آخر تحديث: السبت 07 كانون الأول 2019
عكام


مـــــــــؤتمرات

   
الدكتور عكام يستقبل نائب السفير البريطاني بدمشق

الدكتور عكام يستقبل نائب السفير البريطاني بدمشق

تاريخ الإضافة: 2008/04/07 | عدد المشاهدات: 1991

استقبل سماحة الدكتور الشيخ محمود عكام مفتي حلب في مكتبه بدار الإفتاء يوم الاثنين: 7/4/2008 نائب السفير البريطاني بدمشق السيد عرفان صديق، بحضور القنصل الفخري البريطاني بحلب السيد ألكسندر أخرس.

رحب الدكتور عكام في بداية اللقاء بالضيف، وحدثه عن التاريخ الثقافي والإنساني لمدينة حلب، وعن جمعها لتنوعات مختلفة ديناً وعرقاً ولغة، وأنها أنموذج للعيش المشترك، ثم حدثه عن الدَّور الذي تقوم به المؤسسات الدينية، وعن التطرف والاعتدال، وعن مواضيع أخرى عدة... ثم قدم له نسخة من كتابيه: [الإسلام والإنسان]، و: [التطرف والاعتدال]، ونسخة فاخرة من المصحف الشريف. وفيما يلي نص اللقاء:

نائب السفير: هذه الزيارة الأولى، لي وأحب أن أتعرف على بعض الشخصيات، وعلى الوضع والنشاطات وإمكانية التعاون مع بعض المؤسسات الدينية في سورية لتعزيز خبرتنا في دور الإسلام والتخاطب والحوار بيننا وبين الجاليات الإسلامية في بريطانية.

الدكتور عكام: أهلاً وسهلاً بكم، ويشرفنا أن تأتونا زائرين وضيوفاً أعزاء في حلب، مدينة العلم والثقافة، ليس لأني حلبي، ولكن فعلاً حلب تمتاز بتاريخها الثقافي العريق وتاريخها الإنساني حيث كانت المركز الوحيد الذي يجمع تنوعات مختلفة ديناً وعرقاً ولغة وأصلاً، ولا زالت إلى الآن تجمع تنوع من حيث الدين والأصول والهجرة فعندنا كل شيء مسلم، مسيحي، يهودي، بوذي... ومن حيث الجنسيات عرب وأتراك وأكراد وشراكس وأرمن، ومن كل القارات بنسب متفاوتة، وأثبتت حلب من خلال مسيرتها أنها نموذج للعيش المشترك، وهذا ليس مجاملة، لكنه واقع.

على كل: الوضع جيد، ويوجد تعاون بين أفراد الشعب، والحوار بين الأديان قائم، والتعاون والتزاور والعلاقات الطيبة قائمة منذ زمن، والمؤسسة الدينية إلى حدٍ ما تقوم بدور مقبول، دور جمع الناس على قيم مشتركة.

