آخر تحديث: الجمعة 26 تشرين الثاني 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
تجليات ومظاهر حب الرسول

تجليات ومظاهر حب الرسول

تاريخ الإضافة: 2010/02/26 | عدد المشاهدات: 3149

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

كل ذكرى لميلاد سيدنا وحبيبنا وقرة عيوننا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنتم بخير، وما أجمل في الذكرى أن نتذكر ما يجب علينا حيال المحتفى بذكراه، ولعل أهم ما يجب علينا حيال المحتفى بذكراه وهو الرسول الأكرم والسيد الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أن تحبّه، نعم، محبته صلى الله عليه وآله وسلم فرضٌ عليك، فإن كنت تحبه فاعلم بأنك قد قمت بهذه الفريضة وإن كنت لا تستشعر هذا المعنى قوياً راسخاً فيك فاسعَ من أجل أن تجدد قيامك بالفرائض وأن تجدد إسلامك من خلال سعيك للتحقق بالفرائض، محبته صلى الله عليه وآله وسلم ليست نفلاً وليست مزاجاً، وليست أمراً تطوعياً وإنما محبته فرضٌ عليك وعلي وعلى كل مسلم، نعم.

أيها المسلم: أحِبَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإلا فأنت مقصِّر في الفرائض: (إن الله فرض فرائض فلا تضيِّعوها) ومن جملة الفرائض محبة النبي، وقد ثبت ذلك بالدليل الشرعي القاطع، قال الله عز وجل: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموالٌ اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهادٍ في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره﴾ والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول كما في البخاري ومسلم: (ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان) وجد الإيمان ووجد حلاوته، فإنك إن لم تجد حلاوته فلا يمكن أن تجده من غير حلاوة (ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار) ويقول صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في صحيح مسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده ومن الناس أجمعين) حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرضٌ عليك فتأكد من قيامك بهذه الفريضة، لعلَّ سائلاً يسأل وكيف يتجلى هذا المعنى الذي هو الحب، والحبُّ أمرٌ ضمني، وكيف نستدل من نفسي على نفسي بأني أحب ؟ هناك تجليات ودلائل وبراهين ومعايير لهذا الحب، تسألني كيف أعرف بأني أحب النبي وأنا أقول بأني أحبه ؟ أقول لك هناك تجليات ومظاهر لهذا الحب فانظرها، وها أنذا سأعددها عليك، فإن وجدت نفسك متحققاً بهذه المعايير والبراهين والدلائل والتجليات فاعلم علم اليقين بأنك تحبه وبأنك قد قمت بهذه الفريضة.

الدليل الأول: تعظيم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والشوق إليه، الشوق إليه وليس إلى المدينة، الشوق إلى المدينة علامةٌ ظاهرة على الشوق إليه، الشوق إليه، إلى ذاته الشريفة. أخي المسلم: لو أنك الآن يعيش ولدك الذي تحبه بعيداً عنك، بالله عليك هل تتحدث عنه هكذا حديثاً عادياً أم أن حديثك عنه حديثٌ مُضمَّخٌ ومملوء وممزوج بالشوق، كل من رآك تتحدث عن ولدك الذي غاب عنك بعيداً يلحظ الشوق في عينيك، ويلحظ الدمع في مقلتيك، ويلحظ أنك فعلاً مشتاق إلى حدٍ جعل منك هذا الشوق نادباً وباكياً وتائهاً وحيراناً، فهل هذه حالك مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ يقول صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح الذي يرويه مسلم: (من أشدِّ أمتي إليَّ حباً) وكأن النبي يقول لمن معه أتريدون أن تتعرفوا على من يحبني من أمتي بعدكم ؟ (من أشدِّ أمتي إليَّ حباً ناسٌ يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله) لو أنك خُيّرت بين أن ترى رسول الله، ولكن شريطة أن تدفع وتقدِّم أهلك ومالك، سيكون أهلك ومالك ثمناً لرؤية هذا النبي، فهل تقدِّم أهلك ومالك من أجل أن ترى هذا النبي الذي تشتاق إليه ؟ أنت تقول من أجل ولدك الذي تشتاق إليه أدفع كل مالي من أجل أن أراه، أنت تقول من أجل حبيبك الذي تحب، زوجك وزوجتك التي تحبين، تقول أدفع روحي هكذا تقول وتقولين، فهل أنت تقول حيال رسول الله: والله إني لمشتاق ومن أجل أن أرى رسول الله أدفع أهلي ومالي ونفسي، فهل أنت على هذا القدر من الشوق، إذن أنت محب وإلا فجدد حبك لهذا النبي لأن محبة النبي فرض، نحن أناس اليوم نعيش ادِّعاء حب، نحن أناسٌ اليوم نعيش بهرجةً لشيء، لمعنى اسمه الحب، لكن هذا المعنى مفقودٌ في دواخلنا. من دلائل الحب الشوق أولاً.

