آخر تحديث: الثلاثاء 23 إبريل 2024
عكام


خطبة الجمعة

   
سِماتُ الشَّبابِ البنَّائين لمجتمعٍ مَنشود -2-

سِماتُ الشَّبابِ البنَّائين لمجتمعٍ مَنشود -2-

تاريخ الإضافة: 2022/03/04 | عدد المشاهدات: 622

أمَّا بعد، فيا أيُّها الإخوة المسلمون المؤمنون إن شاء الله:

ذَكَرنا منذ أسابيعَ صِفات المجتمع الصَّالح المنشود، وهذه الصِّفات كانت ثماني صفات، وذكرنا في الأسبوع الفائت سِمات الشَّباب الذين يسعون والذين يجب أن يكونوا بُناةً حقيقيين لهذا المجتمع المنشود. المجتمع الصَّالح يحتاج إلى بُناة، يحتاج إلى شباب، يحتاج إلى رجال. لا يُبنى المجتمع الصالح الذي تحدَّثنا عن صِفاته، لا يُبنى تلقائياً وإنما يحتاج إلى سواعد وإلى جهود وإلى رجال وإلى شباب. في الأسبوع الفائت قلتُ لنفسي ما الذي يجبُ أن يتصف به هؤلاء البناة الحقيقيون لهذا المجتمع الذي نرغبه ؟ ذكرتُ أولاً فقلت: إيمانٌ راسخ لا يتزعزع ولا يلين، وإخلاصٌ لا يعرف المراءاة ولا المصانعة.

السِّمة الثالثة: العلم المتين: مجتمعٌ مزدهر بلا علم قضية وهمية، مجتمع حضاري من غير علم يكاد يكون شيئاً أشبه بالخيال الواهم، بل يكادُ يقترب من ساحة المستحيل. بالعلم عليكم أن تتحلَّوا وتتصفوا بهذه الصفة، ولعلكم تسألون: ما المقصود بالعلم المتين ؟ أقول لكم: العلم المستوفي أركانه، وأركان العلم: توثيق وتحقيق وتدقيق. في صدرك معلومات كثيرة، ولعلك إن سُئلت عن هذا الأمر أو ذاك ستُجيب بسرعة على أنك تقدم معلومة، أخذتَ معلوماتٍ كثيرة من وسائل التَّواصل ووضعتَها في صدرك، وإذ تُسأل ستُجيب من هذا المخزون الذي ملأ "جُوَّانيك" لكن ألستَ بحاجة أن تسألَ نفسك سؤالاً عندما تُجيب وتخرج هذه المعلومة فهل أنت موثِّق وهل أنت محقق وهل أنت مدقِّق ؟! الكل يتكلم إن كان خَبراً سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً أو دينياً، الكُلُّ يتكلم على أساس أنه يُقدِّم معلومة، مع أن تقديم المعلومة يحتاج إلى توثيق وتحقيق، فهل وثَّقتَ وحقَّقت ودقَّقت، تنتشر المعلومات غير الموثقة وغير المحققة وغير المدققة وعلى أساسها تُتخذ المواقف وربما اتُخذت مواقف خطيرة، كانت نهايتها قتلاً أو شتماً أو سباباً أو انتهاكاً. يا أيها الشباب: بالله عليكم إن كنتم تريدون الاتِّصاف بالعلم، والاتصاف بالعلم شَرف، لكنك لن تُمنَحه إذا لم توثِّق وتدقق وتحقق، يقول صلى الله عليه وسلم والحديث صحيح: (إنَّ العبدَ ليتكلم بالكلمة ما يتبين منها، يهوي بها في جهنم أبعد ما بين المشرق) انظر كلماتك التي تخرج منك على أساس أنها معلومة، فهل أنت موثقها ومدققها ومحققها. مرت علينا ذكرى الإسراء والمعراج، بعد عاد أن المصطفى صلى الله عليه وسلم من رحلته ذهب المشركون إلى سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه وقالوا له: اسمع ما يقوله صاحبك، لقد أُسري به من مكة المكرمة إلى بيت المقدس ثم عاد في ليلة واحدة، ونحن إن أردنا أن نذهب إلى بيت المقدس نضربُ أكباد الإبل شهراً ذهاباً وشهراً إياباً ! وقف الصدِّيق رضي الله عنه وهو الذي تعلَّم من مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم التوثيق والتحقيق والتدقيق، فقال لهم: "إن كانَ قالَها فقد صَدق"، وثق الكلمة، إن كان فعلاً قالها النبي صلى الله عليه وسلم فقد صدق. قال هذا فلربما كانوا يفترون على النبي صلى الله عليه وسلم. وثَّقَ الصديق. وأنت وثِّق من أين سمعت هذه الكلمة. يقول لي فلان على سبيل المثال: أنا أعرف هذا الرجل. أقول له: هل التقيتَه فيقول لي: لا. هل سمعتَ منه ؟ يقول لي: لا، هل حدَّثك عن نفسه ؟ يقول لي: لا، ولكن هذا الرجل لا يستحق التقدير. لماذا ؟ لقد سمعتُ عنه من فلانٍ وفلان وفلان. يا أخي لقد اتَّخذتَ موقفاً بِناءً على علمٍ وهمي، عليكَ أن تعرف عن فلان إذاً اسأله، مصدرُ التعرف عليَّ هو أنا، ومصدر التعرف عليك هو أنت، ومصدر التعرف على فلان هو هو، نتعرف على بعضنا من بعضنا إن أردنا العلم المتين. التحقيق: يأتيني من يأتيني على سبيل المثال فيقول: لقد ظَلَمَ الإسلام المرأة. أقول: من أين أتيت بهذه المعلومة ؟ فيقول: الإسلام فرض الحجاب، والإسلام قال: فاضربوهن و... يا أخي: أنت لم تُحقِّق. هذه الكلمة تحتاج إلى دراسة حتى تقول إن الإسلام ظلم المرأة، فهل درستَ الإسلام ومصادره، أم إنك تأخذ كلمةً في سياق كلماتٍ كثيرة لتحكم على هذه الكلمة المنتَزعة من سياقها لتحكم من خلال دِلالةٍ أنت فهمتَها لأنَّك نزعتَها وانتشلتَها من سياقها. قال لي أحد الأشخاص هذا، فقلتُ له: هل الإسلام يأمر بالعدل ؟ قال لي: بلا شك. هل الإسلام يحضُّ على العدل ؟ قال: لا شكَّ في ذلك. هل الإسلام يُحرِّم الظلم ؟ قال: لا شك، هل الرسول صلى الله عليه وسلم عادل في قوله وفعله وحركته وسكنته ؟ قال: لا شك. قلتُ له: حقِّق، وسترى ما دامَ الإسلام من خلال مصادره وقرآنه ، ومن خلال سيدنا محمد لا يعترفُ على الظلم، بل يدعو إلى العدل، أفيدعو إلى العدل هذه الدَّعوة التي ذكرت ثم بعد ذلك يأتي ليظلم المرأة ؟! حقِّق في القضية أو اسكت. كل واحد منا أصبح منظِّراً في الدِّين والسياسة والاقتصاد، ولطالما قرأتُ عبر وسائل التواصل الاجتماعي من يقول: أخطأ فلان، وأخطأت الوزارة، وأخطأت المديرية، وأخطأ الشيخ الفلاني، العلمُ توثيق وتحقيق وتدقيق، تدقيقٌ في الدِّلالة. للكلمةِ في اللغة العربية دلالات كثيرة تختلف من حالٍ إلى حالٍ ومن وضعٍ إلى وضع، فلماذا تأخذُ دلالة لم تُرَد في هذا السِّياق وتضعها هنا، والسِّياقُ يرفض هذه الدلالة.

