آخر تحديث: الجمعة 26 تشرين الثاني 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
الفكر من وظائف العقل

الفكر من وظائف العقل

تاريخ الإضافة: 2001/07/27 | عدد المشاهدات: 5432

أما بعد ، أيها الاخوة المؤمنون : 
العقل أسمى ما مُنحه الإنسان ، فإن سئلت عن أسمى ما منحك الله إياه أجبت بأنه العقل . وإذا كان العقل نعمة كبيرة وكبيرة جداً ترى ما هو العقل ؟ ما تعريفه ؟ ما نعني به حين نذكره ؟ ما البعد المعنوي للعقل ؟ 
العقل أيها الاخوة المسلمون هو قدرة مكنك الله عز وجل منها ، قدرة على محاكمة الأمور ، على محاكمة الأشياء وفق بدهيات ركبت عليها ، لا أريد أن اقف عند العقل ، لكنني أريد أن انتقل بعد تعريف العقل إلى وظيفته الأولى ، ووظيفته الأولى هي الفكر ، والفكر هو حركة العقل أي حركة القدرة على المحاكمة حينما يتحرك العقل ، والعقل إن شبهناه كالآلة فحينما تشتغل الآلة فشغل الآلة وعملها هو الفكر ويحق لنا أن نتساءل : إذا كان الفكر حركة العقل وعمله ، فما موضوع هذا الفكر ؟ أعود إلى المثال : إذا كان العقل أشبه ما يكون بالآلة ، وإذا كان الفكر أشبه ما يكون بعمل الآلة وبشغلها وبحركتها . لكننا نسأل ما الذي يشغل هذه الآلة ؟ ما موضوع إنتاج الآلة ؟ ما المادة والموضوع الذي تشتغل عليه الآلة والذي تنتجه الآلة ؟ وهنا أيضا نقول بالنسبة للفكر : إذا كان الفكر عمل العقل وحركة العقل فما موضوع الفكر ؟ 
إن لم تعمل الفكر فقد حرقته كما تحرق الآلة إذا أعملتها من غير مادة تقدمها لها ، إذا لم تعمله فقد أحرقته وإذا كان موضوع الفكر أمر سلبي فقد دمرت نفسك ، إذا كانت الآلة تعمل بفراغ أحرقتها وإذا كانت تعمل بمواد ضارة فسوف تدمر البلد بإنتاج ضار . وكذلك الفكر إن عمل من غير موضوع احترق وان عمل بموضوع سلبي دّمر ودُمر . إذاً : السؤال ما الموضوع الإيجابي للفكر ، لعمل هذه الآلة ، لعمل العقل ، لحركة العقل . وهنا احب أن أتحدث عن بعض مواضيع الفكر بحيث إذا أعملت الفكر فيها كانت هناك نتائج طيبة .
أيها الشباب : لعلي قبل أن أتحدث عن موضوعات الفكر أقول : إننا ظالمون إلى حد ما لفكرنا - أي لحركة عقلنا - لأننا كثيراً ما نهمل هذه الحركة لأننا كثيراً ما نترك الآلة تشتغل من غير موضوع ، ولأننا كثيرا ما نترك الآلة بغير عمل ، بمعنى أننا لا نفكر ، وكلنا يعلم أن فلاسفة معتبرين قالوا : " أنا أفكر إذا أنا موجود " ، فإذا كنت لا تفكر ولا تُعمل العقل فعقلك هامد ، هذه القدرة جامدة فأنت غير موجود . 
إن كثيراً منا لا يعملون عقولهم ولا يشغلون آلية المحاكمة التي هي العقل ، وبالتالي تراهم هامدين جامدين يشغلون عقلهم بقدر ما يعود بالنفع أو بالضرر أحياناً على أجسادهم ، وهم في دائرة الجسد لا أكثر ولا أقل ما الذي سآكله ؟ أين سأسكن ؟ مَن سأتزوج ؟ كيف سأجني مالاً في مستقبل قريب أو بعيد ؟ أين سأذهب لقضاء الصيف ؟ ماذا سأعمل من أجل تأمين مستقبل أولادي المادي فقط ؟ هنا يُعمل الفكر وأما في سائر الجوانب فالفكر مستقيل أو مُقال أقلناه أو استقال بذاته ، لأنه لا يرى نفسه يعمل أعود فأقول : ما موضوعات الفكر الإيجابية لا أريد أن أعددها كلها لكني أريد أن التفت إلى بعض هام منها .
