آخر تحديث: الأحد 14 يوليو 2019
عكام


مـــــــــؤتمرات

   
الدكتور عكام يتحدث عن الرحمة في مدينة الباب

الدكتور عكام يتحدث عن الرحمة في مدينة الباب

تاريخ الإضافة: 2008/03/28 | عدد المشاهدات: 3473

ألقى الدكتور الشيخ محمود عكام كلمة بمناسبة الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في جامع عمر بن عبد العزيز في مدينة الباب، مساء يوم الجمعة: 28/3/2008 وفيما يلي نص الكلمة:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ذكرني أخي الشيخ الذي قدَّم الحفل بأبيات الشيخ يوسف النبهاني رحمه الله، وها أنذا أقولها:

يا رب إني في جوارك لائذ وبحصن عفوك من عذابك عائذ

ولديك جاه المصطفى هو نافذ فله التجأت فلن أرى محروماً

صلوا عليه وسلموا تسليماً

اللهم صل وسلم وبارك وعظّم هذا النبي وعلى آله وصحبه وسلم.

يا أبناء هذه المدينة، قلت لكم منذ عشرة أيام: كل عام وأنتم بخير، وها أنذا أردد على مسامعكم التهنئة بذكرى المولد العظيم، بذكرى مولد السيد السند العظيم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فكل ذكرى للمولد وأنتم بخير، وأسأل الله لهذه البلدة ولبلادنا كلها الحماية والرعاية والتوفيق والعز والسؤدد والمجد والازدهار، وأسأل الله أن يوفقنا من أجل أن نكون أدوات خير لله، لأرضنا، لشعبنا، لكل ما ومن نلوذ به.

اسمحوا لي وأنا أمامكم أن أتحدث عن إنسانٍ يبتغي الترقي من أجل أن أضع أمام حضراتكم قاعدة تكون معياراً لنا من أجل أن نستشعر التحسّن ساعة فساعة ويوماً بعد يوم، فمن استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان يومه كأمسه ولو كان أمسه جيداً فهو مغبون، ومن كان غده كيومه هذا ولو كان يومه هذا ممتازاً فهو مغبون وهذا يعني: يجب أن تكون اليوم أفضل مما كنت عليه بالأمس وأن تكون في الغد أفضل مما كنت عليه اليوم، لا وقوف. إما أن تتقدم وإما أن تتراجع، و "إذا أتى علي يوم لا أزداد فيه علماً يقربني إلى الله فلا بورك في شمس ذلك اليوم".

هنالك كما صنفت بيني وبين نفسي ثلاثيتان: ثلاثية الترقي وثلاثية سميتها ثلاثية التردي، أما ثلاثية الترقي بالنسبة للإنسان فتبتدئ من البشرية وترتقي إلى الإنسانية وترتقي إلى الرحموية، أما ثلاثية التردي فتبتدئ بالبشرية ثم تنحدر وتتردى إلى البهيمية ثم إلى الظلم، وهذه الثلاثية تقابل ثلاثية الترقي. لن أتحدث عن ثلاثية التردي ولكن سأتحدث عن ثلاثية الترقي البشرية الإنسانية الرحموية.

أريد من نفسي ومنك أن ننظر إلى حالنا في أي المراتب أنت، هل أنت في مرتبة البشرية أم في مرتبة الإنسانية أم في مرتبة الرحموية ؟

الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المحتفى بمولده ارتقى فحاز المرتبة الأعلى، كان الرحمة، انتقل من البشرية إلى الإنسانية إلى الرحمة، الله عز وجل قال: (إني خالق بشراً من طين) هذه بشرية (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) هذه إنسانية ثم بعد ذلك يرتقي هذا الإنسان ليكون الرحمة وقد كانها صلى الله عليه وآله وسلم عندما قال ربي عز وجل عنه (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وإذا أردنا أن نتوسع في القول نقول بأن بشريته صلى الله عليه وآله وسلم استغرقت في إنسانيته، وإن إنسانيته استغرقت في رحمويته، بشرية إنسانية رحموية، النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما وصف نفسه كما في الدارمي بسند حسن: "إنما أنا رحمة مهداة" لم يعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنساناً يقف عند حدود الإنسانية بل أصبح رحمة "إنما أنا رحمة مهداة" قالها صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن قال عنه ربه: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وقال أيضاً صلى الله عليه وآله وسلم: "أنا نبي المرحمة".