ونحن نقول للشيوخ من خلال اجتماعاتنا معهم: لا تتكلموا باسم الإسلام، وتكلموا باسم الإنسان، لأنكم حينها تتكلمون باسم الإسلام، لأن الإسلام إنسان قبل أن يكون إنسان، والإسلام يريد الإنسان قبل أن يريد الإنسان المسلم، ولأن الله عز وجل خاطب الناس في آيات كثيرة ودعانا أن نقول للناس لا للمسلمين فقط: ﴿وقولوا للناس حسناً﴾ فأغلب توجيهاتنا نحن في الافتاء، المؤسسة الدينية التي هي المرجعية في البلد عن الدين والعلاقات الدينية، توجيهاتنا للتابعين لنا: لتكن لهجتكم لهجة إنسانية واسعة، لا نريد أن نخاطب فرداً بل نريد مخاطبة الإنسان، ونريد من المواطن هنا أن يكون إنساناً. وحتى أنا في حفلات المولد التي نقيمها هنا تحدثت في كلها وقلت: هناك ثلاثيتان أسميتهما: "ثلاثية الترقي وثلاثية التردي" قلت لهم: ثلاثية الترقي: بشر، إنسان، رحمة، وثلاثية التردي: بشر، حيوانية وبهيمية، ظلم وقسوة...، البشرية إما أن تترقى وإما أن تتردى، وقلت لهم إسلامنا يدعو البشرية إلى أن تترقى، فتذوب البشرية في الإنسانية، وتذوب الإنسانية في الرحمة، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سماه الله عز وجل في القرآن الكريم رحمة: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ وليس للمسلمين، بل للمخلوقات جميعها، للحيوانات، للبيئة، لكل شيء. كنت أدعو الشيوخ والحاضرين قائلاً لهم: بشر، إنسان، رحمة. والرحمة تعريفها: "عطاء نافع برفق" أن تعطي كل الناس برفق. إن أعطيت برفق حيث أنت فأنت رحيم، والمطلوب منك أن تكون رحيماً، هذا الخطاب نحاول توسعته كي يكونَ السائد لأن الدين له تأثير كبير، ونريد أن نُفهِم الناس بأن الإنسان عندما يتردى في الحضيض من التردي ألا وهو القسوة والظلم حتى ولو ظلمَ حيواناً، لأن النبي يقول عن امرأة: (دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض) ظلمت هرة فكيف يمكن لكم أن تظلموا إنساناً. ولما نسمع بأن كارثة طبيعية أصابت أمريكا نتحدث عنها ونقول أصابت أناساً، ونسأل الله لهم ألا يزدادوا سوءاً، ولا نقول، وأقول للشيوخ: أي منكم يشمت فقد خرج عن إنسانيته وبشريته وصار ينحدر إلى الحضيض، أكثركم رعاية للإنسان أكثركم قرباً من الإسلام، هذا الخطاب نريد أن نعممه هنا من خلال المدرسين الدينيين ومن خلال الخطباء ومن خلال المدارس، لكن كل حياة لها استثناء وهناك من يتطرف يساراً فيواجهه من يتطرف يميناً، هؤلاء ليسوا الأصل لكنهم للأسف يتحدثون بلغة القوة، ومن يتحدث بلغة الحوار والمنطق عندما يرى السلاح يخاف، وكنا نأمل من الشعوب المتقدمة، وقد استقبلنا وفوداً عدة من كل الدول على مستوى وزراء وسفراء وقلنا لهم: نحن نريدكم أن تكونوا بالنسبة لنا أنموذج للتعايش الجيد، ولا تندموا على إنسانيتكم الجيدة. أنا درست في فرنسا، وحينما أتحدث الآن عن إنسانية جيدة أقول في فرنسا كذا... لكني في الفترة الأخيرة، قلت للسفير الفرنسي: ما عاد وضع فرنسا يسعفني من أجل أن أستشهد بها. لما كنا هناك كنا نستشهد بالحرية بالديمقراطية بالسَّعة بعدم العنصرية بالتعامل الواحد وهذا شيء جيد، ولما رأيتك وأُخبرت بك وأنك من أصل غير بريطاني، هذا بالنسبة لي نقطة أستشهد بها على ديمقراطية بريطانية، وأنا جادٌّ في هذا. هناك حركة في بريطانية من أجل رعاية الجالية الإسلامية يتحدثون عنها شيء جميل لهم هم، يشكلون أنموذجاً جيداً، كنا نتحدث عن أمريكا لكننا الآن للأسف نحن حزينون لأنها لم تعد الأنموذج الجيد، وقد قلنا هذا لبعض الشخصيات الأمريكية التي زارتنا نحن نتمنى أن تبقى أمريكا النموذج الجيد من حيث التقانة ومن حيث النواحي الإنسانية والرعاية والسلام. نريد أن نعيش في أسرة إنسانية واسعة نحن لا نعتقد أن العالم كله مُلخص في العالم العربي أو الإسلامي نريد أن نعيش في العالم كله بتنوع وليكن المسؤول هو الأكثر إنسانية والأكثر علماً ومعرفة، لكن أن يكون المسؤول هو الأكثر امتلاكاً للقوة فهذه مشكلة.

نائب السفير: حلب كمدينة مشهورة بالتنوع والتسامح، كيف نتعامل نحن في مثل هذا التنوع خصوصاً بعد ظهور التطرف ؟