أولاً : الفكر - أي حركة العقل - في آيات الله يولد المعرفة . فكر وأعمل عقلك واجعل عقلك يتحرك في آيات الله ، وإذ بالمعرفة تتولد عندك. الفكر في آيات الله يولد المعرفة ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب . الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ) حصلوا على المعرفة ، ( ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ) تولدت معرفة الإله في قلوبهم لأنهم أعملوا عقلهم في آيات الله ربنا مفردة معرفية عالية المستوى .
إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا إلى التفكر من أجل أن تكتسب معرفة ، والإنسان يقاس بمعرفته ، والذي يحصل المعرفة عندك فكر في آيات الله ، ومن هنا ورد عنه صلى الله عليه وآله سلم أنه قال : " تفكر ساعة خير من عبادة سنة " كما جاء في الترمذي وسواه ، لأن التفكر في آيات الله يولد معرفة ونحن بحاجة إلى معرفة ، لأن الإنسان من غير معرفة لا قيمة له .
أيها الاخوة : الفكر في آيات الله يولد المعرفة . سُئل سيدنا الإمام علي كرم الله وجهه : كيف عرفت ربك ؟ ومعرفة الرب معرفة أعلى في سلم المعارف ، معرفة الرب معرفة الله هي المفردة الأهم من بين مفردات المعرفة كيف عرفت ربك ؟ قال : " عرفت ربي بربي " . أي من خلال آيات ربي لأن ربي هو الذي وضع الآيات ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون وفي الأرض آيات للموقنين ) والإيقان درجة أعلى من المعرفة ، معرفة معمقة " عرفت ربي بربي وعرفت مراد ربي بمحمد صلى الله عليه وسلم " 
يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليل
أمنن علي بتوبة أمحو بهـــا ما كان مني في الزمان الأول
تفكر في آيات الله وفكر في آيات الله حتى تتولد المعرفة . 
ثانياً : الفكر في آلاء الله ونعمه يولد المحبة . إذا فكرت في نعم الله فسوف تتولد المحبة في قلبك لله ، والمحبة لله عاطفة نبيلة ، وإذا لم تحب الله فمهما أحببت ما دونه لا قيمة لهذه العاطفة ، الفكر في نعم الله يولد المحبة يقول عليه الصلاة والسلام كما يروي الترمذي أيضا : " أحبوا الله لما يغدو كم من نعمه و أحبوني لحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي " ( ألم تروا إن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ) والقلوب جُبلت على حب من أحسن إليها ، فالتفكر في آلاء الله يولد المحبة ( فبأي آلاء ربكما تكذبان )، والله انعم عليكم بالقرآن ( الرحمن علم القرآن ) أكبر نعمة تفكر في النعمة وفكر في النعمة لتتولد المحبة . ربنا عز وجل قال لنبيه وتولدت نتيجة النعم التي فكر نبيه صلى الله عليه وسلم بها تولدت في نفسه محبة الله ، وأعظم بها من محبة ( ألم يجدك يتيماً فآوى ) ، أنعم الله عليك ( ووجدك ضالاً فهدى ووجدك عائلاً فأغنى ) . أنت أيها الإنسان فكر في نعم الله عليك من أجل أن تتولد المحبة , من أنعم عليك بالبصر من أنعم عليك بالسمع من أنعم عليك بالوجود من أنعم عليك بالفكر من أنعم عليك بالعقل من أنعم عليك بالإسلام من أنعم عليك بالأيمان بالله ؟ إذا فكرت في هذا وكما قلت حسب القاعدة الإنسانية : جُبلت القلوب على حب من أحسن إليها . فستحب الله فهل أنت تحب الله ؟ إذا كان الجواب نعم إذاً تابع طريق المحبة فطريق المحبة لا ينتهي في سموه وفي رفعته وفي مجده .
