آخر تحديث: السبت 04 ديسمبر 2021
عكام


أخبار صحـفيـة

   
الإنسان والأخلاق/ مجلة العمران- كندا

الإنسان والأخلاق/ مجلة العمران- كندا

تاريخ الإضافة: 2008/05/15 | عدد المشاهدات: 2992

نشرت مجلة "العمران" التي تصدر في كندا، في عددها الرابع الصادر بتاريخ: 15 أيار 2008، مقالاً للدكتور الشيخ محمود عكام بعنوان: الإنسان والأخلاق، وفيما يلي نص المقال:

الإنسان والأخلاق

د.محمود عكام: مفكر إسلامي ومفتي حلب

جدلية الخَلق والخُلق:

الإنسان ذو تجليين اثنين: أولا : خلقي - مادي - شكلي - ظاهري لا دخل للإنسان فيه سوى الإقرار بأنه تجل ما ميز عن بقية المخلوقات في خلقها ويكمن هذا التميزفي طبيعة الإنشاء الأول والإيجاد الأساسي الذي تم بطريقة نوعية جاء وصفها في الكتب الدينية بشكل متشابه وخلاصتها "إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين". وتتم عملية الاستمرار والمتابعة عبر عملية التكاثر والتناسل التي تختلف أسلوباً عن كل عمليات التكاثر والتناسل لدى المخلوقات الأخرى، وقد وصفت الطريقة هذه في ثنايا آيات كثيرة " فلينظر الإنسان مما خلق، خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب و الترائب" ومنها " ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء" ويستمر التميز الخلقي أيضاً ليظهر في الشكل الأرقى و الأقوم " لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم " " ياأيها الإنسان ماغرّك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك".

ثانياً: التجلي الثاني هو التجلي المعنوي والذي يشكل الوجه الآخر للخلق أطلقنا عليه اسم التجلي الخُلقي بضم الخاء، وليس لهذا التجلي وجود أصلاً لدى المخلوقات الأخرى وهو محل تكليف بالنسبة للإنسان ولعله الأمانة التي حملها وأبى حملها غيره من المخلوقات، فكل القواعد المادية والنظم التي تحكم هذا القسيم تشكل الخلق في مقابل الخلق الذي يخضع لقواعد ونظم يطلق عليها القواعد المادية أو الجسمية أو الصحية ومن هنا وجب البحث عن نظام للخلق يعادل نظام الخلق من حيث تميزه ورقيه وحسنه وبلا هذا النظام الخلقي ينسلخ عن الإنسان إنسانيته لأنه ما حازها إلا لأنه جمع بين المظهرين الخلقي المقوم المسوّى المكرم به فضلا دون تكليف والخلقي العظيم المكلف به حماية ورعاية وارتقاء فليس الإنسان محض خلقي مادي كما أنه ليس محض خلقي معنوي مثالي وإنما هو هما معا لذلك قلنا الخلق أنسنة الخلق وبالخلق يتأنسن الخلق والتجلي المعنوي هذا انقسم من حيث أماكنه في الإنسان إلى تصور وموقف وأسلوب أداء ولابد من قواعد حاكمة لهذه المحال تشكل بمجموعها المنظومة الخلقية ولابد لهذه القواعد من مقّعد وواضع، وأولى مفرزات البديهة تشير إلى أن من سوى الخلق هو الأولى من أجل أن يضع نظاماً للخلق يكلفنا به ويأمرنا أن نساوق بينه وبين النظام الخلقي الذي قوم الخلق هو أعلم بما يقوم الخلق وبناء على ذلك فليلتزم الإنسان القواعد الناظمة والحاكمة والمؤسسة لتصوره حين تكون من الخالق وليلتزم الأحكام الضابطة والمغطية لموقفه أو مواقفه إذ تأتي من الخالق أيضاً وليلتزم الشروط والأسس المكونة لأسلوب الأداء إذ يستلهمها أيضاً من الخالق جل شأنه فالنظام الخلقي كل هذا الذي سبق.