الدكتور عكام: لم أرى شيئاً أقوى من مواجهة المتطرفين، من أن نتعامل معهم بشكل حسن، وإن كنا سنقدم ضريبة كما قال القرآن الكريم، وأنا أقول: الإنسان شخصيتان إما مستوعِب وإما مستوعَب، وربي قال: ﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾ والرسول صلى الله عليه وسلم كما في السيرة حين يقول أحد الصحابة رأيت النبي يحكي نبياً من أنبياء بني إسرائيل ضربه قومه حتى أدموه فجعل يمسح الدم عن جبينه ويقول: اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون. ما وجد أفضل من معالجة المتطرفين من استيعابهم، أن تحاورهم ولو أدى ذلك إلى تقديم بعض الضريبة، والأنبياء قدموا ضرائب حتى من أنفسهم، فالنبي عليه الصلاة والسلام ضربوه بالحجارة وأدموه وعلى الرغم من هذا قال: (اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون)، المتطرف لا يُداوى إلا بالرد الحسن، لا يُدَاوى بالقمع، لأنك إن أردت قمعه فستقوي التطرف عندك أنت، لذلك لا يداوى التطرف إلا بالتسامح وبالتسالم، ونحن نحاول أن نسلك هذا الطريق وأنا أحاول أمام الجماعات الذين يتشددون جداً، فالجمعة الماضية كنت في جامع أحضر حفلاً، وبعد أن خرجت من الجامع ومدحني أكثر من عشرين شخصاً، ثم قال لي أحدهم: كيف تقول هذه الفكرة وهي غير صحيحة ؟ قلت له: أنا قلتها، وإن كانت غير صحيحة فجزاك الله خيراً، وإذ به يعود إلى الوضع الطبيعي وقلت له إن كان عندك كتابة حول هذا الأمر فقل لي وأنا أستمع، وكان بإمكاني ان أشير إلى بعض الأشخاص فيضربونه، لكني قلت له معك حق لكن انتظر حتى أقرأ هذه الفكرة بشكل جيد وسأخبرك إن شاء الله. أما هؤلاء العشرون معجباً فازدادوا إعجاباً، وجاءني البارحة بعضهم وقالوا: فعلاً لقد استوعبته. وقد كتبت هذا في مقالاتٍ مختلفة، وسأقدم نسخة لكم عن كتابي: [التطرف والاعتدال] وقد قلت قيه: "على الحكومات وهي بمثابة الآباء، وهؤلاء المتطرفون بمثابة الأبناء، وإذا كل ابن تطرف قليلاً سيقتله الأب، ستكون عندنا مشكلة كبيرة، ولن تكون هنالك ذرية".

نائب السفير: هذا الكلام جيد، في معاملاتنا يجب أن نكون أنموذجاً لهم، لكن في هذا الوقت ما لدينا طريقة اتصالات مباشرة معهم، خاصة أنه يوجد لدينا في بريطانية مشكلة مع مجموعة من الجاليات المسلمة، كيف نقدم لهم رسالة واضحة عن إمكانية الحوار معهم ؟ نحن نريد أن نكون على علاقة جيدة مع مؤسسات دينية جيدة كي نأخذ خبرتهم ورسالتهم فنعطيها لمن سيتحاور معهم، وإذا كان لديكم أفكاراً فيمكننا أن نتعاون معكم. وأنا شخصيا أريد أن نأخذ نموذجاً من سورية للتعايش والخير للآخر بشكل خاص.

الدكتور عكام: سيلتقي المخلصون حيثما كانوا في بريطانية أو استراليا أو في أي مكان سيلتقون، وأعتقد أن الناس ملَّت التطرف ورأت نتائجة غير جيدة. عندنا مثلاً في السبعينيات من القرن الماضي، الذين كانوا متطرفين دينيين هم الآن يرسلون لنا رسائل تعبر عن صدق، يقولون فيها: والله لقد أخطأنا ونحن نعترف أننا لم نكن على المستوى المطلوب فيما يخص ديننا وعروبتنا، ونحن نادمون جداً، وأنا أقول للدولة هنا اغتنموا هذه الفرصة.