الدليل الثاني: الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم بحضور، أرى أناساً وترون معي أناساً كثيرين يصلون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عبر ألسنتهم فقط، نريد صلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم بحضور أن تستحضره أمامك، لو أنك دُعيت لإلقاء كلمة، وهذا من أجل التقريب، أمام الرئيس، أمام حشدٍ كبير من المسؤولين، فبالله عليك قل لي كيف تحضِّر وتتمرن على هذه الكلمة قبل أن يأتي موعد الكلمة ؟ تدخل غرفتك، تقول لمن معك أريد ألا يزعجني أحد، لا أحد يدخل علي، أريد أن أتدرب لأني سألقي هذه الخطبة أمام المسؤول الكبير، تدخل غرفتك تقطع عنك كل الصِّلات، تقوم وتقف بينك وبين نفسك وتلقي الخطبة على مسامعك متدرباً. فهل أنت تصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الحضور ؟ عندما تتدرب على إلقاء الخطبة تستشعر هذا الرئيس أمامك، وتستحضر هذا الرئيس أمامك، فهل أنت تصلي على الرسول مستشعراً الرسول أمامك ؟ أنت تقول في التحيات: التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. تخاطب رسول الله بكاف الخطاب، فهل تستشعر الرسول أمامك وأنت تصلي عليه، أم أنك تمرر أصبعيك على السُّبحة وعبر اللسان وتقوم بتسيير الأمور المادية حولك وأنت تزعم أنك تصلي على النبي في اليوم ألف مرة ؟ هذه ليست الصلاة التي نريدها: (إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة) الصلاة على الصيغة والهيئة التي وصفناها، على الشكل الذي أشرنا إليه، صلِّ على النبي في اليوم عشر مرات مستحضراً، ولا أريدك أكثر من ذلك، وحسبي بهذه الصلوات عن صلوات تتجاوز الألف من غير استحضار، لأننا في النتيجة نريد من هذه الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم أن تحققك بالانتماء كما سنرى.

الدليل الثالث: تتبع سيرته والتعرف عليه، هل أنت تحبه ؟ بالله عليك ألا تسأل عن أخبار من تحب ؟ ولدك في الغربة ألا تسأل عن أخباره الصغيرة منها والكبيرة ؟ ألا تسأل عما يأكل ويشرب، ألا تسأل عن الشوارع التي يمشي فيها ؟ ألا تسأل عن السرير الذي ينام عليه ؟ ألا تسأل عن الصَّحب الذين يمشي معهم ويصحبهم ؟ ألا تسأل عن الجامعة التي يدرس فيها ؟ فهل تسأل عن هذا الذي تقول بأنك تحبه وهو رسول الله فهل تتبع سيرته وهل تسأل عن أخباره وهل تطلع على الأحداث التي خطَّها سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أم أنك مقتنعٌ بهذه المعرفة الضئيلة والضئيلة جداً جداً عن هذا النبي الكريم ؟ فأين تتبع السيرة وأين التعرف عليه ؟

الدليل الرابع: الاقتداء والتأسي به، إن المحب لمن يحب مطيع، قضية مفروغٌ منها، بدهيةٌ.

تعصي الإله وأنت تظهر حبه          هذا لعمري في القياس شنيع

لو كان حبك صادقاً لأطعته             إن المحب لمن يحب مطيع

﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾ وفي الحديث الصحيح: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به).

