آخر تحديث: الإثنين 15 يوليو 2024
عكام


خطبة الجمعة

   
أَركانُ الإنسانية -2

أَركانُ الإنسانية -2

تاريخ الإضافة: 2023/12/29 | عدد المشاهدات: 291

 

أمَّا بعد، فيا أيها الإخوةُ المسلمونَ المؤمنون إنْ شَاءَ الله:

قلنا: ما أجمل أن تُمتَدح على أنك إنسان، أن تُوصَف بالإنسانية، والإنسانية كما ذكرنا تقوم على ثلاثة أركان: على عدلٍ وعلى عقلٍ وعلى رحمة. إذا أردتَ أن تمتحنَ نفسك أو أن تتأكد من إنسانيتك فانظر عقلَك وعدلَك ورحمتَك، فإن توافرت فيك هذه الصفات فأنت إنسان وتستحقُّ أن توصف بالإنسانية، إذ الإنسانية وصفٌ رائع. تحدَّثنا عن العقل والعدل في الأسبوع الفائت، وأما الرحمة ثالث أركان الإنسانية، ولعلها الركن الأهم، بل إن بعضهم جعلَها مرتبةً مُستقلة تعلو على مرتبة الإنسانية، ولذلك قَسَّم هؤلاء المراتب إلى ثلاث مراتب: البشرية، الإنسانية، الرحموية، الرحموية كَينونةٌ أخلاقية مُستقلة بذاتها، هكذا عَدَّها بعضهم، والذي وصل إلى هذه المرحلة الرفيعة جداً، مرحلة الرحموية، هو المصطفى صلى الله عليه وسلم، فلقد تدرَّج بتوفيق الله وفضله وعَطائه وإحسانه من البشرية إلى الإنسانية إلى الرحموية، استُغرقت بشريته في إنسانيته، واستُغرقت إنسانيته في رحمويته، ولذلك لم يُوصف بالرحيم فحسب، بل كان الرحمة ذاتَها، (وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين)، ولم يقل وما أرسلناك إلا رحيماً، وقال عن نفسِه صلى الله عليه وسلم: (إنَّما أنا رحمةٌ) قال عن نفسه (إنما أنا بشر) ثم ارتقى فقال: إنما أنا إنسان، بكلِّ أبعاد هذه الكلمة الخيِّرة، ثم قال: (إنَّما أنا رحمة) فهل تستطيع أن تقول عن نفسك أنت بأنك إنسان، يعني تمتلك العقلَ والعدل، افحص نفسَك: هل أنت إنسان توافرت فيك صفتا العقل والعدل، وأما الرحمة فتلك المرتبة التي - كما قلت - تعلو على مرتبة الإنسانية، وقد حازها بكمالٍ وتمام سيِّدُ الناس عليه الصلاة والسلام. الرحمة هي عَمودُ الخير، الذي تستوي عليها إرادة الإنسان الحضارية، وهي الناظم الأخلاقي لجملة الأخلاق البشرية الحميدة، وهي القيمة التي تَواصى عليها المصلحون الصادقون، وأنتم تقرؤون: (وتَواصَوا بالمرحمة. أولئك أصحابُ الميمنة) فهل أمة محمد اليوم صلى الله عليه وسلم تَتواصَى بالمرحمة فيما بينها ؟! أترك الجواب لكم. الرحمة تعريفها، ما الرحمة التي هي عمود الخير والناظم الأخلاقي، والتي هي القيمة التي تَواصى عليها المخلصون الصَّادقون، الرحمة هي من حيثُ تَعريفها: "عَطاءٌ نَافِعٌ برفق" فهل تُعطي أنت مَن حولك عطاءً نافعاً برفق على مُستوى الكلمة، وعلى مُستوى العطاء المادِّي، وعلى مُستوى العطاء المعنوي، (فَبِما رحمةٍ من الله لِنتَ لهم ولو كُنتَ فَظَّاً غَليظَ القلبِ لانفضُّوا مِن حولك) هذه هي الرحمة، والرسولُ عليه الصَّلاة والسلام كُلُّه رحمة، وهو - كما قلت - بل الرحمة عينها وذاتها، (إنما أنا رحمةٌ مهداة)، كُلُّه عطاءٌ نافع برفق، هذا من حيث التعريف.

