آخر تحديث: السبت 07 كانون الأول 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
النظافة والطهارة: من سمات المجتمع الإسلامي المنشود -4

النظافة والطهارة: من سمات المجتمع الإسلامي المنشود -4

تاريخ الإضافة: 2011/10/07 | عدد المشاهدات: 2464

أما بعد:

رحم الله شهداءنا وأنزل الأمن والأمان على أوطاننا، اللهم إنا نسألك الأمن والأمان في بلادنا يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا نتقلب في حفظك ورعايتك وعنايتك يا أكرم الأكرمين.

أيها الإخوة: كان الحديث منذ أسابيع عن سِمات المجتمع الذي نريده من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية المشرَّفة المشرِّفة المطهَّرة المطهِّرة، وذكرنا لهذا المجتمع صفات، وقلنا لمن يبغي الإصلاح والصلاح: هيا إلى القرآن من أجل أن ننهل منه صفات مجتمعنا المنشود، وقد ذكرنا وشرحنا أربع صفات وهي:

أولاً رقابة الله عز وجل أو ما يسمى بالوازع الديني الداخلي.

والصفة الثانية كرامة الفرد وحفظ حقوقه.

والصفة الثالثة التعاون البنَّاء بين أفراد المجتمع على البر والتقوى.

والصفة الرابعة إكرام المرأة وإعطاؤها حقوقها إنصافاً وليس على سبيل المنة.

هذه أربع صفات إن وجدت في مجتمعٍ ما كان المجتمع رائعاً وعظيماً، وقلنا إن مجتمعنا وللأسف الشديد لا يتصف بهذه الصفات لا من قريب ولا من بعيد، اللهم إلا في بعض جوانبه وخلاياه وتجلياته ومكوناته.