ثالثاً : الفكر في وعيد الله يولد الخوف من التقصير . إذا فكرت في وعيد الله ربنا سبحانه وهو الذي قال : ( فأنذرتكم ناراً تلظى ) قرأها عمر بن عبد العزيز فما استطاع مغادرتها وراح يرددها من المساء حتى الصباح ( لا يصلاها إلا الأشقى . الذي كذب وتولى . وسيجنبها الأتقى . الذي يؤتي ماله يتزكى . وما لأحد عنده من نعمة تجزى . إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ) فكر في وعيد الله من أجل أن تتلافى التقصير من أجل أن تخاف التقصير . الله عز وجل قال في آيات كثيرة وتحدث عن العذاب ، تحدث عن الوعيد من أجل ماذا ؟ هل من أجل أن تمر عليها من دون ولادة شيء فيك ؟ لا يا أخي ( فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة ) من توعدك في الدنيا خِفت من التقصير في حقه ، الله يتوعد المقصرين ( يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ) الفكر في وعيد الله يولد الخوف من التقصير .
رابعاً : الفكر في وعد الله يولد الطاعة والانقياد لله . إن فكرت في وعد الله وقد قال ( إن للمتقين مفازاً . حدائق وأعناباً ) هذه حقيقة حينما يعدك إنسان ما بخير تسعى من أجل أن تكون ممتثلاً أوامره . الله يقول لك ( وجوه يومئذ ناعمة . لسعيها راضية . في جنة عالية . لا تسمع فيها لاغية . فيها عين جارية . فيها سرر مرفوعة . وأكواب موضوعة ) هي حقيقة ، ومن فكر في وعد الله تولدت فيه حب الطاعة لله ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلاً ) هل غدت الجنة - أيها الاخوة - الموعود بها أمراً وهمياً أم إنها حقيقة ؟ ولربما يا أخي لو وعدت به من قبل إنسان - وآمل أن تستوعب عبارتي - ربما ما وعدت به من قبل إنسان في الدنيا يتأخر عن الجنة بمعنى أنك ربما مت قبل أن يتحقق وعد الإنسان . فالجنة بين ناظريك وهي أقرب إليك من كل وعد ، والنار بين ناظريك وهي أقرب إليك من كل وعيد .
خامساً : الفكر في حال المسلمين اليوم يولد الألم . وهو المطلوب منك روى النسائي والبيهقي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : " من أصبح لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم " هل تفكر في أمر المسلمين وحالهم ؟ النتيجة ستقول لي إذا فكرت في حال المسلمين فما الذي سيتولد فيَّ ؟ الفكر في حال المسلمين يولد فيك ألما ، والألم حينما تشعر به لا بد من أن تلجأ إلى طبيب ليعالجك ، ونحن نريد أن نتألم بل نريد أن نشعر بالألم ولولا شعورك بالألم لما ذهبت إلى الطبيب ولما تناولت الدواء ولما ذهبت إلى من يعالجك . الفكر في حال المسلمين يولد ألماً إيجابياً يدفعك من أجل أن تدفع العلاج ، ومن أجل أن تطلب الدواء . الفكر في حال المسلمين يولد دمعة تعبر عن ألم ، ويولد لساناً يضطرب من الألم ويتلجلج من الألم . 