ثانياً: مبادئ التصور - وأحكام الوقف والسلوك - ومناهج الأداء والممارسة الصادرة عن الخالق الموثقة نسبة إليه المتناسبة مع الإنسان من غير تنافر معه كلا أو أبعاضاً.

ومن هنا نتحدث عن الإسلام نظاماً خلقياً أو عن دين الله الكامل التام نظاماً خلقياً يغطي التصور بقواعد الإيمان وأركانه ويغطي الموقف والسلوك بأحكام الشريعة ونظمها وأسلوب الأداء بالإحسان وقيمة وهذا الإحسان وهي مبادئ ضبط أسلوب الأداء هو سيكون المضمون الاصطلاحي للأخلاق وستقتصر دلالة الأخلاق على هذا فقط بعد أن كانت تشمل الجميع لما لهذا الأمر من أهمية.

ولن تجد الإيمان الذي هو تكليف الموقف والسلوك والإحسان الذي هو تكليف الأسلوب لن تجد في هذا التكليف ما ينافي العقل أو يجافي القلب أو يمضي ضد مسيرة جسم الإنسان حتى وقد ورد حديث شريف معروف لدى المسلمين بين في النبي صلى الله عليه وسلم بأسلوب حواري جميل مع المَلك جبريل الذي تمظهر بصورة رجل هذا الحديث يشكل أساساً أساسياً في الإسلام ومرتكزاً هاماً من مرتكزاته "قال يا محمد أخبرني عن الإسلام قال النبي ص الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا فقال صدقت فعجبنا أنه يسأله ويصدقه ثم قال أخبرني عن الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال صدقت قال فأخبرني عن الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تره فإنه يراك." ، فالإيمان والإسلام والإحسان في أصل الدلالة مقومات النظام الخلقي، ثم خصص الخلق للدلالة على مبادئ الأسلوب وقواعد الممارسة أي خصص للإحسان فقط حسب المصطلح الإسلامي وإن شئت قل للتحسين والتجويد للقول والفعل أداء للأول وممارسة للثاني وعلى هذا صار الخلق الأسلوب الأمثل للتعبير عن أسس التصور وأداء الأقوال المرغوبة وممارسة الأفعال المطلوبة. وأحب أن أؤكد على الأسلوب الأمثل للتعبير عن أسس التصور صار الخلق يدل كمصطلح عن الأسلوب المثل للتعبير عن أسس التصور وأداء الأقوال المرغوبة وممارسة الأفعال المطلوبة، فالإيمان يغلفه الأخلاق، وتغلف الأخلاق الشريعة، والأحكام حين نمارسها، فالفعل والقول على هذا التبيان له تجليان من حيث المضمون أو الموضوع ومن حيث الأسلوب أو الأداء والتكليف جاء لكليهما وتفردت الأخلاق وهنا أحب أن أميز، فقد تفردت الأخلاق بالثاني دون الأول كما بينا وبالدلالة عليه وذلك لأهمية أسلوب الأداء وممارسة الفعل وشكلية ممارسة الفعل وتفوقه في الأهمية على التجلي والإسقاط الأول، فكم من فعلة ذات مضمون خيّر وموضوع جيد رُفضت وسقطت ولم تُعتبر نتيجة تخلفها عن أسلوب الممارسة، أي نتيجة فقدانها القواعد الفضلى الحاكمة لأسلوب ممارستها قال تعالى على سبيل المثال : "قول معروف وصدقة خير من صدقة يتبعها أذى" فالصدقة فعلة ذات موضوع ومضمون جيد لكنها مشروطة لتبقى حميدة بأسلوب أمثل يكتنف ممارستها وإلا سقطت من الاعتبار فانظر كيف اعتبر الأسلوب وسقط المضمون الجيد من أجل أن نؤكد على أن الأخلاق أصبحت لصالح الأسلوب المثل بعد إذا كانت تشمل كل القواعد التي تغطي التصور والأحكام التي تغطي الموقف والمناهج التي تغطي أساليب الأداء تحولت الآن الأخلاق في الدلالة من أجل أن تدل فقط على مناهج الأسلوب أسلوب الأداء وعلى الكيفيات التي تمارس من خلالها الأفعال والأقوال والحركات المطلوبة والمرغوبة فالأخلاق هي إذن الركن الثالث وهي الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

