آخر تحديث: الثلاثاء 23 إبريل 2024
عكام


خطبة الجمعة

   
سِمَاتُ الفُتُوَّة -3

سِمَاتُ الفُتُوَّة -3

تاريخ الإضافة: 2023/06/09 | عدد المشاهدات: 289

أمَّا بعد، فيا أيها الإخوة المسلمون المؤمنون إن شاء الله:

لا زلنا في واحة الفتوة وفي رحابها على أنها صفة لا تمتُّ إلى العمر بصلة، وإنما هي سِمات وصِفات لها في رصيد الأخلاق الأعلى والأغلى، مدحت الفتوة من خلال قوله تعإلى: (سمعنا فتىً يذكرهم يقال له إبراهيم)، ومن خلال قوله تعإلى: (إنهم فتية آمنوا بربهم وزِدناهم هُدىً) وقلنا فيما مضى وقد اطَّلعنا على ما قاله المفسرون حينما وقفوا أمام هذه الآيات فهذا قال: إن الفتوة كذا وكذا، وذاك قال أيضا إن الفتوة كذا وكذا، قاطعت بين الأقوال لأصل إلى أن الفتوة: عُبوديةٌ وولاء، وثَباتٌ على الحق ووفاء، وشُكرٌ وثناء، وعَطاءٌ وسَخاء. وقد تكلمنا عن ذلك في الأسبوعين الفائتين، أما تتمة سِمات الفتوة:

السِّمة الخامسة: الشجاعة والإباء: لن تكون فتىً محموداً إذا كنت جباناً، لن تكون فتىً محموداً ممدوحاً إذا كنت تَتقاصر وتَتجافى عن أن تكون مِقداماً في مَيدان الحق والدِّفاع عنه ورعايته والعناية به، ولذلك كان المصطفى صلى الله عليه وسلم أشجع الشُّجعان على الإطلاق فيما يتعلق بالشجاعة الموظفة من أجل أن تكون في خدمة الإنسان السَّوي الذي أراده الله خليفةً له في الأرض، يقول الإمام علي كرم الله وجهه عن شجاعة النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم: "كنا إذا حَمِي الوطيس" في معركة ما، "كُنا إذا حَمي الوطيس، واحمرَّت الحَدَق، واشتدَّ البأس، اتقينا برسول الله، فما يكون أحدٌ أقربَ إلى العدو منه عليه الصلاة والسلام"، (أنا النبيُّ لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) هكذا قال سيد الشجعان في غزوة حنين، وقد فَرَّ أكثر مَن معه، وبهذه الكلمة الشجاعة رَدَّ النبيُّ أولئك الذين انهزموا أو تركوا، رَدَّهم إليه ليعودوا منتصرين بعد أن خُذِلوا في هذه الغزوة، فلنكن شُجعاناً.