العلمُ توثيق وتحقيق وتدقيق، فيا شبابنا ويا طلابنا ويا أبناءنا ويا مفكرينا ويا أدباءنا: العلم توثيق وتحقيق وتدقيق.

والعلم مثابرة: واليوم لقد فقَدنا – ما عدا ثُلَّةٌ قليلة – فقَدنا المثابرة في متابعة العلم والتعلم، تتعلم في الشتاء وتنسى في الصيف، تتعلم في رمضان وتنسى في شوال، تتعلم في الجامع وتنسى في البيت، تتعلم في المدرسة وتنسى في الملعب. العلمُ يحتاج إلى مثابرة وإلى فكر منفتح يسعى من أجل أن يفيد من كل الناس، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم كما جاء في الدَّارمي عندما سُئل: أيُّ النَّاس أعلم ؟ فقال: (مَنْ جمعَ علمَ النَّاس إلى علمه) تعلَّم من الناس جميعاً، تعلم من الطفل، وتعلم من الطالب وتعلم من ذلك الذي يقف آذناً، وتعلم من المعلم وتعلم من.... (مَنْ جمعَ علمَ النَّاس إلى علمه، وكلُّ طالبِ علم غَرثان إلى علم) وغرثان باللغة العربية يعني جوعان وتواق، فهل أنتم تواقون إلى التعلم، هل أنت تنام وقبل النوم تقول هل استفدتُ هذا اليوم معلومة ثم توثّقها وتدققها وتحققها، (وكل طالب علم غرثان إلى علم) (وقُل ربِّ زدني علماً)، (مَن استوى يوماه فهو مَغبون) إن كان يومك جيداً، واليوم الذي يليه كان جيداً فأنت مغبون، ينبغي أن يكونَ اليومُ القادم أجود من هذا اليوم الذي أنت فيه: (وإذا أتى عليَّ يومٌ لا أزدادُ فيه علماً يُقرِّبني إلى الله فلا بُورك لي في شمس ذلك اليوم) العلمَ العلمَ يا أبناءَ أمتي، يا أبناءَ دولتي، وأبناءَ مدينتي وبلدي، العلمَ العلمَ يا طلابَ المدارس والجامعات، يا أيها المسؤولون في مختلف الجهات، العلمَ العلمَ الذي وصفتُه بالمتين الموثق والمدقق والمحقق، اللهمَّ عَلِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا عِلماً وفِقهاً في الدين، نِعْمَ مَنْ يُسأَلُ ربنا، ونِعْمَ النَّصيرُ إلهنا، أقولُ هذا القول وأستغفر الله.

أُلقِيت في جامع "السيِّدة نفيسة عليها السلام" بحلب الجديدة بتاريخ 4/3/2022

لمشاهدة فيديو الخطبة، لطفاً اضغط هنا

https://fb.watch/bycOWE7Feu /

ندعوكم لمتابعة صفحتنا عبر الفيس بوك بالضغط على الرابط وتسجيل المتابعة والإعجاب

https://www.facebook.com/akkamorg/

ندعوكم لمتابعة قناتنا عبر برنامج التليغرام بالضغط على الرابط وتسجيل الدخول والاشتراك.

https://t.me/akkamorg

التعليقات

شاركنا بتعليق