الأخلاق مفردة عامة وشاملة، وكل شيء خاضع لثنائية المضمون والأسلوب لاتتخلف مفردة في عالم التصور والسلوك عن هذا ولذلك قال النبي ص : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته" فالخُلق يكتنف كل أمر دون استثناء، ولكل شيء خلقه أي قواعد ناظمة لأسلوب أداءه وممارسته وقد تسمى هذا القواعد آداباً، حين نأخذ الحج مثلا فريضة إسلامية فإننا نرى فيها أحكاما تتعلق بالمضمون والموضوع تسمى أحكاما الحج أي ما يتعلق بالسعي مثلا والطواف والإحرام، ونرى بجانبها قواعد وآدابا تتعلق بالمضمون والموضوع تسمى أحكام الحج أي ما يتعلق بالسعي مثلا والطواف والإحرام ونرى بجانبها قواعد وآدابا تتعلق بأسلوب الأداء والممارسة فالآية القائلة " وليطوفوا بالبيت العتيق" تبين حكما يتعلق بالحج من حيث المضمون والموضوع وأما الآية القائلة " فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج" تبين أدبا وخلقا يتعلق بأسلوب الأداء والممارسة ولابد من التأكيد على أن المطلوب في القول والفعل أسلوب أداءه وممارسته قبل مضمونه وحقيقته وقد وردت عبارات في تراثنا تدعم ذلك فها هو ابن عطاء الله يورد في حكمه ، رُبّ معصية أورثت ذلاً وانكسارا خيرٌ من طاعة أورثت عزاً واستكبارا، وهذا هو شاعرنا العربي يقول:

بشاشة وجه المرء خير من القرى، وأعظم الأخلاق على هذا الاعتبار السعة والاستيعاب حتى إن الحضارة في أحد تعريفاتها سعة واستيعاب فمن وسع واستوعب وتحمل فهو الحضاري المالك لزمام الأخلاق القادر على بسط مقولاته ونشرها وقد قال عليه الصلاة والسلام لن تسعوا الناس بأموالكم فليسعهم منكم حسن خلق وبسط وجه " حتى تستطيعوا دعوتهم ونشر مبدأكم فيهم واليوم تجري المنافسة في العالم على الاستيعاب والسعة ومن استوعب هو الأقوى ومن استوعب هو الأضعف وعودوا إذا شئتم إلى ما كتبه صاحب كتاب صراع الحضارات ونهاية التاريخ والإنسان الأخير وما سجلته كتب أريك فروم وسواهم من الكتاب المعاصرين في أمريكا بشكل خاص وفي العالم الغربي بشكل عام وفي العالم ككل بشكل أعم أريد أن أؤكد هنا على أن الأخلاق هي الأسلوب الأمثل في أداء الواجبات وأداء المطلوب الأسلوب الأمثل في ممارسة الفعل والأسلوب الأمثل في أداء القول الصيغة الفضلى من أجل الممارسة ومن أجل الأداء.

