آخر تحديث: الجمعة 14 يونيو 2024
عكام


خطبة الجمعة

   
سِمات الشَّباب المنشُود

سِمات الشَّباب المنشُود

تاريخ الإضافة: 2023/09/08 | عدد المشاهدات: 349

أمَّا بعد، فيا أيُّها الإخوة المسلمون المؤمنون إن شاء الله:

يُقال: إن الأمة المتحضِّرة أو الرَّاقية هي التي تُعنَى بشبابها، وإن الأمة المتخلِّفة هي التي تُهمل شبابها، لكننا حين نتحدَّث عن الشَّباب فهل نقصد بالشَّباب مرحلةً عمرية معينة، من العشرين إلى الأربعين مثلاً ؟ أعتقد أن هذا هو الأصل، لكن في رأيي وفي رأي كثيرٍ من الناس الذين يهتمون بالمجتمع وبالاجتماع يقولون: الشَّباب سِماتٌ ومُقوِّمات، وليست مرحلةً عمريةً بَحتة، الشَّباب صِفات، فإن وُجدت هذه الصِّفات فيك فأنت شاب تستحقُّ بجدارة أن تُمدَح، وأن تكون فرداً في أمة راقية مُتحضِّرة. ما هذه السِّمات ?

سِماتُ الشَّباب، ومُقومات الشَّباب، وعناصر الشَّباب هي:

أولاً: إيمانٌ بالله راسخ، لا يَلين ولا يَتزعزع: (نما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثمَّ لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله) إيمان بالله راسخ، (واللهِ لو وَضَعُوا الشَّمسَ في يميني، والقمرَ في يَساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يُظهِرَه الله أو أهلِك دونه) إيمان راسخٌ لا يتزعزع، لا يقبل المساومة لا على دينه، ولا على عِرضه، ولا على أرضه، ولا على وطنه. هذه صفة أولى لمن أراد أن يكون شاباً مُمتَدَحاً مِن قِبل ربه، ومن قِبَلِ العُقلاء من هؤلاء الناس على وجه البسيطة.

الصفة الثانية: إخلاصٌ لله لا يعرفً المصانعة ولا المراءة: (وما أُمِروا إلا ليعبُدوا الله مُخلصين له الدِّين حُنفاء ويُقيموا الصَّلاة ويُؤتوا الزكاة وذلك دِينُ القَيِّمة) يروي التاريخ أيُّها الشَّباب، وكُلُّكم شبابٌ إن شاء الله، ونسأل الله أن تتحقَّقوا بهذه السِّمات، وأن يُحقِّقنا بها جَلَّ وعَلا، يروي التَّاريخ في معركة القادسية التي كانت بين المسلمين وبين الفرس آنذاك، وكان قائد المسلمين في المعركة سعد بن أبي وقاص، وكان خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنهم جميعاً، وانتصر المسلمون في القادسية، انتصر المسلمون أيَّما انتصار، ولعلكم إن رجعتم إلى كتب التاريخ ستستمتعون فعلاً وأنتم تقرؤون مسار هذه المعركة وكيف انتصر المسلمون على قِلَّةِ عددهم وعُددتهم على أولئك الذين كانوا ظالمين، على أولئك الذين قاتلوهم، على الفرس بقيادة "رستم" وبخلافة أو بوجود "كسرى يزدجرد الثالث" الذي قُتِل في هذه المعركة أو "رستم" الذي قُتل في هذه المعركة. بعدما انتصر المسلمون جِيء إلى عُمر بن الخطاب رضي الله عنه بغنائم، ومن جملة الغنائم أتوا بسيفِ "كسرى" وبِحُليِّه، وكانت غالية جداً جداً جداً. أمسك سيدنا عمر بالسيف وبالحُلي وقال لهؤلاء الأبطال الذين سلموه هذه الغنائم، قال لهم: "إنَّ قوماً أدَّوا هذا لذووا أمانة" أصحاب أمانة ، أنتم مخلصون، لم تقاتلوا مِن أجل المال، ولم تقاتلوا من أجل الشُّهرة، ولم تقاتلوا من أجل السُّمعة، "إنَّ قوماً أدَّوا هذا لذووا أمانة" فالتفتَ الإمام أمير المؤمنين عَليّ كَرَّم الله وجهَه قائلاً لعمر رضي الله عنه: "يا أمير المؤمنين عَفَفْتَ فَعَفَّت رَعِيَّتك". أيُّها الأب، أيُّها الأستاذ: أتريد أن تكون رعيتك، أسرتك، صفك، تلاميذك، أتريد أن يكون هؤلاء على الخطِّ الصحيح والبرنامج السليم ؟ إذاً ابدأ بنفسك لتكون قدوة صالحة، ابدأ بنفسك فكن مخلصاً، "عَفَفْتَ يا أميرَ المؤمنين فَعَفَّت رَعِيَّتك".

