آخر تحديث: الثلاثاء 03 كانون الأول 2019
عكام


نــــــــــــدوات

   
محمد راغب الطباخ: مؤرخاً ومثقفاً/ المكتبة الوقفية بحلب

محمد راغب الطباخ: مؤرخاً ومثقفاً/ المكتبة الوقفية بحلب

تاريخ الإضافة: 2010/08/07 | عدد المشاهدات: 3060


شارك الدكتور الشيخ محمود عكام في الندوة التي أقامتها مديرية أوقاف حلب بعنوان: "محدث حلب ومؤرخِّها الشيخ محمد راغب الطباخ"، يومي الجمعة والسبت 6 -7/8/2010 في قاعة المحاضرات بالمكتبة الوقفية بحلب، وقد قدم الدكتور عكام ورقة بعنوان: "محمد راغب الطباخ: مؤرخاً ومثقفاً" ألقيت في الجلسة الختامية للندوة، وفيما يلي نص الورقة:

 

محمد راغب الطباخ: مؤرخاً ومثقفاً

1- خطوط عامة ترسم حياة الطباخ:

ولد محمد راغب الطباخ في حي عريق من أحياء حلب "باب قنسرين" ضمن بيئة تعمل بالتجارة، وعلاقته بالعلم علاقة تقدير وإكبار وحب، لكنه - رحمه الله - أبى أن تبقى العلاقة مع العلم على الشكل الذي ذكرنا، وهبَّ ليجعل من العلم سعياً إلى طلبه، ومن تقدير العلم سلوكاً عنوانه الدراسة والقراءة، ومن إكباره حركة تعامل وتضامن وتماهٍ مع العلم، ولهذا جدَّ في اكتسابه وتلقيه من شخصياته الكبيرة المقتدرة أمثال العلامة محمد الزرقا والعلامة بشير الغزي والعالم المجاهد رضا الزعيم وسواهم. وأثمر ذياك الجد والسعي ليغدو محمد راغب الطباخ علماً من أعلام العلم والمعرفة في الشهباء يكتب ويؤلف ويؤسس المدارس العلمية ويضع المناهج الموائمة المناسبة، ولم يغب عن باله فكرة إنشاء مطبعة سخرها لإحياء تراث العرب والمسلمين ونشره، وتسلم بجدارة زمام رئاسة رابطة العلم في حلب، وفي النهاية أسلم روحه إلى بارئها 1951، ولسان حاله يقول: (واجعل لي لسان صدق في الآخرين)، و(توفني مسلماً وألحقني بالصالحين). رحم الله طباخ الثقافة والتاريخ والعلم والمعرفة والجهاد والطباعة والنشر، وأثابه خير الثواب وأعظمه.

2- محاور شخصية الطباخ:

لعل ما تميز به الطباخ أنه كان عدة رجال في رجل، فهو التاجر والعالم والمثقف والناشر والمؤرخ، وإن شئت زد وأضف على ذلك ما يمكن أن يفرزه عقلك أيها القارئ من أوصاف حميدة لأناس يتباهى بهم التاريخ.

وها أنذا أتناول بالتفصيل محورين هامين من هذه المحاور المكونة لشخصية الطباخ فأتحدث عنه مثقفاً ومؤرخاً. من خلال كتابيه: (الثقافة الإسلامية) و (إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء).

أ- الطباخ مثقفاً:

عرَّف الطباخ الثقافة بأنها: "العلوم والمعارف التي تحلَّت بها الأمة الإسلامية بعد تلك الحالة التي كانت عليها الأمة العربية في عهد الجاهلية بسبب بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم" ولهذا فقد بدأ الطباخ بذكر أحوال العرب قبل الرسالة وأتى على توصيف عاداتهم ومعتقداتهم ليبين فيما بعد التغييرات التي أحدثها الإسلام فيهم والإضافات التي أسبغها عليهم، فكان منها - أي من الإضافات - علم التجويد والتفسير والإعجاز والقراءات وعلوم التوحيد.

ثم جاءت المدارس الدينية فاحتضنت هذه العلوم ورعتها وجعلت منها علوماً عامة نافعة لمن كان مسلماً ولمن لم يكن، ما دام هذا وذاك حريصين على الإفادة من العلوم التي تكشف عن حركة العقل في مسارات الحياة المختلفة. وبناءً على التعريف الطباخي: فإن الشيخ كان مثقفاً بامتياز حين ألمَّ بعلوم الحديث التي كانت من خصوصيات الأمة الإسلامية، وعلوم التفسير وعلوم التوحيد وغيرها، وقد كان تمكّنه فيها مشهوداً له به، وسل عن ذلك طلابه ومعاصريه وكتبه ودارسيه.

ب- الطباخ مؤرخاً: ليس من شك في أن التاريخ هو مخبر العلوم الإنسانية في مقابل المخبر العملي ذي الآلات للعلوم التجريبية، ولذلك كان للتاريخ مهمة وغاية وهي: أن يريك المعادلات الإنسانية التي تشكل العلوم الإنسانية مطبّقة محققة أو أنها لا تقبل التطبيق، وعليك أيها الباحث الالتزام بالنتائج (قل سيروا في الأرض فانظروا...).

وقد أدرك شيخنا هذا فسعى للتاريخ سعيه المشكور وانطلق دارساً مساحاته الواسعة الشاسعة وانتهى إلى التركيز على المدينة التي أنجبته وعاش فيها ليتخذها أنموذجاً، ولا سيما أنه أضحى واحداً من رجالاتها وأحد أبرز صانعي تاريخها أو حقبة من تاريخها وقديماً قيل: من جهل ما حوله لا يسعه أن يعلم ويعرف ما نأى عنه.

وقد جعل كتابه عن حلب في قسمين: خصص الأول منهما للأحداث، والثاني لصانعي الأحداث من مفكرين وسياسيين وفقهاء وأدباء وشعراء، ولم يغفِل حديثاً عن جغرافيا وديمغرافية، فذلك كله جزء من منظومة المؤثرات بل من منظومة كلية الوجود الإنساني التي يشكل الإنسان محورها لكنه - أبداً - لا يشكلها كلها.

وأخيراً: إلى من كتب فأجاد، وجمع فأحسن، وصنّف فأوعى، إلى تلكم الروح الطاهرة التي لم تدخر جهداً في تقديم معالم إنسانية لجيل معطاء، إلى علامة زمانه باقتدار، إلى من بكاه التاريخ ورثاه الحديث ونعته الثقافة، إلى المؤرخ المحدث المثقف راغب الطباخ، سائلين المولى أن يجعله مع الذين هم محسنون. والسلام.

حلب 6/8/2010

د. محمود عكام

التعليقات

شاركنا بتعليق