آخر تحديث: الثلاثاء 03 كانون الأول 2019
عكام


نــــــــــــدوات

   
الإسلام وتنظيم الأسرة/ حملة قضايا السكان والصحة الإنجابية

الإسلام وتنظيم الأسرة/ حملة قضايا السكان والصحة الإنجابية

تاريخ الإضافة: 2008/11/02 | عدد المشاهدات: 3633

ضمن فعاليات حملة "قضايا السكان والصحة الإنجابية" التي أطلقتها مديرية الصحة بحلب تحت شعار (أسرة صغيرة = أسرة سعيدة) شارك الدكتور الشيخ محمود عكام في ندوة بعنوان (موقف الدين من تنظيم الأسرة) وذلك يوم الأحد 2/11/2008 في المركز الثقافي العربي بحلب.
وقد قرأ الأستاذ محمد بركات نص المحاضرة نيابة عن فضيلة الدكتور عكام والتي كانت بعنوان (الإسلام وتنظيم الاسرة)، وفيما يلي نصها:

الإسلام وتنظيم الأسرة

الحمد لله رب العالمين خالقهم ومدبرهم، والصلاة والسلام على رسوله داعيهم ومحررهم، ورضي الله عمن ساروا وفق سنن التدبير، فكانوا منتظمين ومنظمين لذواتهم وعلائقهم. وبعد:

فمشاركتي هذه تحمل عنوان: "الإسلام وتنظيم الأسرة" والقاعدة الرئيسية فيها هي:

تنظيم الأسرة مسؤولية إنسانية من أجل وجود نوعي متميز قادر على التحقق بالغاية الأسمى والوصول إلى الهدف الأرقى دنيا وأخرى.

أولاً- بيان وتعريف: إن موضوع الحديث عن الذرية قلة أو كثرة، قد اكتسب على مرّ الزمان رواسب اعتقاديةً مختلفة، ربطها الناس بالدين وعقيدة القضاء والقدر. وإذا كان العرف قد قيَّد مصطلح "تنظيم الأسرة" بالذرية وما يتعلق بها، فيجب أن نصحح هذا العرف، ونعيد لهذا المفهوم دلالته الواسعة العميقة. لأن كلمة "تنظيم" واسعة الدلالة، وهي مرغوبة في كل شيء، والكون ذاته قائم على هذا، قال الله تعالى: (إنا كل شيء خلقناه بقدر) القمر:49. وأما كلمة: "الأسرة" فعريضة عميقة، بسلامتها يسلم المجتمع، وهي تضمّ في الغالب: زوجاً، زوجةً، أولاداً وأقارب، وهؤلاء بمجموعهم يشكلون مجتمعاً صغيراً يعني النواة لمجتمع كبير. وحين نضيف كلمة "تنظيم" إلى كلمة "أسرة" فإننا نفهم من الكلمتين معاً:

"كلَّ أمر يعمل على تهيئة الظروف السوية لأسرة ناجحة سعيدة في الدنيا، وفالحة في الآخرة" ويظهر ذلك في عدة مجالات:

- تنظيم الأسرة فيما يتعلق بالذرية، قلة أو كثرة.

- تنظيم الأسرة فيما يتعلق بالتمهيد لبنائها تمهيداً سليماً.

- تنظيم الأسرة اقتصادياً.

- تنظيم الأسرة في تحديد العلاقات بين أفرادها.

- تنظيم الأسرة علمياً وثقافياً واجتماعياً.

وإن الحكم الشرعي الإسلامي في موضوع تنظيم الأسرة ينهض على الاستنباط والاجتهاد، إذا لم تكن مشكلة تضخم السكان في لائحة قضايا صدر الإسلام. والاجتهاد - هنا - ينبغي أن يكون مبنياً على جلب المصلحة ودرء المفسدة، دون الخروج على أصول الشريعة، بناءً على القواعد المقررة شرعاً من أن: "الضرر يزال" و "لا ضرر ولا ضرار" و "المشقة تجلب التيسير"، وأنه "حيثما كانت مصلحة فثم شرع الله". قال تعالى: (ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج) المائدة:6. كما إن الملاحظ في الشريعة الغراء أن الأمر الذي يتغير بتغير الظروف والأحوال، لا تنصُّ الشريعة فيه على وضع موحد ونص قاطع، بل تكله إلى اجتهاد البُصَراء في ضوء قول الله تعالى: (ولو ردُّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) النساء:83.

ثانياً- بعض الاحترازات:

1- تنظيم الأسرة أمر نسبي لا يمكن أن يخضع لقانون ثابت موحد، ولذلك يرتبط الموضوع ارتباطاً وثيقاً بالمصلحة التي عدّها الفقهاء مصدراً من مصادر الفقه الإسلامي.