الخلق هو ما يكتنف الفعل من أسلوب, وما يكتنف القول من أسلوب, وما يكتنف التعبير عن الإيمان من أسلوب الخلق، لكل مهنة خلق، قد يكون الطبيب عالما لكنه يحتاج إلى أخلاق تغلف عملياته الجراحية أي يقوم بأسلوب أمثل وهو يؤدي عملياته الجراحية حتى لو كان في عملياته قويا وعالما وحاذقاً لكنه بحاجة إلى ما يسمى بأخلاق المهنة أي إلى شكلية أو منهج أسلوب لأداء هذه العمليات للكلام مع المريض أو للحديث مع إنسان ما مؤيد الأخلاق يحيل بعضهم المؤيد في الأخلاق على الضمير ضمير الإنسان ولكنهم إذ يحيلون لا يوضحون, ما الضمير ما مكوناته ما أبعاده ما مرتكزاته ؟ الضمير محل وظرف ولابد له من مضمون ومظروف ولايمكن أن تكون مضامينه و مظروفاته من التراكمات الإنسانية أو من التجربة الإنسانية المتعاقبة لأننا لو قلنا بذلك ظلمنا من سلف على حساب من خلف الضمير محل الشعور وموطنه هذا صحيح لكن لابد من الشعور من متعلق ومن لازم لا ينفك عنه وإذا كنا نتحدث عن الإنسان المخلوق فأولى بهذا الضمير من أجل تأييد الأخلاق ودعمها أن يغرس فيه شعور الإيمان بالخالق وأنه مطلع عليه ويراه ولهذا جاء الإحسان معرفا أن تعبد الله كأنك تراه رقابة الله إذا مؤيد للأخلاق ومحتوى الضمير وعلى المؤدبين والمربين أن يسعوا إلى تقويتها في نفوس الناس لأن السر كما يقال وكما اتفق عليه أساس الجهر وننادي الأمة اليوم من أجل هذا مناداة حريص عليها محبا لها وننادي الإنسان عامة لنقول إن هذا المؤيد أعني رقابة الله يفوق كل المؤيدات الأخرى المادية منها والمعنوية فرقابة الدولة مهما قويت ورقابة الناس مهما اشتدت ورقابة الإنسان هو على ذاته مهما ارتقت فلن تصل جميعها إلى مستوى رقابة الله الذي يعني لدى المؤمن به المطلع على السر

و الجهر والصغير والكبير والخلجات والحركات وقد قال الله على سبيل المثال{ ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}

إذا فمؤيد الأخلاق رقابة وهذه الرقابة يقوم بها المسلم أو يتفاعل معها المسلم على أنها من مفرزات الإيمان فأنا أؤمن بالله إذا أستشعر رقابته ويكفي هذا من أجل أن يكون مؤيدا للأخلاق وأعتقد أنه يفوق أي مؤيد آخر.

دافع الأخلاق :

إذا كانت الأخلاق أسلوبا أمثل في الأداء والممارسة فلابد من دافع يقبع خلف هذا الأسلوب ليكون أمثل ومستمرا وليكون أفضل ومتابعا وهذا يعتمد على طبيعة العلاقة بين المتخلق وبين المخلق أي بين صاحب الأخلاق وبين محددها ومقعدها ولابد من اقتناع الإنسان من أنها واجب لازم تتمم إنسانيته وقضية اللازمة أكيدة تدعم تميزه ولكن هذا أيضا يحتاج إلى قناعة المتخلق بقدرة المخلق وبعلمه وحكمته ومعرفته وحين يقر الإنسان بأنه مخلوق وأن هناك خالقا أنعم عليه فخلقه وينعم عليه فيمده فإنه سيجد نفسه وجها لوجه مع هذا الخالق ليستلهم منه القواعد والإلزام وإذا كان الله قد خلق الإنسان فإن هذا الخلق قد اكتنفه خلق أي أسلوب أمثل حتى الله لما خلق الإنسان لما قام بفعل الخلق اكتنف هذا الفعل خلق فعلى الإنسان إذا أن يتخلق بأخلاق الله وهو ينفذ أحكامه وأوامره في الموقف والسلوك ليكون هذا التنفيذ مغلفا بأسلوب أمثل وأفضل, وقد ورد في الأثر وإنه لمعنى جيد تخلقوا بأخلاق الله وترتقي هذه العلاقة من شعور بسيادة الواجب … المتخلق الآن صاحب الأخلاق يبحث عن قوة للواجب ولن يكون هذا الواجب قويا إلا إذا صدر عمن آمنت به ربا خلقني خلق القسم المادي في إذا سأستشعر قوة الواجب مادام صادرا عن الله العليم الحكيم القوي الذي يطلع علي والذي يعلم سري و جهري والذي هو أعلم بي مني بنفسي ترتقي هذه العلاقة من شعور بسيادة الواجب الذي أوجبه من هو جدير بالإيجاب لتصل إلى مرحلة أقوى وهي الحب فحين يقف الحب خلف تحسين الأداء والممارسة ويغدو الماء الذي يسقي نسغ الأساليب والممارسات فسيكون الأداء على الشكل الأرقى وستكون الممارسة على الأسلوب الأمثل وسيكون هذا المحب وهو يصدر القول والفعل بالأسلوب الأمثل ذا خلق عظيم وهذا حال الرسول صلى الله عليه وسلم في كل تصرفاته وسلوكياته ((وإنك لعلى خلق عظيم )).

