آخر تحديث: الخميس 22 أغسطس 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
من وصايا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

من وصايا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

تاريخ الإضافة: 2006/03/31 | عدد المشاهدات: 3956

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

يأتيني إنسان رجل شاب فيقول لي: تكاد تكون الدنيا كلها في عصرنا الراهن بؤرة اضطراب: زلازل، غرق، قتال، احتلال، تحديات، قمع للحريات، كذب، دجل، نفاق، هذا يعتدي على هذا وهما من دين واحد، وذاك يقاتل الآخر وهما من وطن واحد، والجار لا يكاد يرعى حرمة جاره، والزوج في إعراض عن زوجته، والزوجة في خيانة لزوجها، الأمور تكاد تكون قد أشبعت ظلاماً وظلماً وسوءاً وشراً، فما الذي يجب أن نفعله ونحن في هذه البؤرة المضطربة القاسية الجافية؟ أقول لمثل هذا الذي يتحدث هذا الحديث وقد قلت ذلك: الظلام يأتي من كل جانب، ولكن النور لا يأتي إلا من جانب واحد. تشرق الشمس من الشرق ولكن الظلام يأتي من كل الجهات، وتوقد النور من مكان معين إذ المصباح هنا أو هناك، لكن الظلمة لا تعرف من أين تأتي إنها تأتي من كل جانب.

بناءاً على هذا وها هو شهر ربيع الأول قد أطل علينا وقد رأينا هلاله: اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام ربي وربك الله، إذا كان النور يأتي من جانب واحد وها هو شهر ربيع النور قد أقبل فهل ترى يا أخي أن هناك نوراً غير هذا النور الذي قد أتى من ربيع الأول من ربيع النور، إذا كان النور يأتي من جانب واحد فما أظنك ترى نوراً إلا من جانب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فرسول الله هو الذي حمل النور إلينا من رب العزة جلت قدرته، من نور السماوات والأرض، لذلك وليس الكلام كلاماً وجدانياً فحسب وإنما الكلام علمي ومنطقي ومعرفي، وأحب من خلال هذه الخطبة في مستهل شهر ربيع الأول أن أتوجه إلى كل المسلمين بشكل عام وإلى أولئك الذين يحضرون هنا بشكل خاص ناصحاً إياهم أن يتوجهوا إلى جانب النور، إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولتكن القلوب متوجهة إليه مع العقول ولتكن كل الحركات متوجهة إليه، فورب العزة إذ تتوجه إليه أيها الإنسان فأنت في مأمن، لأنك أمام الصادق المصدوق أمام رؤوف بك رحيم، أمام من يحرص عليك وعلى منفعتك أكثر مما تحرص أنت على منفعتك وعلى ما يسرك. أتوجه إليكم جميعاً أيها المسلمون في كل بقاع الأرض من أجل التفاتة صادقة بالعقل والقلب والجوارح إلى سيد الكائنات، إلى جانب النور، فلعلنا نقبس من ذلك النور لنبعد ظلاماً حلَّ بنا، قد أتانا من هنا وهناك من اليمين ومن الشمال من الأمام ومن الخلف.

 قررت في هذا اليوم أن نقف جميعاً أمام حضرة سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولسان حالنا يقول له كما كان بعض صحابته الكرام يقول له: يا رسول الله، يا صاحب النور، يا حامل النور من نور السماوات والأرض إلى الناس كافة أوصِنا، فنحن في أشد الحاجة إلى وصية منك، فلقد اخترقنا الاحتلال وأضاعنا القتال، وعشنا مضطربين هذا يضربنا يميناً وذاك يتلقانا بالضربة شمالاً وذاك يستثمرنا وهو منا يبيع ويشتري علينا وهذا ينافق لذاك وذاك يتحدى بغير الله عز وجل، وجار يريد أن يجور علينا، وأناس يريدون أن يستغلوا ديننا من أجل الحصول على دنيا رخيصة، ﴿يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون البقرة: 79، يا سيدي يا رسول الله أوصنا قلت هذا بيني وبين نفسي لأعقدنَّ طلباً أمام إخوتي في جامع التوحيد أتوجه من خلاله إلى سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أوصنا. ورجعت إلى كتب الحديث آخذ من هنا وصية ومن هناك وصية حتى أتيتكم بعدد من وصايا سيدي رسول الله. فيا أيها الرجال، ويا أيتها النساء، ويا أيها الشباب، ويا أيها الأطفال، ويا أيها الحكام، ويا أيها الجنود، ويا أيها الوزراء، ويا أيها الباحثون، ويا أيها المتكلمون، ويا أيها الخطباء، ويا أيها القائمون على الأمور مهما كانت مساحة هذه الأمور صغيرة كانت أو كبيرة: قفوا أمام سيدي رسول الله وقولوا له: أوصنا وإليكم بعض الوصايا:

الوصية الأولى وهي معروفة مشهورة يقول سيدي رسول الله لغلام يسمى ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه وقد كان خلف النبي راكباً وها أنا أتوجه إلى الصغار والكبار بهذه الوصية: "يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك – احفظوا الله يا حكام من أجل أن يحفظكم، احفظوا الله يا تجار من أجل أن يحفظكم ربكم، احفظوا الله يا علماء الدين من أجل أن يحفظكم ربكم – احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف" ولا كلام بعد هذا الكلام "احفظ الله يحفظك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسراً" هذه وصية تمعنوا فيها وأقرؤوها أبناءكم وبنيكم وأقرؤوها تلاميذكم وطلابكم أقرؤوها يا أصحاب مؤتمر القمة شعوبكم لأن المؤتمرات أصبحت باهتة لأن الخير يكاد أن يكون مسحوباً منها إلا من رحم الله.

الوصية الثانية: قال ابن عمر أخذ رسول الله بمنكبي وقال: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك من أهل القبور واعبد الله كأنك تراه – لا تأنس لمتع الدنيا، ولا تظنن أن هذا الذي يضحك في وجهك، وأريد أن يسمع المسؤولون هذا لاتظنوا أن هذا الذي يضحك في وجوهكم مسرور منكم لكنه مضطر وخائف ومقهور، لذلك - كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك من أهل القبور واعبد الله كأنك تراه" روى ذلك الترمذي وأحمد.

الوصية الثالثة: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما روى ابن ماجه فقال يا رسول الله: دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس – ومن منا لا يريد أن يحبه الله وأن يحبه الناس – قال: "ازهد في الدنيا يحبك الله – والزهد يعني ألا تضع الدنيا في قلبك، اعمل للدنيا ولكن إياك أن تدخل الدنيا في قلبك، إياك أن تفرغ قلبك للدنيا، اعمل للدنيا ما استطعت، وخذ الأسباب كافة ولكن إياك أن تسكن الدنيا قلبك، فقلبك بيت ربك وقلبك يسكنه ربك – وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس" أيها الفقير لا تنظر إلى ما في يدي الغني من مال فسيحبك الغني، أيها الإنسان أنظر إلى أصحاب المناصب على أنهم أهل ابتلاء، إياك أن تتطلع في قلبك إلى منصب من هذا فستكون عبده:

أنت القتيل بأي من أحببته                    فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي

الوصية الرابعة: يروي الحاكم والبيهقي وكلها بسند حسن أو صحيح جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أوصني – ونحن نقول لسيدي رسول الله في شهر الربيع أوصنا – فقال: "عليك بالإياس بما في أيدي الناس – كن يائساً مما في أيدي الناس لا تطمع بما في أيدي الناس واطمع بما عند الله – وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر، وصلِّ صلاتك وأنت مودع وإياك وما يعتذر منه" انتبه لتصرفاتك ولأقوالك ولأفعالك.

الوصية الخامسة: يروي الترمذي بسند حسن صحيح قال سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " بادروا بالأعمال سبعاً – سابقوا إلى الأعمال هذه الأمور السبعة التي ربما تأتيكم وأنتم لا تشعرون لماذا لا تبادرون؟ - هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنىً مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر" أو الدجال والدجاجلة أصبحت كثيرة لأن قبل الدجال الكبير دجالون، ثلاثون دجالاً، وها نحن نرى في كل يوم دجالاً، لذلك آمل أن نبادر بالأعمال قبل أن تحل بنا ضرائر سبعة.

الوصية السادسة: يقول سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في مسلم: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير – الوصية – احرص على ما ينفعك واستعن بالله – ولا تستعن بسواه – ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان".

قلت مرة لأحد الشباب: احسب كم مرة في اليوم قلت (لو) وبناءً على ذلك اعلم أنه بعدد المرات التي قلت (لو) كان الشيطان معك وكان الشيطان يوجهك. اجعل الماضي لا يؤثر على حاضرك سلباً، التفت إلى الماضي وخذ محاسنه، ليكن ذلك دافعك لتعمل في الحاضر بشكل قوي، انظر إلى الماضي معتبراً، وانظر إلى المستقبل آملاً وإلى الحاضر عاملاً، اعملوا، اقرؤوا، ثقفوا أنفسكم لاتمرروا أوقاتكم من غير عمل صالح يصلح الأمة والوطن والأرض، وطننا بحاجة إلى عمل صالح وليس بحاجة إلى كلامنا المعسول الذي لا ينتهي إلى عمل صالح طيب.

الوصية السابعة: روى الطبراني بإسناد حسن "بروا آباءكم تبركم أبناؤكم، وعفوا تعف نساؤكم" ونساؤنا هن نساء المجتمع كافة ليست نساؤنا فقط هي النساء اللاتي تزوجناها أو الأمهات اللاتي ولدتنا، ولكن إذا أردنا أن نحافظ على نساء وطننا فلنكن عفيفين.

