آخر تحديث: الجمعة 14 يونيو 2024
عكام


خطبة الجمعة

   
سِمَاتُ الفُتُوَّة -1

سِمَاتُ الفُتُوَّة -1

تاريخ الإضافة: 2023/05/26 | عدد المشاهدات: 405

أمَّا بعد، أيها الإخوة المسلمون المؤمنون إن شاء الله:

منذ أكثر من أربعين سنة كان ثمة مادةٌ عَمَلية في المرحلة الثانوية تُسمى مادة "الفتوة"، ولعلَّ كثيراً منكم يعلمها إن كان ذا عُمُر متقدم، أو سمع عنها إن كان ذا عُمُر متأخر، يومها كنتُ أفكر في هذه الكلمة "الفتوة" ماذا تعني الفتوة ? هل الفتوة مرحلة عمرية ? هي وَسَطٌ بين الصِّغر وبين الكِبر، أم الفتوة عبارة عن سِمات، عن صِفات كالعروبة، العروبة ليست عِرقاً، وإنما العروبة صِفات وسِمات، وكذلك الفتوة، ولا سيما أني قرأت في القرآن الكريم وقد مُدِحَت من خلال قوله تعالى: (سمعنا فتىً يذكُرهم يُقالُ له إبراهيم)، ومن خلال قوله تعالى في أهل الكهف: (إنَّهم فتيةٌ آمنوا بربِّهم وزِدناهم هُدىً) بحثت في كتب التفسير يومها عما فَسَّر به أولئك العلماء رحمهم الله هذه الكلمة أو هذا المصطلح أو هذا المفهوم وكان ثمة أقوال كثيرة وآراء كثيرة، جمعتها وحاولت أن أُقاطع بين ما قاله هذا وما قاله ذاك فوصلت إلى ما يلي:

الفتوة سِمات سِت، سنبدأ بشرح هذه السِّمات بعد ذكرها.

السِّمة الأولى العبودية والولاء: السِّمة الأولى لمن أراد أن يتحقق بالفتوة المحمودة العبودية لله عز وجل والولاء له، (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ) هذا يُسمَّى سيد الاستغفار، وقد ورد عن النبي المختار صلى الله عليه وسلم (اللهم أنت ربي لا إله الا أنت  خلقتني وأنا عبدك) وفي دعاءٍ آخر وَرَدَ عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في مسند الإمام أحمد: (اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أَمَتك، نَاصِيتي بيدك، مَاضٍ فيَّ حُكمك، عَدْلٌ فيَّ قَضاؤك، أسألك بكل اسمٍ هو لك، سمَّيتَ به نفسك، أو أنزلتَه في كتابك، أو علَّمته أحداً من خلقك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك، أن تجعلَ القرآنَ ربيعَ قلبي، وجِلاءَ حُزني ونور صدري وذَهابَ هَمِّي وغَمِّي يا ربَّ العالمين) فهل تقولُ أنت هذا أيها السَّاعي للتحلِّي بالفتوة ? هل تقولُ وهل تستشعر وهل تستحضر العبودية في كل لحظة، أنت  عبدٌ، ولكنَّكَ عَبدُ مَن ? هل أنت  عبدُ الدِّرهم ? هل أنت  عبد الدينار ? هل أنت  عبد الخَميصة ? هل أنت  عبدُ الدُّنيا ? ستقول لنفسك بأنك عبدٌ لله، ولكن هذه العُبودية تقتضي مواقف وسلوكاً، فإن خُيرتَ بين المال وبين عُبوديتك فهل تضحي بالعبودية من أجل المال أم تضحي بالمال من أجل العبودية، إذاً أنت  عبدٌ إن ضحَّيت بالمال من أجل القرب من الله عز وجل ضمن خط العبودية. القضية قضية برهان، قضية إثبات، وليست قضية ادِّعاء. أنت تقول: (اللهم أنت  ربي وأنا عبدك) أنت تقول هذا، لكن هل أنت متحقق بالعبودية فعلاً، وهل تتذكر كونك عبداً في كل لحظة، وهل تتذكر بأن العبودية تقتضي أن تقول بلسان حالك في كل لحظة: "لبيك اللهمَّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك" تقتضي منك أن تقول يا ربِّ إن نفسي ودمي، إن كل ما أملك فِدىً من أجل أن تكون راضياً عني. العبودية والولاء إن وليِّيَ الله، من وليك ? (إنَّ وليِّيَ الله الذي نزَّل الكتاب وهو يتولَّى الصَّالحين) ولذلك الفتى إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: (إني وجَّهتُ وجهيَ للذي فطَرَ السَّماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين) فهل أنت تقول هذا صباحَ مساء، هل أنت يا أخي على وَعيٍ من عُبوديتك لله عز وجل حتى تكون فَتىً محموداً ?! سِمةٌ أولى، فكِّر بها إن كنت على مُستوى العبودية في التحقُّق فأنت قد حصَّلت سِمةً من سِمات الفُتوة.