مصدر الأخلاق: تعددت النظريات الباحثة عن مصدر الأخلاق وقواعدها من الذي قعدها من الذي وضع معاييرها من الذي أسسها من الذي نظم بيانها, لا نريد هنا عرضا للنظريات الكثيرة لكننا نذهب داعمين تلك النظرية القائلة بأن مصدر قواعد الأخلاق بقايا تعاليم السماء وقد ازداد رصيد القائلين بهذه النظرية يوما بعد يوم حتى تكاد أن تبقى وحيدة في عالم النظريات وتسقط كل نظرية سواها وبمعنى آخر نقول إن مصدر الأخلاق الله عز وجل، فالقواعد الناظمة للأسلوب الأمثل، والمؤسسة للشكل الأفضل، والطريقة الأنجع جاءت آيات من كتاب الله، وينبغي أن تأتي من الله عز وجل، ويجب أن تشرح من قبل من بين هذه القواعد وهذه الآيات وهو الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والدليل الآخر على أن مصدر الأخلاق وقواعدها تعاليم السماء ما قدمناه في البداية حين تحدثنا عن جدلية الخلق والخلق فألمحنا وأشرنا إلى أن الذي تولى الخلق هو الأجدر بتولي نظام الخلق إن الخلق سلم بفعله من خلال العقل للخالق فليسلم العقل بضرورة وضع الخالق لنظام الخلق حتى يتناسب الخلق والخلق فيشكلا وجهين متناسبين للإنسان منسجمين معا وحتى لا يتنازع الإنسان نظامان آتيان من مصدرين مختلفين نظام الخلق من مصدر ونظام الخلق من مصدر آخر عندها لن يحدث التطابق وربما أدى ذلك إلى انفصام في الشخصية بشكل عام وبالعودة إلى القرآن الكريم كتابا من عند الله رأينا هذا النظام ولابد من أن نذكر هنا أن الأستاذ الدكتور محمد عبد الله دراز رحمه الله صنف كتابا بعنوان دستور الأخلاق في القرآن وقد نال به درجة الدكتوراه من جامعة السور بون من فرنسا جمع في هذا الكتاب ما ورد في القرآن الكريم من آيات تتعلق بالنظام الأخلاقي أي التي تتعلق بقواعد الأسلوب الممارسة والمنهج المرتبط بالصيغ المثلى لممارسة أركان الإيمان وأركان الإسلام ولممارسة الأفعال والأقوال المطلوبة من الإنسان أن يفعلها وأن يقولها ولممارسة حتى الأفعال والأقوال التي طلب من الإنسان أن لا يمارسها بمعنى أسلوب الكف عن فعل المحرم وأسلوب الكف عن القول المحرم.

معيار الأخلاق: إن معيار الأخلاق هو الإنسان نفسه، حقيقته و داخله ومضمونه هو فطرة الإنسان لقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس )) وفي حديث آخر عن وابصة ابن معبد قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: جئت تسأل عن البر ؟ قلت : نعم . قال : استفت قلبك البر ما اطمأنت إليه النفس واطمئن إليه القلب والإثم ماحاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك )) إذا المعيار هو فطرة الإنسان التي في داخله، لأن الإنسان في نظر الإسلام ليس آلة، وإنما إنسان محاكم وأهم من يحاكم هو أن يحاكم ذاته، وأن يحاكم فعله وعلى مقبولية ما يمكن أن يكون قاعدة تشكل الأساس في انطلاقة الإنسان القولية والفعلية.

