آخر تحديث: الثلاثاء 21 مايو 2019
عكام


لطيفة قرآنيــــة

   
يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك

يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك

تاريخ الإضافة: 2006/04/28 | عدد المشاهدات: 2692

كنت أقرأ صباح هذا اليوم في سورة المائدة، وقد وقفت عند قوله تعالى فيها: ﴿يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين﴾ المائدة:67.

والسؤال هو: ما معنى كلمة بلّغ ؟

الآيات تقول: يا أيها الرسول إن مهمتك هي التبليغ. فما هو التبليغ ؟ هل التبليغ هو أن آتيك فأقول: إن فلاناً يأمرك بكذا. ثم أتركك وأنصرف ؟ هل هذا هو التبليغ الذي يشكل فحوى الرسالة: ﴿وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته﴾. الرسالة قائمة على التبليغ، وبدونه لا يحقق الرسول رسالته، فما هو التبليغ المطلوب ؟

لقد بحثت في عدة كتب من كتب التفسير وفي المعاجم، واستقر فهمي في النهاية على أن المراد بقوله تعالى: بلّغ هو: أوصل مضمون هذا الذي أمرناك بإيصاله، أوصله إلى الناس بتحمل، ومن غير سطوة، وبدون ضجر.

ثلاثة شروط إذا رافقت الإيصال كان تبليغاً: التحمل، وانتفاء السطوة، وعدم الضجر.

صفات ثلاث إذا وجدت واحدة منها في الإيصال لم يحصل التبليغ المطلوب:

فإن أوصلت هذا المضمون من غير تحمل لما تلقاه من الناس من أذى، وأنت توصل إليهم هذا الذي أُمرت بإيصاله. فلست بمبلغ، وإن أوصلت هذا الذي أُمرت بإيصاله بسطوة فلست بمبلغ، وإن تضجرت وأنت توصل هذا الذي أُمرت بإيصاله فلست بمبلغ.

لقد خاطب الله رسوليه موسى وهارون عليهما السلام من أجل أن يكونا مبلغين حقيقيين، فقال لهما في سورة طه: ﴿اذهبا إلى فرعون إنه طغى. فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى﴾ طه:43-44. فإن لم يكن الإيصال بالقول اللين فلست بمبلغ. وقال الله لرسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾. لنت لهم: أي للناس كافة.

إذن: التبليغ يعني إيصال ما أُمرت بإيصاله بتحمل ومن غير سطوة ولا ضجر.

ولطالما ذكرنا ذاك الحديث: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحكي نبياً ضربه قومه حتى أدموه، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون". يتحمل أذاهم لأنه مبلغ. ولما ضجر ذو النون عليه السلام عاتبه ربه: ﴿وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننج المؤمنين﴾ الأنبياء:87-88.

التبليغ إيصال ما أُمرت بإيصاله بتحمل ومن غير سطوة ولا ضجر، فإن كان مع الإيصال عدم تحمل أو سطوة أو ضجر، لم يكن تبليغاً، وقد ضرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أروع الأمثلة وأعظمها في الرحمة وتحمل الأذى والصبر والرأفة في تبليغ الناس.

﴿وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ إن لم تقم بالتبليغ على أسسه وشروطه فقد انتفت الرسالية عنك، فمن لم يحقق التبليغ لم يتحقق بالرسالية.

﴿والله يعصمك من الناس﴾ يطمئن الله رسوله، إذ ربما تجاوز فعل الناس الحدَّ المحتمل فآذوه أو قتلوه، فيقول الله تعالى له: أنا أعصمك من الناس، فلن تقتل. أما الإيذاء فهو أمر طبيعي، ومن أجله فرضنا عليك التحمل. فالذي عصمه من الناس صانه بحمايته من القتل. ﴿قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى. قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى﴾ طه:45-46.

﴿إن الله لا يهدي القوم الكافرين﴾ لا يعين الكافرين أن يحققوا غايتهم في قتلك يا محمد، لأنهم سيردون عليك بقسوة، ولكن هذا الرد سيكون بمعزل عن معونة الله، والذي يقوم بفعله بمعزل عن معونة الله لن يحقق مأربه. فالله لن يهديهم ليحققوا مأربهم في النيل منك قتلاً أو إماتة.

ربما سأل إنسان: لم قال الله تعالى: ﴿ما أُنزل إليك﴾ ولم يقل: ما أنزلنا إليك ؟ لم عبر عن الإنزال بالفعل المبني للمجهول ؟

وفي الجواب أقول: كأن الله يخاطب أنبياءه من خلال المُحسّ... لقد أُنزل إليك شيء، وقد أيقنت أيها النبي أنه من ربك، لذا أخاطبك من خلال ما تحس به، لا من خلال ما أفرضه عليك. لو قال: ما أنزلنا إليك... صار طالباً للتحرك من خلال المجرد لا من خلال المحسوس. لكنه قال: ﴿ما أنزل إليك﴾. إذن: لقد انتهى إنزاله، وهو موجود قائم بين يديك، ومحسوس مستيقن منه. إذن بلغ هذا الحاضر المشهود المحسوس.

 

التعليقات

شاركنا بتعليق