السِّمة الثانية: الثَّباتُ على الحق: والوفاء للحق، ولذلك ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو وهو النبي الأعظم المعصوم الأكمل كان يقول: (يا مُقلِّبَ القُلوب ثَبِّت قلبي على دينك) يقول: (يا وَلِيَّ الاسلامِ وأهله ثبِّتني به حتى ألقاك) فهل أنت تثبت أمام التحدِّيات وأمام الإغراءات، هل تثبت عندما تُهادَن على دينك، لقد جيء إلى النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقال رئيسُ الوفد الذي يحمل الإغراءات للمصطفى عليه الصلاة والسَّلام، قال له: يا محمد، اسمع وأنت يا من تَدَّعي بأنك تتبع محمداً، فهل أنت على خَطِّ الثَّبات الذي خَطَّه محمد عليه الصلاة والسلام ؟! قال: (يا محمد إن كنت جئت بما جئتَ به تُريدُ مالاً جمعنا لك الأموال حتى تكون أكثرنا مالاً) خُذ الأموال لتكون أغنانا، (إن كُنت جئتَ بما جئتَ به تريد مالاً جمعنا لك الأموال حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت جئت بما جئت به تريد مُلكاً مَلَّكناك علينا) هذه الإغراءات (وإن كان) يا محمد (هذا الذي يَأتيك رِئياً أو مَرَضاً طلبنا لك الطِّبَّ حتى تُشفى منه) طلبنا لك الطب في أقصى العالم حتى تُشفى منه، ماذا كان جواب المصطفى صلى الله عليه وسلم ؟ قال الكلمة المشهورة الرائعة، الكلمة الأعظم أو العظمى في التاريخ في مثل هذه المواقف: (والله يا عَمِّ لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركتُه حتى يُظهِره الله أو أَهلِكَ دُونَه) فهل أنت يا من تَتَّبع النبي محمداً تقول هذا الكلام أو مثل هذا الكلام أمام إغراءاتٍ تتعرَّض لها ? هل تقول عندما تقول لك تلك الفتاة "هَيْتَ لك" فهل تقول: سُبحانَ الله، (مَعَاذَ الله إنَّه ربي أحسن مثواي) ? هل تقفُ أمام المال الذي فيه شُبهة، ونحن الذين نستقبل في كل يوم كثيرين يُريدون السؤال عن أموال وعن معاملات، نقول لهم: "إنها حرام"، وعلى الرغم من ذلك يقول بعضهم: حلالٌ أم حَرامٌ أريد أن آخذ حقي، وهو الذي يحب الحق بحسب رأيه، بحسب نظره، بحسب عَصبيَّته، يا إخوتي هيهات أن يقول الواحد وقد قَلَّ ذلك، هذا ما ندر، عندما نقول لإنسانٍ ما: "القضية فيها شبهة"، يقول: إذا كان فيها شبهة إذاً لا بأس، "معليش"، "ما في إشكال" يا إخوتي هل تقولون كلمةَ نبيكم وحبيبكم أمام إغراءات المال والمناصب والشهوات والنَّزوات إذاً أنتم فتية آمنتم بربكم وزادكم الله هُدى.

لا أريد أن أُكمل سائر السِّمات، سأجعلُها موضوعات للخطب القادمة إن شاء الله، اللهم إني أسألك لشبابنا ولرجالنا ولنساءنا أن تنطبق عليهم سِماتُ الفتوة، وأن يُطَبِّقوا سِمات الفتوة التي ذكرنا بعضها، وسنتابع ذِكرَ ما تبقى منها في الأسابيع القادمة، يا ربَّ العالمين، نِعْمَ مَن يُسأل أنت، ونِعْمَ النَّصيرُ أنت، أقولُ هذا القول وأستغفِرُ الله.

ألقيت في جامع السيدة نفيسة عليها السلام بحلب الجديدة بتاريخ 26/5/2023

لمشاهدة فيديو الخطبة، لطفاً اضغط هنا

https://fb.watch/kMkIMZ_IKo/

الدكتور #محمود_عكام

#سِمَاتُ_الفُتُوَّة

ندعوكم لمتابعة صفحتنا عبر الفيس بوك بالضغط على الرابط وتسجيل المتابعة والإعجاب

https://www.facebook.com/akkamorg/

ندعوكم لمتابعة قناتنا عبر برنامج التليغرام بالضغط على الرابط وتسجيل الدخول والاشتراك.

https://t.me/akkamorg

التعليقات

شاركنا بتعليق