آخر تحديث: الأحد 04 ديسمبر 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
صفحاتٌ من سِفْر رمضان

صفحاتٌ من سِفْر رمضان

تاريخ الإضافة: 2004/11/05 | عدد المشاهدات: 2193

أما بعد ، أيها الإخوة الصائمون القائمون إن شاء الله :
كنا نسمع حديثاً في حق رمضان مروياًعن سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم : " لو يعلم العباد ما رمضان لتمنت أمتي أن تكون السنة كلها رمضان " .
إذا سألنا أنفسنا السؤال التالي : لماذا نتمنى أن تكون السنة كلها رمضان ؟ أعتقد أن الجواب سيكون : لِما في رمضان من فرص خير ، فرمضان مملوء بفرص الخير ، مملوء بكل ما يدفع الإنسان المسلم الصائم القائم ، مملوء بجملة من المصطلحات التي إذا ما فكر الإنسان فيها رآها علائم وعلامات خير ، فإذا ما انضوى تحت رايتها كان إنساناً عظيماً رائعاً معطاء .
رمضان سفر ( كتاب ) صفحاته من أجمل ما يمكن أن تكون ، صفحاته خيِّرة كلها ، ناصعة جميعها ، مباركة كل واحدة من هذه الصفحات في هذا السفر الكبير ، فإذا ما استعرضنا هذه الصفحات وجدنا صفحة تسمى الصوم والصيام ، وثانية تسمة صفحة رمضان ، وثالثة تسمى صفحة القيام ، ورابعة تسمى صفحة السحور ، وخامسة تسمى صفحة الفطور ، وسادسة تسمى صفحة الجهاد ، وسابعة تسمى صفحة بدر ، وثامنة تسمى صفحة الفتح ، وتاسعة تسمى صفحة القرآن الكريم ، وعاشرة تسمى صفحة الصبر ، وهكذا دواليك ، وإذا أردت أن تعد صفحات هذا السفر العظيم وهذه الصفحات لا شك مضيئة ومنوَّرة ومنوِّرة ، فستعدُّ كثيراً منها .
لا أريد أن أقرع أو أن أنبه تنبيهاً فيه شيء من الإساءة ، ولكني أريد أن يقارن كل واحد منا بين رمضان وما يجب أن تكون عليه صفحاته وقد ذكرنا نماذج منها وبين رمضان كل واحد منا . انظر رمضانك أيها الصائم ، هل سفر رمضانك كانت صفحاته على الشاكلة التي ذكرنا ؟ هل في سفر رمضانك صفحة معنونة بالصوم والصيام الحق ؟ هل في سفر رمضانك صفحة تسمى صفحة السحور المبارك ؟ هل في سفر رمضانك صفحة تسمى القرآن المتلو المقروء والمتدبر ؟ انظر سفر رمضانك ورمضاننا فسنرى اختلافاً عما يجب عليه أن يكون ، لذلك ونحن في العشر الأواخر من رمضان أحث نفسي وإياكم على مراجعة سفرنا الذي يسمى سفر رمضان لنرى ونتأكد من صفحاته ، فإن كانت كتلك التي ذكرناها في البداية فنعما رمضان ، وإن كانت لم تكن كذلك فلنتدارك .
رمضان : بَعُدَ من أدركه فلم يغفر له ، لماذا ؟ لأن فيه فرصاً كثيرة عظيمة من أجل أن تخلف خيراً ، وأن تكون على خير .
في سفر رمضان العظيم صفحة الصيام والصوم ، و : " من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " رواه البخاري ومسلم انظر صفحة القيام ، واجعلها متقنة ، فـ : " من قام رمضان إيمانا ًواحتساباً غفر له ما تقدم من ذبنه " رواه البخاري ومسلم انظر صفحة السحور والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول كما جاء في مسند الإمام أحمد : " إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين " فهل تتسحر من أجل بركة أعطيتها أم إنك تسهر إلى ما قبل السحور بهنيهة لتنام بعدها وتستيقظ قبل الشمس بريع ساعة لتصلي ( هذا إذا صليت ، وأنا لا أشك في أن مسلماً يصوم ولا يصلي ) ولكن أين السحور ليصلي ربك عليك ، ولتصلي الملائكة عليك . يقول سيدنا المصطفى أيضاً كما جاء في البخاري ومسلم : " تسحروا فإن في السحور بركة " لكننا استبدلنا بالسحور طعاماً من الإفطار وحتى ما قبل السحور ، أصبحنا نأكل كل ليلنا حتى إذا ما جاء الوقت الذي يجب أن نأكل فيه لقيمات ، هجرنا الطعام لنذهب إلى النوم دون أن نلتفت إلى فضل السحور .