أيها الاخوة : الفرقة ضاربة أطنابها ، العداوة والبغضاء والابتعاد عن الدين ، الخوف من الجهاد ، التعامل مع الأعداء ، موالاة أعداء الله ، الابتعاد عن المؤمنين الصادقين ، الالتفات إلى الدنيا ، كراهية الموت ومحبة الدنيا على حساب الآخرة ، عدم تربية الوالد أولاده ... وقس على ذلك حال ينبغي أن تفكر فيها ليتولد الألم . وقد قلت سابقاً على هذا المنبر أن مشكلتنا كما قال بعضهم حينما سأله السلطان ما مشاكل المسلمين أجابه قال : مالي ولهذا الأمر ؟ فقال السلطان أقول لك ما مشاكل المسلمين اليوم تقول لي مالي ولهذا الأمر ؟ ! فقال له هذا الرجل : إن مشاكل المسلمين أن كل واحد منهم يقول مالي ولهذا الأمر - يُطَنِّش كما نقول في تعبيرنا العامي - ولا يهتم وليكن الطوفان وليكن ما يكن ، المهم أنه يريد أن يحقق رغبات جسده ومنافع جسمه ويريد أن يعيش حول محور مصالحه القريبة الخاصة بل ربما حول أوهام مصالحه الخاصة . الفكر في حال المسلمين يولد ألماً . فكر يا أخي فيما يحدث في فلسطين فكر في مستقبل العالم الإسلامي . الإسرائيليون يفكرون في مستقبلهم وقلت لكم إن جريدة اللوموند الفرنسية منذ أكثر من تسعة أشهر ذكرت نقلاً عن رئيس وزراء العدو لعنهم الله ذكرت أن هذا الرجل يقول : لقد أعددنا برامج لكل ما سيحدث إلى أن نصل إلى تحقيق المطلوب أو الهدف المنشود . وهو أن حدود إسرائيل من النهر إلى النهر من الفرات إلى النيل أعددنا برامج لهذا . 
أيها الاخوة : و أما نحن فماذا أعددنا ؟ ما الذي سجلناه ؟ أنا لا أنفي الإعداد عن كل المسلمين . فهنالك بعضهم يعد ولكن لا يكفي ، وكما نقول في مثلنا العامي الوردة لا تشكِّل ربيعاً . وعمل واحد بين الجماعة قد يذهب هباء ، وإذا لم تكن الجماعة على رأي واحد صائب فإن الرأي الصائب سيندثر ويبقى الباطل الذي تقوم به الجماعة أنا أريد أن يلتفت كل منا إلى تفكر ، وفكر في حال المسلمين اليوم ولا يقولن أحد منا عن الأمر لا يعنيني ومن أنا حتى أفكر ؟ كل منا مطلوب منه بفرضية إسلامية مطلوب منه أن يفكر في حدوده ، أن يفكر في دائرته على أقل تقدير كما قال رئيس البوسنة - في يوم من الأيام - قال للمسلمين في العالم : إذا لم تفكر فلا أقل من أن تذكرنا بدعوة . أن تدعوا لنا وهذا بداية التفكير وأنا اسأل سؤالاً ولا أريد الجواب ولكن أريد لكل منكم أن يقدر الجواب بينه وبين نفسه كم واحداً منا يدعوا بينه وبين نفسه للمسلمين بشكل عام ؟! كم واحداً منا في صلاته وبعد صلاته يقول اللهم وفق المسلمين لما تحب وترضى ؟! كم واحد منا يستيقظ من الليل هذا أقل تقدير ليقول اللهم انصر إخوتنا في فلسطين ؟! كم واحد منا حين يشبع من طعامه يتذكر إخواناً له جائعين ليقول اللهم أشبعهم كما أشبعتني ؟! - أنا اترك التقدير لكم واترك الحساب لكم - الفكر في حال المسلمين يولد ألماً إيجابياً يدفعنا للبحث عن الدواء والبحث عن المعالجة والشفاء والبحث عن التطبيب . هيا أيها الاخوة كما بدأت أعيد : الإنسان أعظم ما يمتلكه العقل ، وللعقل وظيفة أولية هي الفكر ، والفكر إن لم يعمل كان حَرقاً ، وإن عمل في موضوع سلبي دمر ، وإن عمل في موضوع إيجابي بنى وهيأ .
أسأل الله أن يوفقنا من أجل أن نكون أصحاب فكر فيما يرضيه ، في آلاءه وفي آياته ، في وعيده وفي وعده ، وفي حال المسلمين اليوم . نِعم من يسأل ربنا ونعم النصير إلهنا أقول هذا القول وأستغفر الله .

التعليقات

شاركنا بتعليق