وأما من حيثُ المعيار، فالرحمة معيار إسلامك وإيمانك، إن كُنتَ رحيماً فأنت مسلم مؤمن، وإن لم تكُن رحيماً فلستَ بمسلم ولست بمؤمن، وهكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (مَن لا يَرحم لا يُرحَم) وإذا لم ترحم فلن ينفَعَك إسلامك ولن ينفعك إيمانك، إذاً أنت لست مسلماً ولست مؤمناً، (مَن لا يَرحم لا يُرحم) وفي رواية أخرى: (لا يَرحم اللهُ مَن لا يَرحمُ الناس) هكذا قال عليه الصَّلاة والسلام في حديث آخر: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا مَن في الأرض يَرحمُكم - أو يَرحمْكم - مَن في السماء) القضية واضحة، الرحمة معيار إسلامك وإيمانك، إن أردتَ أن تختبر إسلامك وإيمانك، فانظر رحمتك. لعلك تقول كما قال الصحابة يومَ قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يَدخُلُ الجنةَ إلا رحيم) وفي رواية: (إلا كل رحيم) قال الصحابة: يا رسول الله كلنا رحيم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ليست الرحمة المنشودة (ليست الرحمةُ رحمةَ أحدكم نفسَه وأهل بيته) لعلكم رُحماء بأنفسكم وبأهليكم وبأهل بيتكم، هذه ليست الرحمة المطلوبة، وليست الرحمة المنشودة رحمة أحدكم نفسَه وأهل بيته. أنا أعرف أنكم ترحمون أولادكم، وترحمون أنفسكم، وترحمون مَن يلوذُ بكم، وحتى هذا فليس بذاك الذي يمكن أن نتحدث عنه بتأكيد، (ليس رحمةَ أحدكم نفسَه وأهل بيته) هل أنت ترحم الناس، هل أنت ترحم جارك، هل ترحم الفقير، هل ترحم الإنسان الكبير المسن، هل ترحم صديقك، هل ترحم هذا المصلِّي الذي يُصلِّي بجانبك ? هل ترحمه ? هل تُقدِّم له عطاءً نافعاً برفق ? إن لم يكن مادة فكلمة طيبة، إن لم تكن كلمةً طيبة فبسمة وابتسامة، (ليس رحمة أحدكم نفسَه وأهل بيته، ولكنها رحمة العامة) ولكنها رحمة الناس، ارحموا بعضَكم، وهنا يُطرح سؤال: لعلَّ قائلاً يقول: وهل في القتال اليوم، وهل في الجهاد، وهل في قتال هؤلاء الأعداء رحمة ? أنت تتحدث عن عطاءٍ نافعٍ برفق، فهل هؤلاء الذين يُقاتلون الإسرائيليين هذا الكيان، هل يقومون بعملية الرحمة، هل يتصفون بالرحمة ? أقول لكم بكل بساطة: لو أن طبيباً جاءه مريض، وهذا المريض في جَسده وَرَمٌ خبيث، وينمو هذا الورم ينمو نُموَّاً عَشوائياً، أرأيتَ لو أنَّ هذا الطبيب قال لهذا المريض: أنا أرحمك، وبالتالي لا أريد أن أستخدم المشرط ولا أستخدم المقص من أجل أن أستأصل هذا الورم لأنني سأجرحك، لو أنَّ هذا الطبيب قال هذا الكلام فلن يكون كلامه يَصُبُّ في مَصَبِّ الرحمة. هذا المثال قلتُه وذكرته من أجل أن أقول بأنَّ هذا الكِيان الغاصب إنما هو وَرَمٌ خبيث وغُدَّةٌ سَرَطانية في جسم الأمة الإنسانية، فعلى أولئك المجاهدين أن يستأصلوا هذه الغُدَّة رحمةً بجسم الأمة الإنسانية، إنهم ظالمون، إنهم مُعتَدُون، إنهم آثمون، إنَّهم مفسدون، إنَّهم شُذَّاذ الآفاق، وبالتالي استئصالهم يعني عين الرحمة بجسم الأمة الإنسانية وليس بجسم الأمة الإسلامية فحسب. القتال ليس رَحمة ولا يَمُتُّ إلى الرحمة بِصِلة عندما يكونُ قِتالاً بين المسلمين، كما يقعُ في بلادنا وفي بعض البلاد الإسلامية، إذ يقاتلُ المسلمُ المسلمَ، فهذا ليس رحمة على الإطلاق، ولا يَمُتُّ إلى الرحمة بِصِلة، أن يقاتلَ المسلمُ المسلمَ من أجل سياسة، أو من أجل مال، أو من أجل ادِّعاء حُكم، أو أو... الخ، فهذا ليس من الرحمة على الإطلاق، الرحمةُ في القتال عندما تُقاتل وَرماً سرطانياً في جِسم الأمة، وقد ثَبتَ عقلاً وتاريخاً ومنطقاً وجغرافيةً وتاريخاً، ثبت أنَّ هذا الكيان الغاصب، أنَّ إسرائيل، أن الصهيونية وَرمٌ خبيث، يتمدَّد في جسم الإنسان، وعلى الإنسانية أن تتعاون من أجل استئصال هذا الورم الخبيث وبكل وضوح. تلكم هي الإنسانية والرحموية، افحصوا ومحِّصُوا أنفسكم على هذا الأساس، هل أنتم رحماء بالمسلمين، بالمؤمنين ? إذاً أنتم مسلمون مؤمنون، وإلا فلا، الأمر بين أيديكم، وأسأل اللهَ عزَّ وجَل أن يجعلنا على طريق أصحاب محمد صلى الله وسلم ورضي الله عنهم، (أشدَّاُء على الكفار رُحماء بينهم) هذا ما أرجو الله عز وجل، وهذا ما أدعو اللهَ عز وجل به، نِعْمَ مَن يُسأَلُ ربُّنا، ونِعْمَ النَّصيرُ إلهنا، أقولُ هذا القولَ وأستغفِرُ الله.

ألقيت في جامع السيدة نفيسة عليها السَّلام بحلب الجديدة بتاريخ 29/12/2023

لمشاهدة فيديو الخطبة، لطفاً اضغط هنا

https://fb.watch/peqfEoxfWl /

ندعوكم لمتابعة صفحتنا عبر الفيس بوك بالضغط على الرابط وتسجيل المتابعة والإعجاب

https://www.facebook.com/akkamorg/

ندعوكم لمتابعة قناتنا عبر برنامج التليغرام بالضغط على الرابط وتسجيل الدخول والاشتراك.

https://t.me/akkamorg

التعليقات

شاركنا بتعليق