في رمضان صفحة تسمى الفطور ، وما أعظم الفطور إذ تدعو ربك في أن ينصر المسلمين ، وأن ينصرك وأن يهبك دخول الجنة . من الذي يتذكر ما عدا اليومين الأوليين ، من الذي يتذكر دعاء الإفطار : " اللهم لك صمت ، وبك آمنت ، وعلى رزقك أفطرت ، ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء ، الحمد لله الذي أعانني فصمت ورزقني فأفطرت ، يا واسع المغفرة اغفر لي " .
من الذي يتذكر صفحة القرآن ليكون من أهل القرآن في رمضان ، أتدرون ما قاله النبي عليه وآله الصلاة والسلام عن القرآن ؟ لقد جاء في مستدرك الحاكم بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : " من قرآ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه " أي جعل النبوة تضيء لأنه غدت شعلتها بين جنبيه .
انظر صفحة الجهاد في سفر رمضانك ، لئن لم تجاهد فلا أقل من أتحدث نفسك بالجهاد ، من أن تقرأ سيرة النبي عليه وآله الصلاة والسلام في غزوة بدر التي وقعت في رمضان ، ومجريات غزوة الفتح التي وقعت في رمضان . هل قرأتم غزوة بدر ، هل قرأتم آيات الجهاد ، هل قرأتم أحاديث الجهاد في رمضان من أجل أن تكون صفحة الجهاد ملازمة لسفر رمضانكم الذي تصومون وتقومون .
في سفر رمضان ليلة القدر ، و : " من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " هكذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في البخاري ومسلم ، ويا إخوتي تحروا ليلة القدر في أوتار العشر الأواخر من رمضان ، و : " من كان منكم متحريها فليتحرها في ليلة سبع وعشرين من رمضان " هكذا قال سيدي رسول الله كما جاء في مسند الإمام أحمد ، فهي في هذه الليلة آكد من ليلة الواحد والعشرين والثالث والخامس والتاسع والعشرين ، ولئن كنتم تريدون تحريها فقولوا ما علمه سيدي رسول الله عائشة رضي الله عنها حينما سألته عن دعاء في ليلة القدر فقال : " قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني " وأنتم قولوا في كل ليلة من ليالي العشر الأواخر : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني .
انظر صفحات سفر رمضانك وتأكد منها قبل أن ينتهي رمضان وقد ملأته بصفحات لا تماثل تلك الصفحات التي أراد الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن تكون في سفر رمضان ، وهي الصفحات المثلى التي كانت تشكل سفر رمضان رسول الله ، رمضان آل بيت رسول الله ، رمضان الصحابة الأخيار ، رمضان التابعين الأبرار ، رمضان الصالحين ، رمضان الصديقين ، رمضان أهل الفضل ، فكونوا في شهر هو شهر الفضل من خلال تأكدكم من سلامة صفحات سفر رمضانكم ، وإلا فأنا أخشى ، وإن كنت أحاول أن أبعد عني شبح عدم قبول رمضاننا ، لا أريد أن أقرب هذا الشبح مني لكنني يجب أن أبنه نفسي وإياكم وأحذركم من هذا الشبح ، أنا أخشى أن ينتهي رمضان وأن نكون من أولئك الذين قال عنهم سيدي رسول الله : " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " أخشى أن نكون من الذين ليس لهم من صيامهم إلا الجوع والعطش ، وليس لهم من قيامهم إلا التعب والسهر ، فلنتدارك من خلال القرآن وحسن الصيام والقيام وصيانة اللسان والتعايش مع القرآن وقيام ليلة القدر بفهم وعرفان ومن خلال تحديث النفس بالجهاد في أيام بدر والفتح.
في هذه الأيام حدثت غزوة الفتح ، فلقد فتحت مكة على يد سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم عندما وقف أمام الكعبة وحول الكعبة أصنام وأصنام وراح يوقع هذا الأصنام بعود في يده وهو يقول :