أما السِّمة الخامسة والأخيرة يا من يريد لمجتمعه الصلاح والإصلاح هي: النظافة والطهارة. سِمةٌ مطلوبة لمجتمع منشود، أتريد أن تتعرف على مجتمعك فيما إذا كان مجتمعاً قرآنياً ربانياً، مجتمعاً أحبَّ الله ورسوله فعلاً ؟ انظر إلى هذه السِّمات هل تحقق بها، إن كان قد تحقق بها فإنه صادق في حبه وعبوديته، وإن لم يكن تحقق بها فإنه - ورب الكعبة - إنه لا يزال في حيّز الادِّعاء، ولا أقول إنه كاذب، ولكن أقول إنه يراوح في حيز الادّعاء، النظافة والطهارة، وأعني بالنظافة: النظافة من الأدران والأوساخ المادية والأدناس المادية، وأعني بالطهارة: الطهارة من الأدناس والأوساخ المعنوية. فهل مجتمعنا نظيف من حيث عدم وجود الأوساخ والأدران والأوساخ المادية على مستوى الفرد والشارع والبيت والمدرسة والجامعة... وسائر مرافق الحياة، إذا كان مجتمعنا كذلك فقد اقترب خطوة من قرآن ربه تطبيقاً واتباعاً، لكنني أرى أننا لا يمكن أن يُحكم علينا بأننا مجتمع نظيف من حيث الأوساخ المادية، انظروا شوارعنا، وانظروا مدارسنا، وانظروا بيوتاتنا، وانظروا مساجدنا، وانظروا أطفالنا، وانظروا ثكناتنا، وانظروا كل البؤر الاجتماعية التي نرتادها، فما أظن أننا قادرون على أن نصفها بالنظيفة من حيث الأوساخ المادية ومن حيث الأدران والأدناس المادية ليست نظيفة، انظروا شوارعنا التي تعبِّر عنا، وانظروا أمامَ مساجدنا، انظروا أسواقنا هل هذا مجتمع يمكن أن نصفه بالمجتمع المتطور الرباني المتحضّر القرآني المتقدم ؟! أما سمع هذا المجتمع قولة نبيه وهو يأمره أمراً فيقول كما في الطبراني: (تنظفوا فإن الإسلام نظيف)، نحن نقول للناس عندما نتكلم معهم عبر التلفاز وعبر الإذاعة وعبر الكتاب: الإسلام دين النظافة، لكن واقعنا لا يدل على أننا مسلمون، إذا كان الإسلام دين النظافة فالمسلمون اليوم ليسوا نظيفين ولم يتحققوا ولم يتبعوا ولم يأتمروا بأمر نبيهم حينما قال: (تنظفوا فإن الإسلام نظيف)، يقول نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا كلام نبيكم ولا أنقل كلام قائد محلي أو رئيس وضعي، وإنما أنقل لكم كلام نبيكم الذي تفتخرون بالانتساب إليه، يقول صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله جميل يحب الجمال... فنظفوا أفنيتكم ولا تشبَّهوا باليهود) نظفوا دوركم وشوارعكم، نظفوا فضاءاتكم التي تعيشون فيها، فهل ننظف مدارسنا وجامعاتنا وشوارعنا وسياراتنا وكل هذه الأماكن التي نعيش فيها بعض الأوقات ونرتادها: (فنظفِّوا أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود) ولا تظنوا أن الدين صلاة وصيام، وأن الدِّين صلاة شكلية وصيام شكلي بل الدين نظافة، وما كانت الصلاة إلا لتؤسّس على نظافة، وما كان الصيام إلا ليؤسّس على نظافة، لكننا نفتقد كل هذا الذي قلت، أنتم تسمعون حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في البخاري: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) هل تميط الأذى عن الطريق ؟ أنا لم أعد أطالبك بأن تميط الأذى عن الطريق فهذا أمرٌ ذو مرتبة عالية قد لا نطولها ولا نصل إليها، ولكنني أطالبك ألا تضع الأذى على الطريق، كلنا يضع الأذى في الطريق، في طريق البيت أو في طريق المدرسة أو طريق المعمل... كلنا يسهم في إراءة أمكنة هذا المجتمع على أنها تبتعد عن أن تتصف بالنظافة كما بين المشرق والمغرب، جاء في مسلم حيث يتحدث نبينا عليه ألف صلاة وألف سلام عن رجلٍ مشى في طريق فلقي غصن شوك فأخَّره، أزاحه عن الطريق، يقول سيدنا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم: (فشكر الله له فغفر له). ونحن نضع الآن الأشواك في الطريق، وليس بالضرورة الأشواك بمعناها الحقيقي، ولكن انظروا الشوارع، انظروها مساءاً وصباحاً، وفي الليل وفي النهار، فسترون أن هذه الشوارع لا يمكن أن تكون شوارع بلاد الشام التي باركها الله، نتحدث عن بلاد الشام وأن الله باركها أين البركة ؟ والنظافة فيها دخلت حيز العدم، هذه هي النظافة من الأوساخ والأدران المادية.

ومن صفات المجتمع المنشود الطهارة من الأدران والأوساخ المعنوية، وهنا تكمن الطامّة أيضاً بشكل أكبر، فنحن كما نعيش حالة عدم نظافة مادية فإننا نعيش حالة عدم طهارة معنوية، فألسنتنا غير مطهرة، الله تحدث عن: ﴿رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ أين نحن ؟ أين طهارة لساننا من الفجور والكذب والغش والخداع والخيانة ؟ أين طهارة اللسان من شهادة الزور ؟ أين طهارة اللسان من الشتم والسب والقذف واللعن ؟ أين طهارة لساننا وأين طهارة قلبنا من الحقد والغل والحسد والبغضاء والشحناء... انظروا ألسنة أبنائنا فستسمعون منهم فجوراً وفسوقاً وسبَّاً وشتماً، وانظروا قلوب الكبار فستجدونها مليئة بالحقد والغل والحسد والبغضاء والشحناء شئتم أم أبيتم، هذا واقعنا، أتريدون أن يكرمنا الله عز وجل بالارتقاء ؟ أتريدون أن يكرمنا الله عز وجل بنصر ؟ أتريدون أن يرتفع شأننا ؟ أتريدون أن تعلو رايتنا ؟ إذن هيا فانظروا مجتمعكم فإذا ما كنتم متحققين بالسمات التي قلناها فنعمَّا السبب الذي اتخذتموه والذي بذلتموه، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول، وهل يدعو أحدكم بمثل هذا الذي كان يدعو به سيدنا وحبيبنا صلى الله عليه وآله وسلم، أتدرون كيف كان يدعو ؟ كان يقول: (اللهم إني أسألك لساناً صادقاً وقلباً سليماً). كما في الترمذي، اللسان الصادق لا يعرف الكذب ولا الغش ولا الخداع، ولا السبَّ ولا الفجور ولا المخاتلة، والقلب السليم لا يعرف الحقد ولا الغل ولا الحسد ولا الضغينة ولا البغضاء ولا العداوة ولا الشنآن، لا يعرف القلب السليم هذا، فهل أنتم تدعون ربكم على الأقل فتقولوا: اللهم إنا نسألك قلباً سليماً ولساناً صادقاً ؟ كان سيدي رسول صلى الله عليه وآله وسلم يدعو ويقول كما في سنن أبي داود: (اللهم إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق) ومجتمعنا الآن يعجُّ بالشِّقاق والنفاق، مجتمعنا مليء حتى النهاية بالشِّقاق والنفاق، الأسرة تعيش شقاقاً بين أفرادها وانظروا أسركم، وفي كل مكان نعيش شقاقاً على أشده، وانظروا واقعنا، في المسجد نعيش شقاقاً، في المناسبات نعيش الشقاق والنفاق، هذا ينافق لهذا وهذا ينافق لذاك، لا من أجل شيء ولكن من أجل وهمٍ قد يصيبه وقد لا يصيبه، والوهم لا يصيب، وشتان بين وهم وحقيقة، شتان بين سراب وماء، شتان بين نور ووهم، نور يظنه نوراً وليس بنور: ﴿ومن لم يجعل الله له نوراً فماله من نور﴾.

