آخر تحديث: السبت 07 كانون الأول 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
ضوابط تحكم المجتمع الإسلامي

ضوابط تحكم المجتمع الإسلامي

تاريخ الإضافة: 2011/01/07 | عدد المشاهدات: 2955

 أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون المسلمون:

لعل الميزة الأهم للمجتمع الإسلامي المنشود: الأمن والسلام، ذلك أن الإسلام حينما طلب منا تكوين مجتمع أراد أن يكون هذا المجتمع آمناً، فلا ظلم ولا تخويف ولا ترويع ولا تجاوز وإنما الكل آمِنٌ من الكل، الجار آمن من جاره، والتاجر آمن من شريكه، والشيخ آمن من مستمعيه، والمستمعون آمنون من شيخهم، المدرس آمن من التلاميذ، والتلاميذ آمنون من المدرس، وهكذا دواليك... هذا المجتمع وصَفَه من هذه الناحية حبيبنا وقرة عيوننا محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما في البخاري ومسلم: (ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل) ويقول صلى الله عليه وآله وسلم واصفاً هذا المجتمع الآمن كما في البخاري: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً).

المجتمع الإسلامي المنشود هو مجتمع أمن، مجتمع أمان، مجتمع طمأنينة، أنت تأمن من هذا الذي بجانبك وهذا الذي بجانبك يأمن منك، أنت تسلّم عليه وتقول: السلام عليكم، والسلام حال وصفة حركية سلوكية ينبغي أن تنشرها على من أمامك حينما تقول السلام عليكم.

هذا المجتمع الإسلامي المنشود الذي يتصف بصفة أساسية هي الأمن تحكمه قواعد أربعة، أتريدون أن تتعرفوا على هذه القواعد التي تحكم المجتمع الإسلامي المنشود الذي يأتمر بأمر الله عز وجل وينتهي عن نواهي ربه جلت قدرته ؟ هذه القواعد تشكل ضوابط للمجتمع الذي ننشده ونطلبه، وآمل آلا تنسوا هذا الذي أكلمكم به لأننا نريد أن نضع هذا الذي نستمعه في أذهاننا ثم نحوّل هذا الذي وعيناه إلى واقع، الضوابط التي تحكم المجتمع الإسلامي المنشود هي:

أولاً: الناس مكرمون جميعاً، وقد قال الله عز وجل وكلكم يقرأ هذه الآية: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ والنبي صلى الله عليه وسلم وقف يدعو ربه كما جاء في سنن أبي داود، انظروا ماذا كان يقول: (اللهم رب محمد ورب كل شيء أشهد أن محمداً عبدك ورسولك، اللهم رب محمد ورب كل شيء أشهد أن العباد كلهم إخوة). وقد مرت جنازة كما في البخاري أمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقام لها فقيل له إنها جنازة يهودي، فقال صلى الله عليه وسلم الكلمة الرائعة: (أليست نفساً ؟) القاعدة الأولى التي يجب أن تحكم مجتمعنا الناس مكرمون جميعاً.

القاعدة الثانية: الحصانة لكل المواطنين، أنت مواطن لكَ حصانة، ولا نريد لأحد أن ينتهك حصانة أيَّ مواطن، فالمواطن محترم وليسمع الناس في كل بقاع الأرض، لأن المواطن في المجتمع الإسلامي محترم: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾، ﴿من قتل نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً﴾.

أيها المسؤولون المواطن محترم، والمواطن مَصُون، والمواطن محصن، أيها المعلمون، أيها الأفراد: المواطن محقونٌ دمه لا يُفرّط في قطرة منه، هكذا علمنا القرآن الكريم وهكذا طبّق سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم.

القاعدة الثالثة: الحماية لكل المواطنين، على الدولة أن تحمي كل المواطنين وعلى المواطنين أن يحمي كلٌ منهم الآخر، المسؤولية على الدولة وعلى الشعب وعلى الناس أنفسهم، أنت أب أنت مسؤول عليك أن تحمي أسرتك، أنت أستاذٌ ومدير عليكَ أن تحمي مدرستك، أنت مسؤولٌ عن مجالٍ ما عليك أن تحمي مجالك، وهكذا دواليك، لذلك الله عز وجل جعل حماية أماكن العبادة في رقابنا: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً﴾ شُرع الجهاد للحماية، فالمواطن محمي من قبل أخيه ومن قبل المسؤول عنه.

