير الأخلاقية التي أفرزها دينهم إن كانوا مسلمين أو مسيحيين، أفرزتها عروبتهم، وعرقهم. المهم كل الأعراق والديانات متفقة على شيءٍ يسمى الأخلاق بالمنحى العام.

 

ثم ختم الدكتور عكام تعقيبه على المداخلات والأسئلة بقوله:

أنا أشكركم، لكني من خلال ما سمعت من الأطباء الكرام، شممت رائحة خطّائين يحاولون الدفاع عن أنفسهم، وما شممت رائحة من يريدون ترقية أنفسهم، شممت رائحة خطّاءٍ يدافع عن نفسه كأنه مصمم على أن يبقى في حدود الخطأ، وما شممت رائحة من يريد أن يطالب نفسه بالأرقى هذا أولاً.

ثانياً: لي كلمة في كتاب قلت فيه: "احذروا الأنصاف، احذروا نصف سياسي يذهب بالبلدان، ونصف طبيب يذهب بالأبدان، ونصف شيخ أو عالم ديني يذهب بالأديان" لكي نحذر هؤلاء الأنصاف علينا أن نربي الإنسان على شيئين بغض النظر عما سيكون عليه في المستقبل، علينا أن نربيه على الحس بالمسؤولية، ومشكلتنا بأن الطالب في المرحلة الابتدائية لا يتربّى على الشعور بالمسؤولية، ولئن قال من قال أنا أفكر إذن أنا موجود، فأنا أقول من خلال مقولات الإسلام: أنا أشعر بالمسؤولية إذن أنا موجود. من لم يشعر بالمسؤولية التي أنيطت به فليس بموجود، وثانياً تربيته على الرقابة الضميرية التي تعني: ( أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك).

أختم حديثي بقصة نقلت عن أبي حنيفة وقد رأى ولداً عثر، فقال له: لا تعثر يا غلام. فقال الغلام: يا إمام إن عثرت أنا فإنما زلتي على نفسي، ولكن إياك أن تعثر أنت، لأنك إن زللت زلت أمة من ورائك.

التربية على الحس بالمسؤولية، والتربية على رقابة الضمير، واحذروا الأنصاف، ولا أريدكم أن تدافعوا أنفسكم فيجب أن نواجه أنفسنا، ولا تخصصوا ندوةً للدفاع عن أنفسكم بل أريدكم أن تخصصوا ندوة من أجل أن تلوموا أنفسكم، لأن النفس اللوامة هي التي توصلك إلى النفس المطمئنة، والنفس الراقية، أما المدافعة عن ذاتها ستصل إلى أقلّ ما هي عليه. آمل أن نعيش النفس اللوامة حتى نصل إلى المطمئنة، والسلام عليكم.

التعليقات

شاركنا بتعليق