سمة خامسة لمجتمعنا النظافة والطهارة، تأكدوا من أنفسكم، وليبحث كلٌ منا على مستوى ذاته وفرديته هل هو نظيفٌ وطاهر، وكفى بالمرء إثماً أن يضيّع من يعول، ثم ليسعَ من أجل أن يجعل أسرته نظيفة وطاهرة، وكذلك المعلم في الصف من أجل أن يجعل مدرسته نظيفة وطاهرة، وكذلك الضابط في الثكنة ينبغي أن يجعل ثكنته العسكرية نظيفة وطاهرة، وكذلك الشيخ في المسجد، والمدير في الإدارة، والوزير في الوزارة، وكلٌ في مجاله، والتاجر في المتجر، يسكن الواحد منا بيتاً إن سألته عن ثمنه قال يتجاوز الخمسين مليون، لكنك ترى أمام بيته طريقاً معطلة وأوساخاً منتشرة، فإن سألته لمَ لمْ تقم بأود هذا الشارع الذي أمامك والذي تنظر إليه ؟ أجابك هذا واجب الدولة، وهو يصرف كما يقال الغالي والنفيس من أجل أشياء لا تنفعه، بل تضره، وفي أحسن الأحوال لا تضره ولا تنفعه، ثم إذا ما أتى لمرفق عام قال الدولة قصرت. نعم، فهل تريد أنت أن تكون مقصراً ؟ هذا الشارع لك وأنت تستطيع أن تجعل هذا الشارع نظيفاً فقصَّرت. ذاك الذي رفع غصن الشوك عن الشارع شكر الله له، أنت تستطيع أن ترفع الأوساخ فلم لا تفعل، فلن يشكر الله لك ولن يغفر لك.

أسأل الله عز وجل أن يوفقنا من أجل سعيٍ جاد لمجتمع منشود يتسم بالرقابة الإلهية أولاً، ثانياً يتسم بكرامة الفرد وحفظ حقوقه، ثالثاً يتسم بالتعاون البناء على البر والتقوى، رابعاً يتسم بإكرام المرأة وإعطائها حقوقها على سبيل الإنصاف وليس على سبيل المنة، خامساً يتسم بالنظافة من الأدران والأوساخ المادية وبالطهارة من الأوساخ والأدران المعنوية. ضعوا هذا في ذهنكم وعايروا مجتمعكم على هذه المعايير التي أصبحت ساكنة فكركم إن أردتم أن تخوضوا الحياة بأمانة وعزة وعمل مقبول عند الله عز وجل.

اللهم إني أسألك أن تردَّنا إلى دينك رداً جميلاً، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 7/10/2011

التعليقات

شاركنا بتعليق