يقول سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يروي أبو داود: (ألا من انتقص معاهداً أو ظلمه أو كلفه فوق طاقته - وكل المواطنين معاهدون - أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفسه فأنا حجيجه يوم القيامة) وقد كتب سيدي رسول الله عهداً إلى نصارى نجران قال فيه وقد نقل هذا العهد كتّاب السير وكتّاب كتب الأموال قال: (ولنجران وحاشيتها ذمة الله وذمة رسوله على دمائهم وأموالهم وأعراضهم وملتهم وأساقفهم وبيعهم وشاهدهم وغائبهم). الحماية للمواطنين مسؤوليتكم أنتم ومسؤولية المسؤولين عنكم، حماية المواطنين قضية أساسية ونحن نوصّف المجتمع الإسلامي المنشود.

القاعدة الرابعة: الحرية لكل المواطنين، الحرية الدينية وحرية الرأي وحرية السلوك وأي وطنٍ يخلو من حرية يغدو أرضاً جرداء لا قيمة لها، إنما سمي الوطن وطناً لأن الحرية غراسه ولأن الحرية ورده وشجره ولأن الحرية مطره وغيمة ولأن الحرية أرضه وترابه، والوطن إذ يخلو من الحرية لا قيمة له، الحرية للجميع في ممارسة الدين والرأي، نحن نطلب منكم ومن كل المسؤولين عنكم أن تكون هذه القاعدة حاكمة، الحرية للجميع.

أيها الإخوة أيها الناس أتدرون بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعدما أنزل عليه قوله: ﴿لا إكراه في الدين﴾ سمح لنصارى نجران البالغ عددهم ستين شخصاً أن يصلوا صلاتهم في مسجده، وأن يتوجهوا على غير قبلته، اقرؤوا كتب السيرة، سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مؤسس المجتمع الفاضل الآمن المنشود، سيدي رسول الله الرحمة المهداة، سيدي رسول الله المعطاء الذي يعطي عندما يضنُّ غيره، الذي يقدّم عندما يبخل غيره:

من قاس جودك يوماً بالسّحب أخطأ مدحك    السحب تعطي وتبكي وأنت تعطي وتضحك

هذا هو سيدي وقائدي ورسولي محمد صلى الله عليه وسلم فيا أمة محمد هل تريدون مجتمعاً يرضى عنه رب محمد جل شأنه ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم ؟ إذن فليكم مجتمعنا مجتمعاً آمناً ونحن في أشد التَّوَقان لهذا المجتمع الآمن لأن الأمان أساس الحضارة فلا إنتاج من غير أمان ولا عطاء من غير أمان ولا إيمان من غير أمان، لأن الإيمان إن لم يفرز أماناً فليس بإيمان، يا أمة الرحمة المهداة أدعوكم إلى أن تأتلفوا مع بعضكم في هذا البلد والوطن وفي كل الأوطان وفي كل البلاد وإيانا أن يندسَّ بيننا وفينا رجلٌ يريد أن يفكك مجتمعاً سعينا من أجل بنائه، إيانا أن يندسَّ فينا هذا الذي يريد أن نكون أعداءاً فيما بيننا أن نرتد على أعقابنا: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها﴾ فإيانا أن نعود إلى هذه الحفرة من النار.

يا رب أسألك بأسمائك الحسنى، أسألك بمحمدٍ نبيك وبكل أنبيائك وأوليائك وأصفيائك وأحبائك أن تمتعنا بالأمان في مجتمعنا وأن توفقنا مسؤولين وأفراداً من أجل أن نضبط هذا المجتمع بتلك القواعد التي لا بد منها ولتكن نصب أعيننا وإلا خذلنا، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 7/1/2011

التعليقات

صادق داوود

تاريخ :2011/01/20

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. اشكرك فضيلة الشيخ على خطبك كلها وانا ادعوا معك ان يعم الامن والايمان والسلام والحرية المجتمع الاسلامي وكل دول العالم وادعوا لك بالتوفيق لما تدعوا اليه واسال الله لك ولجميع المسلمين الجنة . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شاركنا بتعليق