الدليل الخامس: أن تستشعر مكانته صلى الله عليه وآله وسلم عند ربه، أنت تحب إنساناً يحوز شهادة عليا فكلما ذكرته أمام الناس وذكرت حبك له ذكرت هذا الذي يتمتع به من شهادة من علم من مال من عطاء من أخلاق، فإذا كنت تحب رسول الله فاستشعر مكانة رسول الله عند ربك، إذا كنت تحب إنساناً يحبه المسؤول فإنك تستشعر وأنت تذكره مكانته عند الرئيس، فاستشعر مكانة محمدٍ عند رب محمد، هذا برهانٌ بأنك تحب محمداً اقرأ: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ وتمعَّن في هذه الآية، وتمعن في قوله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً﴾ تمعَّن في هذا: ﴿والضحى والليل إذا سجى. ما ودعك ربك وما قلى. وللآخرة خيرٌ لك من الأولى. ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ استشعر مكانة هذا النبي عند ربه، عند من مكانتنا عنده تفوق كل مكاناتنا عند سواه، اقرأ حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن نفسه الذي يوضح فيه مكانته عند ربه في الحديث الصحيح في مسلم: (أنا سيد ولد آدم، وأنا أول من ينشق عنه القبر، وأنا أول شافعٍ وأول مشفّع) فهل تستشعر هذه السيادة لهذا الحبيب المصطفى ؟ تذكر هذا دائماً واستحضر، فمن أحبَّ شخصاً استحضر مكانته عند الكبار وليس ثمة أكبر من الله عز وجل، وليس ثمة مكانة لمخلوق أكبر من تلك المكانة التي أُكرم بها سيدنا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم من قبل ربه.

الدليل السادس: أن تحب آل بيته، قال صلى الله عليه وآله وسلم كما في الترمذي: (أحبوا الله لما يغذوكم من نعمه، وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي بحبي)، ﴿قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى﴾. هل تحب علياً وفاطمة والحسن والحسين أكثر من نفسك ومالك وأهليك ؟ لأن هؤلاء بعضٌ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال عن علي: (علي مني وأنا من علي) وقال عن الحسين: (حسينٌ مني وأنا من حسين) وقال عن الحسن: (لقد أشبهتني خلقاً وخُلُقاً) وقال عن فاطمة: (فاطمة بضعةٌ مني يؤذيني ما آذاها) أحبوا آل بيته (اللهم هؤلاء أهل بيتي، أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً) هل أنت على ذكرٍ لأولئك الذين قال عنهم ربي: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً. إنما نطعمكم لوجه الله﴾ هل أنت على ذكرٍ وحبٍ لهؤلاء الذين دعاهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم معه ليباهلوا النصارى ؟ هل أنت على حب من آل بيته هؤلاء رضوان الله عليهم وعليهم ألف سلام ؟ إذن إن كنت تحب آل بيته وتتفانى في حبهم فأنت تحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، هكذا قال سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الحسن والحسين: (اللهم إني أحبهما وأحب أباهما وأمهما، اللهم فأحب من يحبهما) اقرؤوا في مسند الإمام أحمد أحاديث تفوق في العدّ المئتين حول حب آل البيت رضي الله عنهم وأرضاهم، هؤلاء إنما يريد الله ليذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيراً.

هذه معايير من أجل أن ترى من خلالها صدق حبك فهل أنت تحب رسول الله ؟ انظر نفسك هل أنت تشتاق إليه ؟ هل أنت تصلي عليه ؟ هل أنت تقتدي به ؟ هل أنت تتبع سيرته وتتعرف عليه ؟ هل أنت تستشعر مكانته عند الله ؟ هل تحب آل بيته ؟ إن وجدت في نفسك وسيرتك وسلوكك ذلك فقد قمت بفريضة حب رسول الله وإلا فجدد في أيام مولده هذه الفريضة في ذاتك.

اللهم إني أسألك أن تجعل حبك وحب نبيك أحب إلينا من كل شيء وأحب إلينا من الماء البارد على الظمأ يا رب العالمين، نعم من يسأل ربنا ونعم النصير إلهنا أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 26/2/2010

التعليقات

شاركنا بتعليق