الأخلاق والعادة: هناك ضابط هام وفارق أساسي لابد أن نذكره ونحن نتحدث عن الأخلاق والعادة إذا كثيرا ما يخلط الناس بين الأخلاق والعادة، فالأخلاق مرتبطة بالإنسان والعادة مرتبطة بالبيئة والظرف الاجتماعي، ومن هنا فالأخلاق ثابتة حيث كان الإنسان، وأما العادة فتتغير من بيئة إلى بيئة ومن مجتمع إلى مجتمع ومن مكان إلى مكان ومن بقعة إلى بقعة ومن زمن إلى زمن ومشكلة إنساننا اليوم أنه أنزل العادة منزلة الأخلاق فتمسك بعادته الخاضعة لبيئته تمسكه بالأخلاق بل أقوى وراح يسعى إلى تصديرها على أنها عامة شاملة وهي ليست كذلك, ولما صادمت عادته عادات أخرى وكان من الطبيعي أن يحصل هذا التصادم لم يتنازل عن عادته ودافع عنها دفاعه عن أخلاقه فحدثت الفوضى الكبيرة والاختلاط العجيب بين الأخلاق وبين العادة وقد نرى أن الإسلام يرفض أحيانا لأنه حمل عادات على أنها جزء منه على أنه جزء من أخلاقه ولطالما طبع بعضنا عاداته التي جاءت وتكونت نتيجة بيئته بطابع الإسلام وراح يدعو إليها على أنها أخلاق الإسلام أو على أنها أخلاق الإنسان أو على أنها أخلاق قابلة للتصدير عبر القارات وعبر الأزمنة لكل الإنسان ولذا فنحن نطالب بفصل العادة عن الخلق حين نقدم الإسلام مصدرا للأخلاق وحين نقدم قواعد أخلاق الإسلام.

لقد تحكمت العادة بالأمة، فأضحت خلقا وغابت عنها الأخلاق فكانت تاريخا يحكى وقصصا تتلى والناس اليوم تحتاج إلى أخلاق ُتمارس وواقع يعاش فأزيلي أيتها الأمة او أيها الإنسان الساعي إلى خير الإنسان أزل عن الإسلام ما ليس منه و ما هو من فعل العادة وجرد الإسلام من كل ما ألحقته به مما لا يحتمله لقد استبدلنا بالأخلاق عادات وبالإنسان محدودا صغيرا وأطلقنا على عادات المحدود الصغير إسلاما وأخلاقا وعرضناها على الناس فرفضت فلما رفضت وحق لها أن ترفض وحق للناس أن يرفضوها نادينا عندها معاتبين صارخين لقد رفض الإسلام ولكننا حقيقة أمام رفض لعادات ربطناها بالإسلام زورا وبهتانا وليست هي من الإسلام .

آمل أن نتخلق من دون أن نتعود لتحل العادة محل الأخلاق وأنا أنادي أمتنا وأنادي شبابنا أن يتخلقوا بدستور الأخلاق أو بالنظم الأخلاقية وأن يدركوا الفرق بين العادة والأخلاق وأقول لأمتي لك أيتها الأمة الحب إذ تتخلقي دون أن تتعودي وحين تقدمين الأخلاق للإنسان لا العادات للأعداء ودمت أيها الإنسان ذا خلق حميد وإلا فلا إنسان يحمد من غير خلق حسن الخلق هو الذي يعتبر حتى ولو كان أسلوبا أمثل فالأسلوب هو الأهم بينه وبين الموضوع لاسيما حينما يتعامل الإنسان مع أخيه الإنسان.

التعليقات

شاركنا بتعليق