آخر تحديث: الأحد 18 أغسطس 2019
عكام


نــــــــــــدوات

   
الجوانب الأخلاقية في المعاملات التجارية/ غرفة تجارة حلب

الجوانب الأخلاقية في المعاملات التجارية/ غرفة تجارة حلب

تاريخ الإضافة: 2008/05/28 | عدد المشاهدات: 4404

أقامت جمعية العلوم الاقتصادية بحلب يوم الأربعاء: 28/5/2008 ندوة اقتصادية بعنوان: "الجوانب الأخلاقية في المعاملات التجارية" في قاعة المحاضرات بغرفة تجارة حلب، شارك فيها الدكتور الشيخ محمود عكام، والدكتور بلال صفي الدين، وأدارها الدكتور ظافر محبك.

وقد تحدث الدكتور عكام في بداية محاضرته عن فلسفة الأخلاق، وعن الأخلاق التجارية، وعرف الأخلاق بأنها الأسلوب الأمثل لأداء القول المرغوب والفعل المطلوب.

ثم حصر الأمور المطلوبة اتباعها على المستوى الأسلوبي في مجال التجارة بالصدق والأمانة، والسماحة، ومجانبة الحلف.

وختم حديثه ببعض الحِكم التي تحدثت عن الأخلاق على المستوى التجاري والمستوى العام، كضرورة الإعطاء، وترك الطمع، والدعوة إلى الصدق... ثم أجاب عن أسئلة ومداخلات بعض الحاضرين.

وفيما يلي نص المحاضرة:

الجوانب الأخلاقية في العلاقات التجارية

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدي رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

سأتكلم عن فلسفة الأخلاق أولاً ثم أتحدث عن الأخلاق التجارية.

قبل أن أوضح التصور حيال الأخلاق أقول:

كل فعلة، وكل قول له مستويان: مستوى مضمون ومستوى شكلي، فتناول الطعام على سبيل المثال له مستويان مضموني وشكلي، والمضموني هو انتقاء المباح من الطعام حتى آكله والممنوع من الطعام حتى أتركه ؟ أنا المستوى المستوى الشكلي فكيفة تناول الطعام المباح ؟

ومن حيث القول مثال الأذان، فالأذان المشروع والتقيد بكلمات الأذان هو مستوى مضموني، أما المستوى الشكلي فلقنه بلالاً فإنه أندى منك صوتاً.

ومن هنا فإن الأخلاق لا علاقة لها بالمستوى المضموني، وإنما تتجلى بالمستوى الشكلي، وليس من الأخلاق التجارية أن أتكلم عن البيع الحلال والبيع الحرام، وإنما يدخل هذا في الأحكام التجارية. أما الأخلاق التجارية فتكون على المستوى الشكلي، عن كيفية ممارسة هذا الحلال هذا المباح.

لذلك عرفنا الأخلاق بأنها: "الأسلوب الأمثل لأداء القول المرغوب والفعل المطلوب".

نظر الإسلام إلى المستوى الأسلوبي نظرة مرعية لا بد منها، (قولٌ معروف ومغفرة خيرٌ من صدقة يتبعها أذى). وقال ابن عطاء الله في الحكم: "رُبَّ معصيةٍ أورثت ذلاً وانكساراً، خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً".

كيف نحسِّن المستوى الأسلوبي ؟ من خلال الشعور بأن الإنسان مُراقَب، عندما أشعر بأنني مُراقَب سيتحسن المستوى الأسلوبي، ويأخذ بُعده المطلوب اللائق الصحيح. ومثال ذلك اختلاف كيفية تناول الطعام حينما يكون المرء وحيداً، وحينما يكون مع الناس ؟ عندما تتناول الطعام لوحدك ربما تتهاون بالمستوى الأسلوبي لأنك غير مراقب من قبل الناس، أما عندما تُدعى إلى وليمة وتشعر بأن الناس يراقبونك، فستُحسِّن طريقة تناولك للطعام وتطبق كل آداب الطعام وتراعي الأسلوب الأمثل.

وقد بين الإسلام للإنسان بأنه مراقب حتى لو كان بينه وبين نفسه، ومَن يراقبه هو الله الذي يعبدهويتوجه إليه، لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ويقول علماء النفس بأن الإنسان حينما يشعر بأنه مُراقَب فإنه سيقوم بأداء أفعاله بأسلوب أمثل. إذا كان الأمر كذلك فأنت مراقب من قبل الله عز وجل.