﴿ وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً الإسراء : 81 ثم أمر بلالاً أن يصعد على ظهر الكعبة ليرفع الأذان : الله أكبر الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمداً رسول الله فهل نحن على موعد ولو في الذكرى والتذكر والأمل ؟ هل تنتظرون ساعة فتح لبلدان احتلت ، لمقدسات خُدشت ؟ هل تفكروا في أن تعيشوا مثل هذه الساعة التي عاشها سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أم إن مثل هذا الأمل غائب عن أذهان شبابنا ؟ حتى الأمل غيرت مفرداته ، حتى الأمل عبثنا بمعطياته ونسيجه ومكوناته . لا أقل من أن تعيش فتحاً وتحريراً لعراقنا وقدسنا وفلسطيننا وقلوبنا ، فلا أقل من أن تعيش التحرير أملاً ، وهل هنالك أحد يسيطر على أملك الذي يعيش في خَلَدك وقلبك ، حتى الآمال أبعدناها فكيف تريدون منا أن تتحقق الأعمال والأفعال ؟ حتى الآمال في أذهان جُلِّ شبابنا ومثقفينا ، وكيف تأتيهم الآمال وهم بعيدون كل البعد عن الاطلاع على سيرة سيد أهل الآمال والأعمال محمد عليه وآله الصلاة والسلام ؟ هل تفكر في أن تفطر حين تفطر في يوم قادم في القدس أم إن هذا الأمر أصبح حتى عن الآمال معزولاً ، عن ساحة التصور البعيد مطروداً ؟! أيتها المرأة كما تفكري في ثياب العيد وكيف تقضيه ولا أريدك أن لا تفكري في هذا اليوم السعيد ، ولكن ما الذي يمنعنا أن نفكر مؤملين في غزوة فتح قادم تكون على خطا سيدي رسول الله لتمسك عوداً بيدك لتقول للأصنام البشرية وغير البشرية : ﴿ وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً الإسراء : 81 من لم يضع في حسبان آماله النصر فلن يعمل له ، من لم يضع في حسبان تطلعاته التحرير فلن يعمل له . أنت تعمل لما تؤمل وتطمح وتتطلع ، فهل في ساحة آمالك القدس ، هل في ساحة تطلعاتك وطموحك بيت المقدس ، هل في ساحة تطلعاتك دحر المعتدين الغزاة الآثمين الطغاة ، هل في ساحة تطلعاتك وآمالك إقامة شرع الله في الأرض ، لأننا مؤتمنون على هذا ، نحن نصوم ولكننا نأمل ونعمل من أجل أن يقوم شرع الله في الأرض كافة هذا ما يجب أن يكون مكون غاياتنا ، فهل غايتك قائمة نصب عينيك ، وهذه الغاية إقامة شرع الله في الأرض ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ربكم البقرة : 21 ، ﴿ الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة الحج : 41 ، ﴿ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة القصص : 5 هل في آمالنا هذا ، أم أن آمالنا ضيقت حتى جسدتها وشخصتها ماديات بحتة ، لا تتجاوز البطن والجسد.
أدعوكم في العشر الأواخر يا شباب أمتي في كل يوم إذ تفطرون وإذ تقومون أن تفكروا وأن تفحصوا ساحة الآمال والغايات والطموحات والتطلعات فإن وجدتم فيها إقامة شرع الله فلنعم هذه الآمال ، إن وجدتم فيها تحرير القدس لتكون مركز الخلافة الإسلامية المنشودة فلنعم هذه الآمال ، إن وجدتم فيها تحرير كل شبر من أراضينا المحتلة فلنعم هذه الآمال ، إن وجدتم فيها التحقق بالتقوى فلنعم هذه الآمال ، وإلا فانتظارنا للنصر انتظار واه ، انتظار كسول جبان ، ورسولنا استعاذ بالله من الجبن والبخل والكسل والخور والضعف .
يا رب تقبل منا رمضان بصفحات طيبة خيرة ، نسألك بحق اسمك الأعظم أن تنصر المسلمين ، أن تفرج عن المسلمين ، أن ترد المسلمين إلى دينك رداً جميلاً يا رب العالمين اجعلنا من عتقائك من النار ، واجعلنا من عتقاء شهر رمضان ، وأدخلنا الجنة من باب الريان ، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت ، أقول هذا القول وأستغفر الله .

التعليقات

شاركنا بتعليق