السِّمة الثالثة: عَمَلٌ دَؤوبٌ مُستمر: أنت تعمل باستمرار وبنشاط وبقوة وبصحة، وهذا العمل الذي ينتج عنك قائمٌ على علمٍ ومعرفة، إذاً فأنت تتحقَّق بِسِمةٍ أساسية من سِمات الشَّباب، يا أيُّها الشَّباب: عَمَلٌ دؤوب، (فإذا فرغتَ فانصب. وإلى ربِّك فارغب) لا تكسل، لا يأخذنَّ الكسلُ منك مأخذاً، لا تكن كسولاً، لا تضع برنامجاً وفي هذا البرنامج وقتٌ للراحة، فالراحة تأتي من غير تخطيط لها، لأننا اليوم استسلمنا للراحة، وغَدَت الرَّاحةُ هي الأصل، والعمل هو الأمر العابر. يا شباب العملَ العمل، وإلا فلستم شباباً حتى ولو كنتم في سِنِّ العشرين أو الثلاثين، العمل هو الذي يجعلُكم شباباً، العملُ الصَّالح النافع القائم على علمٍ ومعرفة، والا فلستم شباباً حتى ولو كنتم أقوياء الجسد، تتحَدَّون بقوتكم الحديد والنار.

السِّمة الرابعة لمن أراد أن يتحقق بالشَّباب، ولمن أراد يكون شاباً التضحية والاستبسال: (الذين يُبَلِّغُون رِسالاتِ الله ويَخشونه ولا يخشونَ أحداً إلا الله) التضحية في سبيلِ المبدأ الذي اختاره اللهُ لك، ألا وهو هذا الدِّين، ألا وهو هذا الإسلام، ألا وهو هذا القرآن، ألا وهو النبيُّ المرسَل محمد عليه الصلاة والسلام، كُن قوياً، كُن شُجاعاً، كُن جريئاً في مُدافعتك عن الحقِّ الذي أنزله اللهُ عَزَّ وجَل، عن الحق الذي نَزَل من خلال القرآن، من خلال النبي العدنان عليه الصَّلاة والسلام، وليسَ عن وجهة نظرك التي تعتقد أنَّها ربما كانت حقاً. نتقاتل وكُلٌّ منا يدَّعي الحق، لكننا في الحقيقة نتقاتل لأن كُلاً منا يُقاتل من أجل مصلحة خاصة، ولا يقاتل من أجل الله، وقد قلتُ لكم مرة أنَّ رجلاً جاء إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وقال: يجب أن نقاتل امتثالاً لقول الله عَزَّ وجل: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) فقال سعد لهذا وقد رأى في هذا الرجل أنه صاحب مصلحة، استتر ووقفَ وتظلَّل بالآية، إلا أنه في الحقيقة غير مقتنع بالآيات القرآنية، وإنما يقاتل من أجل مصلحته، فقال له سعد رضي الله عنه: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) هذا صحيح، ولكن هذا ينطبق على أولئك رضي الله عنهم، أما أنت فقاتلوهم حتى تكون فتنة، وليس حتى لا تكون فتنة. الاستبسال والتضحية، يروي التاريخ أيضاً عن قائدٍ مسلم يُدعَى قُتيبة بن مسلم الباهلي رحمه الله ورضي الله عنه، هذا الذي فتح شرقَ آسيا وأواسط آسيا، هذا الذي فتح أوزباكستان وساجستان وتركمانستان، ووصل إلى أسوار الصين وكاد يدخل الصين وأسوارها، وتوغَّل في أسوارها، وإذ بأحد الناس يقول له: يا قتيبة لقد توغَّلتَ في بلاد الصِّين، والحوادث بين أجنحة الدهر، يعني أنت خاطرن وغامرت، لقد توغَّلتَ في بلاد الصين، والحوادثُ بين أجنحة الدَّهر تتلاعب فيك. فأجابه قتيبة جوابَ الشاب المنشود، قال له: يا هذا، بثقتي بنصرِ الله توغَّلت، وإذا انقضت المدة فلن تنفع العدة. هو يمشي بدافع القدر الإيجابي، من آمن بالقدرِ إيماناً حقيقياً كان قوياً وكان مُستبسِلاً، وكان مُضحِّياً، وكان ناشطاً. فيا أيُّها الإخوة هيا إلى هذه السِّمات لنتحققَ بها، ولنكون شباباً نمتدحُ من قبل القرآن الكريم، ومن قبل النبيِّ الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ولتكون أمتنا من خلالنا أمة مُتحضِّرة، كما بدأنا الحديث: الأمة المتحضرة هي التي تُعنَى بالشَّباب، فاللهمَّ وَفِّق شبابنا من أجل أن يكونوا شباباً حقيقيين، ووفِّق رجالنا ونساءَنا وكلَّ مَن فينا من أجل أن يتحقَّقوا بِسِمات الشَّباب التي ذكرناها، نِعْمَ مَن يُسأل أنت، ونِعْمَ النَّصيرُ أنت، أقولُ هذا القولَ وأستغفِرُ الله.

ألقيت في جامع السيدة نفيسة عليها السلام بحلب الجديدة بتاريخ 8/9/2023

لمشاهدة فيديو الخطبة، لطفاً اضغط هنا

https://fb.watch/mX1dRVS3J_/

ندعوكم لمتابعة صفحتنا عبر الفيس بوك بالضغط على الرابط وتسجيل المتابعة والإعجاب

https://www.facebook.com/akkamorg/

ندعوكم لمتابعة قناتنا عبر برنامج التليغرام بالضغط على الرابط وتسجيل الدخول والاشتراك.

https://t.me/akkamorg

التعليقات

شاركنا بتعليق