قلت منذ سنة، الله عز وجل قال: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) قلت لبعض الإخوة في جامع التوحيد: فكِّروا من هم الصالحون الذين يرثون الأرض ؟ من هم الصالحون الذين يرثون الأرض بجدارة ؟ فكرت فيهم، من هم، ولما تابعت قراءة الآية وجدتها تقول: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون. إن في هذا لبلاغاً لقومٍ عابدين. وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) فوقع في نفسي أن الصالحون هم الراحمون، وأن أصلح الصالحين هو الرحمة عليه الصلاة والسلام، ولذلك استحق وراثة الأرض بجدارة فورثه الله عز وجل الأرض لأنه غدا رحمة. يا أمة الرحمة ألا تريدون عيش ثلاثية الترقي، إذا كان الجواب نعم فهيا إلى التخلق بالرحمة من أجل أن نرث الأرض ومن أجل أن نكون على مستوى وراثة الأرض، لكننا نرى اليوم أن الرحمة تكاد تكون شبه مفقودة بيننا، فلا الرجل يرحم المرأة ولا المرأة ترحم الرجل ولا الأب يرحم ولده ولا الولد يرحم أباه ولا الحاكم يرحم محكومه ولا المحكوم يرحم الحاكم ولا الأستاذ يرحم تلميذه ولا التلميذ يرحم أستاذه و... وهكذا دواليك، لقد قسا بعضنا على بعض وأصبحنا نتوجه بالرحمة إلى سوانا، إلى من يجب أن نكون معهم على غير صفة الرحمة من حيث التمظهر، لقد استمعنا إلى قارئنا عندما قال: (أشداء على الكفار رحماء بينهم) عكسنا الأمر فأصبحنا أشداء فيما بيننا رحماء على الكفار، لماذا لا تكون الرحمةُ الأرضَ التي نمشي عليها، السماء التي تظلنا، الخبز الذي نأكل، الحياة التي نعيشها لماذا لا تكون الرحمة هي العلاقة بيننا جميعاً على كل المستويات ورسولنا هو الرحمة ؟ وقلت في مناسبة سابقة تسألني عن الرحمة، ما الرحمة ؟

الرحمة تعني بكل بساطة: "عطاء نافع برفق". إن أعطيت عطاءً نافعاً برفق فأنت رحيم وأنت حزت قمة الترقي في الثلاثية التي ذكرناها. أرأيتم إلى الرحم لمَ سمي رحماً ؟ لأنه عطاء يتدفق على الجنين من الأم من جسم الأم يتدفق عليه العطاء النافع بحنو سمي هذا المحَضَن رحم لأنها تعطي عطاءً نافعاً برفق، هل تعطي ولدك عطاء نافعا برفق هل تؤدبه ؟ هل تهذبه برفق ؟ هل أنت أيها الولد تبر والديك ؟ والبر عطاء نافع برفق يتوجه به الولد لوالده هل أنت ممن يستحضر الآية القرآنية: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً) هل تعطي لجارك ويأمن جارك بوائقك ؟ لأن مَنْ تحب وهو ربك ولأن من تحب وهو نبيك قال لك أعط بدون حدود، وكان جبريل يوصي محمداً الرحمة المهداة بالجار حتى ظن سيدنا محمد أن الجار سيرث الجار من كثرة ما أوصى جبريل بالجار. نحن نعيش احتراقاً من ألم يأتيني من جاري، ويعيش جاري احتراقاً من ألم يأتيه مني وهكذا دواليك: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، من لا يأمن جاره بوائقه" أين هذا ؟ عطاء نافع برفق الجار للجار والولد للوالد والأستاذ للتلميذ "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ويعرف لعالمنا حقه"، "تعلموا العلم وتواضعوا لمن تعلمون منه"

من منا يعجل الصلاة لسماع بكاء الصغير ؟ كان نبينا عليه الصلاة والسلام يقول: "إني لأدخل في الصلاة أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه" فليرحم بعضنا بعضاً، ليعط بعضنا بعضاً عطاءً نافعاً برفق: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك).