فهيا إلى المستوى الأسلوبي، لأن المستوى الأسلوبي هو الأخلاق، وهو المعبر عنه في ديننا بالإحسان وقد كتبه الله على كل شيء: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)، ويزداد الأسلوب أمثليةً عندما يتعاظم هذا الذي أشعر بأني أراقبه ويراقبي.

وبالعودة إلى الأخلاق التجارية، فإنه ينقصنا المستوى الأسلوبي، ويا أيها التجار: نحن نناشدكم بما يخص المستوى الأسلوبي، أن تكونوا على مستوى إيمانكم وإسلامكم، أن يكون أسلوبكم أمثلاً في قيامكم بعقودكم وبيوعاتكم وشرائكم وبكل ما تمارسونه من أمور تجارية، في متاجركم وبيوتكم ومحلاتكم...

مفردات الأسلوب الأمثل:

حاولت حصر الأمور المطلوبة اتباعها على المستوى الأسلوبي في مجال التجارة، فوجدتها تكمن في: الصدق والأمانة، السماحة، مجانبة الحلف.

1- الصدق والأمانة:

الأمانة: هي الحفاظ على الماديات والمعنويات وصيانتها ورعايتها رعاية إحسانية. والصدق: موافقة الكلام للواقع. قال صلى الله عليه وسلم: (التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء)، وقال أيضاً: (إن التجار يبعثون يوم القيامة فُجّاراً، إلا من اتقى الله، وبر، وصدق).

2- السماحة: والتي أخذناها من حديث النبي صلى الله عليه وسلم المَروي في البخاري: (رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى) حاولت أن أبحث عن السَّماحة في قاموس اللغة فوجدت أن السَّماحة تضم بين جناحيها: البَشاشة، والكلمة الطيبة، والكرم، والتأني، والتحمل، والتيسير، وكل ما يمكن أن يُشكّل طمأنينة من البائع تجاه المشتري ومن المشتري تجاه البائع.

3- مجانبة الحلف: وإن كان الحلف مشروعاً، يجب أن تشعر من أمامك بقوة كلمتك وأنك لست بحاجة إلى توثيق قَسَمي، وعلينا ألا نُفقِد الكلمة قوتها، وقلت في يوم من الأيام: "لقد خفّت قوة الكلمة الشرائية"، صار هناك تضخم في الكلام. فإذا لم توثق كلمتك بعشرين صفة، ثم بالحلف، فلن يصدقك مَن أمامك، وهذه مشكلة.

النبي صلى الله عليه وسلم حذر من كثرة الحلف في البيع فقال: (إياكم وكثرة الحلف فإنه ينفق ثم يمحق) ويقول أيضاً: (أربعة يبغضهم الله: البيَّاع الحلاف، والفقير المختال، والشيخ الزاني، والإمام الجائر).

وأخيراً: حديث جامع يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم على المستوى الأسلوبي: (إن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا).

واسمحوا لي أن أقول لكم بعض الكلمات المنثورة التي أعجبتني، تتعلق بهذا الشأن، وهذه حِكم لن أذكر من قالها:

- ليس الفخر أن تقهر قوياً بل أن تُنصف ضعيفاً.

- الطمع مَطية سوء، من ركبها ذل، ومن صحبها ضل.

- لا تستحِ من إعطاء القليل، فإن الحرمان أقل منه.

- لا يكن أفضل ما نلت من دنياك لنفسك بلوغ لذة أو شفاء غيظ، ولكن إطفاء باطل أو إحياء حق.

- يكفيك من شرف الصدق أن الصادق يقبل قوله في عدوه، ومن دناءة الكذب أن الكاذب لا يقبل قوله في صديقه.

- لا يحل لعاملٍ إجارة في سلطانه الذي هو عليه فإن الأمير متى يتجر يستأثر وإن حرص. لذا لا ينبغي للتجار أن يكونوا أصحاب منصب، وكذا أصحاب المناصب لا ينبغي أن يتاجروا.

- الناس عبيد الدنيا، والدين لغو على ألسنتهم، يحوطونه ما درَّت به معايشهم فإذا ما مُحّصوا بالابتلاء قلَّ الديانون.

أسأل الله أن يوفقنا وأن يجعلنا تجاراً معه، نتمسك بديننا وبما يعود علينا بالعز بالدنيا وبالفلاح في الآخرة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

التعليقات

شاركنا بتعليق