2- نلاحظ لدى الناس نزعتين متقابلتين حين يُدعَون إلى تنظيم الأسرة؛ فنزعة تطالب بفرض الإجهاض والتعقيم، ونزعة تقابلها بعدم بحث هذا الموضوع أو الدخول فيه، وعدِّه منافياً للتوكل على الله. وكلا طرفي قصد النزعتين ذميم وخطأ، والصواب يكمن متوسطاً بينهما، والقرآن الكريم يقول: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاًَ) البقرة:143.

3- علينا أن نسلم بأن الدعوة إلى تنظيم الأسرة لا يجوز أن تكون دعوة إلى محاربة الزواج أو محاربة الذرية بحدّ ذاتها.

4- وعلينا أن نسلم بأن حب الذرية أمر فطري. لكن القرآن الكريم يوجهنا إلى أن الذرية ينبغي لها أن تكون طيبة صالحة نافعة. (هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء) آل عمران:38. وإنما تكون الذرية طيبة إذا كانت سليمة قوية سعيدة.

5- وهناك مفهوم خاطئ رسَب في أذهان الكثيرين، وهو ظنهم أن كثرة الذرية وحدها علامة على الرضا الإلهي والخير والبركة، وهذا ليس ثابتاً. فهذا القرآن الكريم نراه لا يمدح الكثرة لمجرد أنها كثرة، ولا يذم القلة لمجرد أنها قلة، بل على العكس نراه يندد بالكثرة الطالحة وينوّه بالقلة الصالحة، فيقول: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله) البقرة:279. ويقول: (قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث) المائدة:100.

ومن هذا نخلُص إلى تعريف "تنظيم الأسرة" بما يلي:

هو: "إيجاد فترات متباعدة بين مرات الحمل، بطريقة مشروعة غير ضارة، لداعٍ يدعو إلى ذلك" والحديث عن هذا الموضوع قديم غير حديث، عرفه صدر الإسلام بصورة العزل، وتحدث عنه طائفة من الفقهاء كالغزالي وابن القيم. وقد ذكروا جملةً من الأسباب التي تدعو لذلك، ومنها:

- أن يكون عند المرأة مع ضعفها استعداد قوي ظاهر للحمل عقب انتهائها من آثار حملها السابق .

- الخوف على صحة الزوجة وسلامتها بسبب تتابع الحمل.

- الضعف الاقتصادي عند الزوج .

ولهذا فالمقصود الأساسي من هذا العزل هو البعد عن التلقيح، وقد قرر الفقهاء بأن إفساد المادة التناسلية قبل التلقيح لا يكون اعتداءً على جنينٍ بحال من الأحوال.

ثالثاً- الأحاديث المبينة لحكم جواز العزل وإباحته:

وردت أحاديث وأخبار صريحة بأن العزل كان موجوداً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه جائز، منها:

1- حديث متفق عليه يرويه جابر بن عبد الله رضي الله عنه فيقول: "كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل" أي: لو كان حراماً لنزلت في القرآن آية تحرمه.

2- وجاء في سنن أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يُعزل عن الحرة إلا بإذنها" وهذا معناه أن العزل عن الزوجة الحرة جائز إذا وافقت عليه.

3- وروي عن رفاعة بن رافع رضي الله عنه أن جماعة من الصحابة جلسوا إلى عمر بن الخطاب، فيهم علي والزبير وسعد بن أبي وقاص، وتذاكروا موضوع العزل؛ فقال الإمام علي كرم الله وجهه: لا بأس به، فقال له رجل: إنهم يزعمون أنها المؤودة الصغرى ؟! فردّ عليه الإمام علي قائلاً: "لا تكون مؤودة حتى تمرّ على التارات السبع: تكون سُلالةً من طين، ثم تكون نطفة، ثم تكون علقة، ثم تكون مضغة، ثم تكون عظاماً، ثم تكون خلقاً آخر". فسمع عمر رضي الله عنه ذلك فقال للإمام علي: "صدقت، أطال الله بقاءك".

4- وأخرج مسلم عن جابر بن عبد الله أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن عزله عن جارية لا يريد لها أن تحمل، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "اعزل عنها إن شئت، فإنه سيأتيها ما قُدّر لها".

رابعاً- أقوال الفقهاء في الموضوع:

1- ذكر الإمام الشوكاني في كتابه نيل الأوطار: أنه لا خلاف بين العلماء في جواز العزل بشرط أن توافق الزوجة الحرة على ذلك، لأنها شريكة في المعاشرة الزوجية.

2- وأورد الإمام ابن القيم في زاد المعاد أحاديث إباحة العزل، ثم قال: فهذه الأحاديث صريحة في جواز العزل، ثم ذكر أن القول بجوازه منسوب إلى عشرة من الصحابة هم: علي وسعد وأبو أيوب وزيد بن ثابت وجابر وابن عباس والحسن بن علي وخبّاب وأبو سعيد وابن مسعود.