احتفالنا بمولد الرحمة ينبغي أن يكون دافعاً لنا من أجل أن نتراحم "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" يرحمُكم لأن الله يرحمكم باستمرار، ويرحمْكم جواب طلب إن رحمتم من في الأرض يرحمكم من في السماء، أتريدون أن يرحمنا مَن في السماء ؟ كلنا يشكو قلة المطر أتريدون ان يزيد ربي في رحمته لكم ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء وليرحم كل منا الآخر وليقدم العطاء النافع برفق بإحسان والإحسان هو المرتبة الرائعة في إسلامنا الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

أقول دائماً بأن كل فعلة لها مستويان مضمون وأداء، يعني إذا كان لك علي دين تطلب مني الدين فأخرج هذا الدين وأعطيك إياه بشكل فظ، من حيث المضمون نفذت ما علي لكن من حيث الأسلوب لم أقم بما يجب أن أقوم به من حيث الأسلوب ونحن في أحسن أحوالنا نقوم بالمستوى المضموني ولا نقوم بالمستوى الأدائي وهو الأداء الأمثل لما أريد أن أقوم به.

الصلاة مثلاً لها مستويان مضمون تقوم بالأركان وأسلوبي أن تحسن القيام بالأركان ما الذي يدفعك أن من أجل أن تؤدي الصلاة بالشكل الأمثل ؟ عندما تشعر بأنك مرئي راقب صلاتك بينك وبين نفسك وراقبها عندما تكون أمام الناس، عندما تكون بينك وبين نفسك تسرع في الصلاة وتقرأ قصار السور وربما لا تطمئن في الركوع في السجود... لكن عندما تصلي في المسجد وتشعر بأنك مرئي من قبل الآخرين تُحسِن الصلاة تتأني في قراءتك في ركوعك في سجودك، يقال لك يا ويحك عندما كنت بينك وبين نفسك لم تصلِّ هذه الصلاة لقد حسنت من أداء الفعل وأنت أمام الناس ستقول لأنني مُشاهَد هذا صحيح ولكن حينما تكون بينك وبين نفسك يجب أن تكون بنفس الأمر لأنك مُراقب من قبل ربك، هل كان من فارق بين أداء النبي للصلاة بينه وبين نفسه وبينه وبين الناس ؟ أنا ما أظن بل أعتقد أن أداءه صلاته بينه وبين نفسه من حيث الأسلوب أرقى مما هو عليه بينه وبين الناس، لأنني سمعت وأنا صغير دعاءً وارداً عن النبي في بعض الكتب يقول فيه: "اللهم اجعل سريرتي خيراً من علانيتي واجعل علانيتي صالحة".

خلاصة الأمر الرحمة الرحمة، الإحسان الإحسان: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليُحدَّ أحدكم شفرته، وليُرِح ذبيحته".

يا رب وفقنا من أجل أن نكون على مستوى الرحمة وفقنا من أجل أن نكون عندما نؤدي الفعلة التي أمرنا بأدائها عندما نكون في خلوة بيننا وبين نفسنا أن نؤديها أفضل مما نؤديها بين الناس، لأن الإنسان الذي يراقب الله يمكن أن يكون منبع رحمة، اللهم اجعلنا كذلك، وأكرر تهنئتي لأهل هذه البلدة وكل عام وأنتم بخير، والسلام عليكم ورحمة الله.

التعليقات

شاركنا بتعليق