الوصية الأخيرة: كما جاء في سنن الترمذي بسند حسن صحيح: "ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثاً فاحفظوه" – هكذا قال سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – "أما الثلاث ما نقص مال من صدقة" – آمنوا بهذا واعتقدوا هذا المتصدقون قليلون لأنهم يعتقدون أن الصدقة تنقص المال – "ولا ظُلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله عزاً" – أيها المظلومون ستنتصرون ولكن تابعوا الصبر والصمود والالتزام بحبل الله فسيزيدكم ربي عزاً، وأغتنمها فرصة لأقول لإخوتنا في حماس: زادكم الله عزاً وقد استلمتم مقاليد الحكم في فلسطين، وأسأل الله أن يكون في كل فلسطين أوصيكم بأن تصبروا على معطيات ربكم، وألا تأخذكم الدنيا، وألا تلهيكم الدنيا، وألا تلهيكم الحكومة ولا الرئاسة ولا الوزارة، بل عليكم أن تتابعوا الصبر والصمود على تلك الحقائق التي جاءت في قرآن ربنا وعلى تلك الأمور التي نبَّعها وبثقها وأخرجها سيدي رسول الله فكانت للإنسانية طريقاً سوياً. أهنئكم وأدعوكم إلى الثبات على دين الله القويم، وعلى حقائق القرآن الكريم، وعلى سنة سيدي وحبيبي محمد عليه وآله الصلاة والسلام، وآمل من كل إخواننا في كل الفصائل أيضاً أن تتابع ولا سيما الجهاد والجبهة وكل الذين يعملون مقاومين، وأسأل الله أن تكون مقاومتهم وعدم مقاومتهم وحكمهم ورئاستهم وسلامهم أن تكون كلها وفق شرع الله المجيد ووفق الحق والعدالة ووفق نصرة الإنسان ووفق دحر الظالمين – "ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر" – أيها الفقراء وإن كان الأغنياء مقصرين تجاهكم لكنني أريدكم غير سائلين لا تسألوا الناس إلحافاً، أريدكم أن تكونوا ممن يسأل ربه عز وجل فربكم سيفرج عنكم ويفرج عنا، فيارب فرج عن فقرائنا، ويا رب اشف مرضانا، وعافِ مبتلانا، واغنِ فقراءنا، واجعلنا في هذا البلد آمنين مطمئنين، جنبنا الفتن والفواحش ما ظهر منها وما بطن، لانسأل إلا وجهك الكريم فأجب دعاءنا، واستجب لنا يا ربنا كما وعدتنا – ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثاً فاحفظوه – ذكرنا هذه الأمور الثلاثة أما الحديث الذي طلب منا أن نحفظه – "إنما الدنيا لأربعة نفر: الأول عبد رزقه الله مالاً وعلماً فهو يتقي فيه ربه ويصل رحمه ويعلم أن لله فيه حقاً فهذا بأفضل المنازل، والثاني: عبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان فهو بنيته وأجرهما سواء، الثالث: عبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً – وكل شيء ينبغي أن يؤسس على علم– "يخبط في ماله بغير علم" – تعلم أيها التاجر يا من تملك المال تعلم كيف تستثمر المال وتعلم كيف تنفق المال، تعلم كيف تتعامل مع المال وإلا كما قال سيدي رسول الله – "وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً يخبط في ماله بغير علم، ولا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقاً فهو بأخبث المنازل، والرابع: عبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً فهو يقول لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان – الذي رزق مالاً ولم يرزق علماً – فهو بنيته ووزرهما سواء" العلمَ العلم يا أبناءنا، يا طلابنا، العلمَ العلم، إما أن ترزق العلم ونية المال فهذان أمران رائعان، أما أن لا ترزق العلم وترزق المال فهذه قضية خطيرة لذلك كان التاجر الصدوق الذي بنى تجارته على أساس من علم بما يصلحه كان مع النبيين، كان مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الجنة كهاتين (وقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى).

فلنقبل جميعاً على رسول الله نستوصيه، نقول له: يا سيدي يا رسول الله أنت ممثل جانب النور وقد أقبل الظلام علينا من كل جانب، غير أن جانبك هو الجانب المُنَوَر المُنوِر، منورنا يا سيدي يا رسول الله ولنكن صادقين ونحن نقبل ونجثو على ركبنا أمام حضرة سيدي رسول الله.

وأخيراً كل عام في ذكرى ميلاد سيدي رسول الله وأنتم بألف خير، كل عام وأمتنا تعيش الخير والسرور والفرح وإبعاد الظلام والظلم، كل عام وأمتنا تقتدي تمام الاقتداء وحق الاقتداء وكمال الاقتداء بسيد ولد آدم سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كل عامٍ ووطننا بألف خير، وأسأل الله عز وجل أن يوفقنا من أجل أن نكون دائماً حسب ما أردد وأقول وشعارنا وغايتنا وهدفنا: (وطن نظيف يستظل بظل دين حنيف)، اللهم وفقنا لتحقيق ذلك، نعم من يسأل أنت، ونعم النصير أنت، أقول قولي هذا وأستغفر الله.

التعليقات

شاركنا بتعليق