السِّمة السادسة: العفو والصَّفح والصَّفاء: وهنا بين القصيد، مجتمع فيه عفو مجتمع رحمة، مجتمع ليس فيه عفو مجتمع نقمة، وأعتقد أن مجتمعنا لن أقول بأنه مجتمع نقمة، لكنه قارب ذلك، وأصبح قاب قوسين أو أدنى من أن يكون مجتمع نقمة، فلا العفو قائم، ولا الصَّفح قائم، حتى من الولد عن أبيه، حتى من الأب عن ولده، حتى من الزوجة عن زوجها، حتى من الزوج عن زوجته، لم يعد العفو قائماً، بل حَلَّ مَحل العفو الانتقام والاستقواء حتى ولو بالشيطان، يستقوي أخٌ على أخيه بعدوه وعدو أخيه، يستقوي الزوجُ على زوجته بالباطل، تستقوي الزوجة على زوجها بالاستعانة بأولئك الذين لا يريدون للإنسان خيراً وسَلُوا أبناءكم، سَلُوا جيرانكم، سلوا أنفسكم، وسَلُوا بشكلٍ خاص أولئك الذين يعيشون في الغُربة من بناتنا وأبنائنا، أولئك الذين أضحى لديهم الآن استقواء، تستقوي الزوجة على زوجها بالشرطة الألمانية أو السويدية أو الهولندية، وهي تريد أن تتحرر من نطاق الأسرة الطيبة الخَيِّرة، وكذلك الزوج، وكذلك العم، وكذلك وكذلك إلى أن أصبحنا - كما قلت لكم - مجتمع نقمة، العفو شِيمُ الكرام والرسول عليه الصلاة والسلام أخذ العفو وأخذ مجاله ليكون رُبَّانه: (خُذِ العفوَ وأمر بالعُرف وأعرض عن الجاهلين) وقد سُئلت السيدة عائشة رضي الله عنها فقالت: "ولم يكن يجزي بالسَّيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح" فهل أنت تعفو عن أخيك، هل أنت تعفو عن جارك، هل أنت تعفو عن ذاك الذي أساء إليك في يومٍ ما، أم أنك تعيش الأسى والإساءة حالةً قائمة فيك ?! لا تريد أن تتخلَّى عن الانتقام لنفسك التي تأمرك بالسُّوء ولو بعد حين. أيها الاخوة: نحن أمةُ محمد، أتدرون ما فعل محمد صلى الله عليه وسلم ؟ وكُلُّكم يعرف ذلك يوم جاءَ مكة فاتحاً بعد أن أخرجه قومه منها، بعد أن طردوه بعد أن صمَّموا وأكَّدوا على قتله واجتمعوا على بابِ داره ليقتلوه، وكلكم يعرف هذا، عاد إلى مكة فاتحاً، والقصة جدُّ شهيرة، ووقف أمام باب الكعبة وقال: (ما تظنون) روايات كثيرة، (ما تظنون)، (ما تقولون، ما ترون أني صانعٌ بكم ؟) وقفَ الجميع وقال قائلهم باسمهم جميعاً: ابن أخ، وابن عم، حليم رحيم، وفي رواية: ابن أخ كريم وأخ كريم، وقف المصطفى ليُعلن قانونَ العفو يوم أن كان الناس لا يعرفون سبيلاً إلى العفو، فقال لأولئك الذين طردوه وأخرجوه وقتلوه وضربوه وشنَّعوا عليه واتَّهموه بالسحر واتهموه بالكذب واتهموا عِرضه قال لهم الكلمة الرائدة التي ستبقى عُنوان العفو لمن أراد أن يستظل بظل العفو المنتِج لمجتمعٍ رحيم مُتراحم، قال لهم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) واستشهد بقول سيدنا يوسف عليه السلام حين قال لإخوته: (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) هل تعفو عن جارك على الرغم من أنك أنت الذي أسأت إليه، هل نعفو ليقول ذاك الذي يمتلك زمام القدرة والاقتدار: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)، متى سنسمع هذه الكلمة من هنا لهناك، ومن هناك لهنا ؟! قرأتُ عبارة في بداية الأحداث قالها زعيم جنوب أفريقيا "نيلسون مانديلا" للعرب: "لن تكونوا سُعداء، ولن تعيشوا سُعداء ولن تتآلفوا إلا إذا انضويتم جميعاً تحت كلمة نبيكم: (اذهبوا فأنتم الطُّلقاء)"، قولوها يا إخوتي، فلنقُلها لبعضنا، فليقُل كُلٌّ منا هذه الكلمة للآخرين الذين أساؤوا إليه، وليقل الذين أساؤوا: أخٌ كريم، وابن أخ كريم، وليقولوا ابن عم وابن أخ حليم رحيم، إن قال هذا الذي أساء هذه الكلمة فعَلى مَن أُسيء إليه أن يقول: اذهبوا فأنتم الطلقاء. نريد مبادرات إيجابية من هذا الذي أساء ومن هذا الذي أسيء إليه، من هذا الذي ظَلَم ومن هذا الذي ظُلِم، من هذا الذي استقوى بالغربيين بالأجانب بالأعداء، ومن هذا الذي استُقويَ عليه، نريد مبادرات إيجابية تحت عنوان "العفو" الذي خَطَّه القرآن الكريم وجعله طريقاً وسبيلاً يسير عليه النبي الأعظم محمد عليه الصلاة والسلام: (اذهبوا فأنتم الطلقاء). اللهم إنا نسألك مجتمع رحمة، اللهم إنا نسألك مجتمعاً نتراحم فيه يا ربَّ العالمين، يرحمُ الكبيرُ فينا الصَّغير، ويُوقِّر فينا الصَّغيرُ الكبيرَ، ويعرِفُ الجميع الفضلَ للعالِم في كل مجالات الحياة، لعالمنا حَقَّه في مجال الشريعة وفي مجال العلوم التطبيقية، وفي مجال العلوم الأدبية، اللهم وفق جميعنا من أعلى إلى أدنى، ومن الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب وفِّقنا من أجل أن نعيش مجتمع الرحمة، مجتمع التضامن والتبادل، مجتمع الفتوة بكل أبعادها وسِماتها وصِفاتها نِعمَ مَن يُسأل ربُّنا، ونِعْمَ النَّصيرُ إلهنا، أقولُ هذا القول وأستغفِرُ الله.

ألقيت في جامع السيدة نفيسة عليها السلام بحلب الجديدة بتاريخ 9/6/2023

لمشاهدة فيديو الخطبة، لطفاً اضغط هنا

https://fb.watch/l2RjEYWrmN/

ندعوكم لمتابعة صفحتنا عبر الفيس بوك بالضغط على الرابط وتسجيل المتابعة والإعجاب

https://www.facebook.com/akkamorg/

ندعوكم لمتابعة قناتنا عبر برنامج التليغرام بالضغط على الرابط وتسجيل الدخول والاشتراك.

https://t.me/akkamorg


التعليقات

شاركنا بتعليق