آخر تحديث: الثلاثاء 17 مايو 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
أصناف الناس

أصناف الناس

تاريخ الإضافة: 2003/02/21 | عدد المشاهدات: 2944

أيها الإخوة المؤمنون : حينما ينظر المرء منا خارطة العالم اليوم يجد الناس أصنافاً - وهذا رأيي - أصنافاً أربعة ، هنالك ما أسميتهم بالأعداء الشرسين المجرمين ، هنالك أعداء مجرمون شرسون آثمون وأعني بالأعداء أي أعداءً للحق ، للخير ، للفضيلة ، للإنسانية ، هنالك أعداء مجرمون آثمون . وهناك عملاء لهؤلاء الأعداء عملاء متحكمون معذِّبون قاهرون فيهم من الإجرام ما في الأعداء , وفيهم من الإذعان للأعداء ما فيهم من الأجرام .
والصنف الثالث دخلاء فاسدون مُكَفِّرون , وأما القسم الرابع فهم الضحايا , أسميهم ضحايا ويمكن أن أطلق عليهم بأنهم مستضعفون لكنهم ينظرون الحق يرغبونه , يسعون من أجل إحقاقه , يريدونه , ينشدونه , لا يفترون لكنهم ضحايا عداوة المعتدي , ضحايا إجرام العميل القاهر المتحكم ، ضحايا الدخيل الفاسد المكفر ، هؤلاء الضحايا في زمن الطوفان ، في زمن الهرج ، في زمن الفتن ، وزماننا يمكن أن يندرج تحت عنوان هذا الزمن الذي ذكرناه ، يمكن أن يندرج تحت عنوان الهرج والطوفان والفتن ، هؤلاء الضحايا الذين هم الصنف الرابع ، يُكَفَّرون من الدخيل ، يُخَوِّنون من العميل ، يُعتدى عليهم ويُقتلون من قبل العدو الشرس ، وهم بهذا يدفعون الثمن ، لكن مقولتهم عنوانها ما قاله سيدهم وعظيمهم ، ورئيسهم وقائدهم عليه ألف صلاة وألف سلام حينما خرج من الطائف وقد هاجر إليها عَلَّه يجد النصير هناك ، وإذ به من قبل الأعداء يُعتدى عليه ، ومن قبل العملاء يُعذَّب ، ومن قبل الدخلاء يدعى بأنه الصابئ الكافر الخارج عن دينهم الذي لا حق فيه ولا أصل له ، مقولة هؤلاء الضحايا ما قاله سيد الكائنات : إلى من تكلني ؟! إلى عدو يَتَجَهَّمني ، أم إلى قريبٍ ملكته أمري ! إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي . مقولتهم يرددونها باستمرار هذه المقولة : إلى من تكلنا ؟! إلى عدو يتجهمنا ، أم إلى عميل ملكته أمرنا ، أم إلى دخيل ملكته أمرنا ، فيما يخص ديننا ، لكننا نقول : إن لم يكن بك غضب علينا فلا نبالي ، لكن عافيتك أوسع لنا . هذه مقولتهم ، وأما أملهم فقوله تعالى : ( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنُجِّيَ من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ) حتى إذا استيأس الرسل هذا أملهم ، أملهم في قوله تعالى : ( جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ) أملهم أيضاً : ( أَمَّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ) أملهم ( ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ) أملهم بأن الله ناصرهم وأنهم سيحقون الحق بفضل الله وسيبطلون الباطل بفضل الله ، ولكن لا بد من ثمن ، وأرجو أن لا أحتاج إلى تشخيص ، وأرجو أن أعتمد على فهمكم في تشخيص من ذكرت من الأعداء الشرسين الذين يوقعون الضحايا شهداء نراهم في غزة ، في الضفة ، في فلسطين ، في كل مكان ، أرجو أن أعتمد على فهمكم في تشخيص الأعداء الشرسين الذين يغتالون ويقتلون ، وفي تشخيص العملاء الذين يتحكمون والذين يعذبون ، وفي تشخيص الدخلاء الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعاً لكنهم في الغي سادرون ، أعتمد على فهمكم في تشخيص هؤلاء ، والحُرُّ – وأنتم أحرار – والحر تكفيه الإشارة ، وأعتمد على فهمكم في تشخيص الضحايا ، المستضعفين المعذبين المقهورين ، لكنهم وإن كانوا ضحايا اليوم إلا أنهم أصحاب ريادة الغد ، أصحاب أمجاد المستقبل ، إن كانوا المكَفَّرين اليوم فهم أصحاب الكلمة الفصل في إيمان من آمن وفي كفر من كفر ، إنهم سيشكلون بفضل الله المرجعية الواعية لهذا الدين الحنيف الذي سيكون بفضل الله ، بنقائه ، بطهره ، بجماله دين المستقبل ، شاء من شاء وأبى من أبى ، سيكون هذا الدين الحنيف دين المستقبل بعد أن يقدم هؤلاء الضحايا ، المعذبون ، المقهورون ، بعد أن يقدموا الثمن الذي يحدده ربنا كَمَّاً وقد حدده كيفاً وذلك بالثبات ، ثمن الضحايا لكي يكونوا سادة المستقبل ورواد الخير في غد مشرق ، ثبات على الإيمان لا تزعزعه عواصف ، ثبات عنوانه ما قاله سيد الكائنات وما نردده ناقلين هذه الكلمات عن سيد الكائنات : " والله يا عم ، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله ، أو أهللك دونه " الثمن ثبات على