3- وقال الشافعي رحمه الله: ونحن نروي عن عدد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم رخصوا في ذلك ولم يروا به بأساً.

4- وصرّح الإمام الغزالي بأن العزل مباح ولا نصّ يصرح بتحريمه، وذكر الدوافع المبيحة للعزل وهي:

- الخوف من كثرة الأولاد.

- الاحتراز من الحاجة إلى التعب في الكسب.

- دخول مداخل السوء.

وفنّد الغزالي حجج القائلين بالتحريم.

ولقد عرف الناس مع تطور الأيام طرقاً أخرى غير العزل لمنع التقاء المادتين التناسليتين، وما دام الهدف من وراء هذه الطرق واحداً، فلا مانع إطلاقاً من قياس هذه الطرق على طريقة العزل التي كانت معروفة عند القدماء.

5- ويقول البجيرمي من الشافعية: وأما ما يُبطئ الحبَلَ مدة، ولا يقطعه من أصله فلا يَحرُم، بل إن كان لعذر كتربية ولد لم يكره أيضاً.

خامساً- وسيلة أخرى غير مباشرة لتنظيم النسل:

إننا نرى في مقولات ديننا الحنيف وسيلة مدعواً إليها لتنظيم الأسرة، فقد روى أبو داود عن أسماء بنت يزيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقتلوا أولادكم سراً، فإن الغَيْل يدرك الفارس فيدعثره). والغيل: أن يعاشر الرجل زوجته إبّان الرَضاع معاشرة تفضي إلى حمل.

وإذا كانت مدة الرضاع الكامل سنتين بدليل قوله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة) البقرة:233. ثم تأتي مدة الحمل تسعة أشهر فمعنى هذا أنه سيكون بين الولد السابق والولد التالي ثلاثة أعوام تقريباً، وهي مدة تستريح فيها الأم، وتعاون على تنظيم الأسرة بطريق غير مباشر.

سادساً- أقوال مأثورة داعمة:

ويَحسُن أن نشير إلى نص مهم في هذا الموضوع وهو ما رواه الحاكم في تاريخه، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (جَهد البلاء كثرة العيال مع قلة الشيء) وقد عرض عدد من الصحابة هذا الفهم بعبارات مختلفة:

- فالإمام علي يقول: قلة العيال أحد اليسارين.

- وابن عباس يقول: إن كثرة العيال أحد الفقرين.

- ونجد الإمام أبا حنيفة يقول في وصيته لتلميذه أبي يوسف: ولا تتزوج إلا بعد أن تعلم أنك تقدر على القيام بحوائج المرأة... واشتغل بالعلم في عنفوان شبابك، فإن كثرة الولد والعيال تشوش البال...

- ثم يفسر الشافعي قوله تعالى: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا) النساء:3. فيقول: ذلك أقرب ألا تكثر عيالكم.

أما الآراء والفتاوى المعاصرة فنراها موافقة لما قرره السلف من جواز العزل وإباحته؛ ومنها رأي لجنة الفتوى بالأزهر الشريف سنة 1953، وما قرره أيضاً شيخ الأزهر العلامة محمود شلتوت سنة 1959، وما ذهب إليه معاصرون آخرون كالشرباصي والبوطي والزحيلي بشروط متفق عليها لخصها الدكتور عبد الله الطريقي في كتابه: (تنظيم النسل وموقف الشريعة منه) وهي: رضا الزوجين، وعدم استتباع ذلك بضرر، ومراعاة حق المجتمع في المولود.

أخيراً - توصية وخاتمة:

إن تنظيم الأسرة إنما يكون باقتناع الفرد وإرادته، ولا يكون عن طريق القسر والإكراه. وينبغي أن يكون هناك تنسيق مطّرد بين الذين يتحدثون عن تنظيم الأسرة من علماء الدين، وبين الذين يتحدثون عنه من النواحي الأخرى، وأن يتكامل الطرفان في دعواتهم.

وفي النهاية: فالدعوة إلى تنظيم الأسرة ليست محاربةً للزواج ولا للذرية، ولا معارضةً للأقدار، لأن الله سبحانه وهب الإنسان عقلاً وأنزل عليه تشريعاً: (ونفسٍ وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) الشمس: 7-10.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

التعليقات

سامر خليل-بيروت

تاريخ :2008/11/12

محاضرة رائعة حول الأسرة..جزاك الله كل خير على هذا النتاج العظيم يا عالم الأمة وسدد خطاك فكل مرة أدخل فيها على هذا الموقع الرائع أجد الجديد والجديد من عالم عامل مخلص لله عز وجل..

توفيق تكس-سلقين

تاريخ :2008/11/22

جزاك الله عنا كل خير والله أني أنتظركل يوم جمعة بفارغ الصبر كي ألبي نداء ربي عز وجل بفريضة صلاة الجمعة ولكي أحضر خطبتك أطال الله بقائك

شاركنا بتعليق