هناك بعض المتطرفين الذين لا يسمعون، لكن علينا أن نصبر فسيسمعون في النهاية، عندما أرسل لهؤلاء رسائل ستصل الرسائل بلا شك، عندما أتكلم عن ملكة بريطانية بعد يومين سيصل الأمر إليها شئنا أم أبينا، فلو أرسلت لهؤلاء المتطرفين رسائل غير مباشرة عبر الأقل تطرفاً، رسائل جميلة، هم يريدون الحق فأخطؤوا الطريق، أقول ستصل. وأنا في مجالسي أبحث عن نقطة أمدحهم فيها، ولما يصل الأمر إليهم يُسرون جداً، فيجب أن نرسل لهم رسائل جيدة لا رسائل مضادة، وهذه الرسائل لا يُحسنها كل إنسان وأتمنى من رئيس الدول المتقدمة أمريكا مثلاً أن يرسل رسائل، وأنا أطبق هذا الأمر على شخص بيني وبينه العلاقة غير جيدة أقول هو صادق جيد، لكنه لا يحسن الطريق، فإن هذا الكلام سيصل له، لقد غدا العالم كله نماماً، سيقولون له: فلان تذكره بالشر وهو يذكرك بالخير. والقرآن يقول: ﴿ولنصبرن على ما آذيتمونا﴾ والنتيجة هي النصر. في كتابي: [التطرف والاعتدال] حين ألقى السيد حسن نصر الله خطاباً في عام 2006 وقال: "هم أرادوها حرباً مفتوحة" فلتكن، فقلت له: "أنا أحبك، وأدعو لك بكل خير، ولكن أتمنى ألا تقول: أرادوها حرباً مفتوحة فلتكن، ولكن أرادوها حرباً مفتوحة فلتكن سلاماً مفتوحاً"، لأن السلام هو الأصل والحرب طارئة، وقلت له: "إن الله عز وجل قدم نفسه إطفائية فقال: ﴿كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله﴾. بوش في رأيي انحرف عن رسالته الإنسانية عندما حول أمريكا إلى موقد للحرب، وما يمكن أن يأتي بالسلام من العلاقات الجيدة لا يمكن أن يأتي بآلاف الحروب، وما يمكن أن يصدر عن الحروب بآثار سيئة لا يمكن أن يُمحى بـ500 سنة، لكن الناس لا تدرك هذا الأمر. السلام هو الأصل والحرب طارئة، لذا أقول: رحمةً بالحيوانات، بالبيئة. سمعت البارحة خبراً في أمريكا سرَّني، طفلة في العاشرة من عمرها مصابة بشلل دماغي تكتب قصة وتقدمت لجائزة أحسن قصة من بين 1600 متسابق فأخذت الجائزة الأولى، هي تكتب من خلال موسيقى الكومبيوتر هي لا تتحرك لكنها تؤشر على الحروف، هم يُصممون الآن لها كمبيوتراً يستجيب لها من خلال حركة عيونها والمعاني في داخلها، ولقد كتبت أنها تريد أن تحصل على جائزة نوبل للآداب، هذا جيد وقد أسعدتني. أنا أتمتع بعقل وقوة أفأصرفه في قتال، أم في تعارف مع الناس ونبني قوة مجتمعة في بناء الإنسان، ممكن إذا كانت هذه البنت في بلد عربي نضيعها كم أضعنا من أناس ؟ نلقي بالسالم فما بالك بالمريض ؟ هذا الخبر حملني مسؤولية أكبر تجاه العلم والمعرفة والإنسانية وقلت علي أن أعمل، وتمنيت من كل العالم أن يراها هذا الإنسان هو المخلوق الأسمى الذي أراده ربنا خليفة له، أفيجوز من الخليفة أن يُخرِّب ؟ الخليفة يعمّر يتعاون يُسعد... أساتذتنا كانوا يتمتعون بالرحمة. كنا مرةً في جامع قرب دار للأعراس وفيها صخب وموسيقى، وكنا نقرأ درسنا، وكان المتوقع أن يُسكتهم الشيخ، فقال الشيخ: ارفعوا أيديكم ثم قال: "اللهم أسعدهم، اللهم تولهم، اللهم أعطهم سؤلهم، اللهم أكرمهم بالأفراح، وألف بين قلوب العروسين" وقال لنا: اليوم لن يكون هنالك درس لأجل هؤلاء. هذه رحمة، هذا هو الإسلام، ومَن قال عنه غير هذا فهو لا يعرف الإسلام، وأنا ما كنت مسلماً إلا لأني وجدت في الإسلام إنسانية، وكنت أستشهد بعبارة لسيدنا عيسى أن المتطرف لا بد أن يكون فيه صفة جيدة فعلي أن أذكر هذه الصفة الجيدة، وقد حدثني أحدهم عندما كنت صغيراً أن سيدنا عيسى كان يمشي في مكان فرأى خنزيراً ميتاً، فتأفف من معه منه، لكن سيدنا عيسى التفت إليه وبحث عن شيء جيد في هذا الخنزير فوجد أسنانه بيضاء فقال: "انظروا إلى أسنانه ما أشد بياضها". وقال لهم: "ابحثوا عن جميل في قبيح ولا تبحثوا عن قبيح في قبيح، ولا قبيح في جميل". نحن اليوم نبحث عن قبيح في جميل.

نائب السفير: نشكركم على إجاباتكم.

الدكتور عكام: أهلا وسهلا، ونتمنى أن تتكرر الزيارات ونحن إخوة في المجال الإنساني.

التعليقات

شاركنا بتعليق