الإيمان بالله ، الثمن أيضاً صبر على عمل الخير من أجل الله ، ثبات على الإيمان ، صبر على عمل الخير ( اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله ) صبر على عمل الخير لا تزعزعه رعود ولا وعود معزولة ، صبر على عمل الخير وإن كان ذلك سيجعلهم يدفعون الثمن من رزقهم ، أو من مالهم ، أو من جسمهم ( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ) صبر على عمل الخير ( ولنبلوَنَّكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ) الثمن ثبات على الإيمان بالله لا يتزعزع ، صبر على عمل الخير لا ينتابه أي زيغ أو رجحان نحو اليمين أو الشمال بل هم في عملهم الخيِّر الصالح صابرون ، ماشون ، سائرون ، لا يعرفون الهوى المضل ولا الهوان ، ولا يعرفون الَنَصَب ولا التعب ، شعارهم في عمل الخير أيضاً : ( فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب ) . الثمن ثالثاً : مصابرة فيما بينهم ، أنت تُصَبِّرني وأنا أصبرك ، وكذلك تصابرني وأنا أصابرك ، على ماذا ؟ على الإيمان بالله وعلى عمل الصالح ، والله عز وجل قال في محكم آياته في سورة نكررها كل أسبوع : ( والعصر . إن الإنسان لفي خسر . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) إلا الذين آمنوا وثبتوا على الإيمان وقدموا من أجل ذلك الثمن تلو الثمن ، وصبروا على عمل الصالحات في مقابل مال ضحوا به ، في مقابل جاهٍ ضَحَّوا به ، في مقابل دنيا قالوا لها ما قال لها الإمام علي : " يا دنيا غُرِّي غيري ، إليك عني ، بَتَتُك ثلاثاً " ، بتتك لا رجعة لك لي ، ولا رجعة لي إليك . ( وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) الثمن ثبات على الإيمان ، صبر على العمل الصالح ، مصابرة وتواصٍ بين أولئك المؤمنين ، أولئك العاملين ، هذا هو مجمل الثمن ، وفَصِّلوا أنتم في هذا الثمن ما تريدون .
هذه ملامح الأشخاص أو الناس في خارطة العالم اليوم ، وعلينا أن نختار هل نكون مع الأعداء الشرسين الذين يقتلون بغير حق ؟ هل نكون مع العملاء المتحكمين المعذبين ؟ هل نكون مع الدخلاء الفاسدين الذين يقولون ادعاءً بأنهم أوصياء على الحق ، لكنهم لا يعرفون الحق ، ويتكلمون باسم الحق من غير معرفة ، ويهددون إن لم يكن الآخر معهم سيكون قتيلهم ، وسيقتل ويكفر وينازع في أمره ومعتقده .
أدعو الله عز وجل أن يجعلنا مع المستضعفين ، لا حباً في الضعف ولكن حباً في أمل وفي غد يشرق ، حتى نكون طليعة أولئك الذين صبروا وصدقوا فنصرهم الله ، أدعو الله أن يجعلنا من أولئك الذين سينقلبون إلى خير في الدنيا والآخرة ، أدعو الله عز وجل أن نكون كما قال سيد الكائنات عليه وآله الصلاة والسلام حينما أوصى أصحابه الكرام : " كن عبدَ الله المقتول ، ولا تكن عبد الله القاتل " لأنك وإن قهرت إلا أنك ستُقهَر على باب المشاكلة ، ستقهر بالحق والحق لا يقهر ، وإنما الحق حينما تتبناه سيعطي لكل ذي حق حقه ، ستملك أيها المستضعف الناصية ولكن بعد ثمن ، ستسمعون من الذين يعتدون أذى كثيراً ، ستسمعون من الذين يتعاملون بعمالة فاضحة أذى كثيراً ، ستسمعون من الدخلاء على الدين أذى كثيراً ، ولكن اصبروا وصابروا وقدموا الثمن ولا تلتفتوا إلا إلى ربكم ، فنصرُ الله آتٍ إن شاء الله .
لا يسعني في النهاية إلا أن أُشَخِّص الصنف الأول أو بعض الصنف الأول لأقول لإسرائيل ولأمريكا : ستخسرين بعون الله ، ستُخذَلين بعون الله ، ستُسَائين بعون الله . نصر الله آتٍ لهؤلاء الضحايا ، للشهداء في أرضنا المحتلة ، وأما الأصناف الأخرى أتركهم لكم ، واسألوا الله عز وجل في كل صباح ، قولوا له : اللهم أرني الحق حقاً وارزقني اتباعه وحببني فيه ، وأرني الباطل باطلاً وألهمني اجتنابه وكرهني فيه . ورضي الله عن سيدي وقرة عيني الإمام الحسين حينما قال يتحدث عن العملاء والدخلاء : " الناس عبيد الدنيا ، والدين لعقٌ على ألسنتهم أو لغو على ألسنتهم ، يحوطون ما درَّه به معايشهم ، فإذا ما محصوا بالابتلاء قل الديانون " . اللهم إنا نشهدك أننا لا نريد أن نكون من هؤلاء ، اللهم اجعلنا على خط الحسين الذي خرج لله ، والذي سار لله ، والذي كان يقول كجده المصطفى عليه وآله الصلاة والسلام : " إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي " أكرمنا يا رب بالالتجاء إليك ، بالاعتماد عليك ، ارحم شهداءنا في فلسطين ، أنت ولينا فنعم الولي ولينا ، أقول هذا القول وأستغفر الله .

التعليقات

شاركنا بتعليق