آخر تحديث: الإثنين 19 أغسطس 2019
عكام


نشاطات عامــة

   
الدكتور الشيخ محمود عكام يحاضر عن تعليم البنات في سورية

الدكتور الشيخ محمود عكام يحاضر عن تعليم البنات في سورية

تاريخ الإضافة: 2005/12/20 | عدد المشاهدات: 3530
New Page 2

ضمن فعاليات الدورة التدريبية للخطباء والوعاظ التي ينظمها (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي) في سورية بالتعاون مع وزارة الأوقاف، ألقى الدكتور الشيخ محمود عكام محاضرة بعنوان (تعليم البنات في سورية). يوم الإثنين 20/12/2005.

يذكر أن الدورة جزء من (مشروع تعزيز دور علماء الدين في عملية التنمية الاجتماعية الاقتصادية في سورية) الذي أطلقه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سورية، وكان عنوان الدورة: (دور خطباء المساجد ووعاظ الكنائس في التعليم والمعرفة وأثره في التنمية)، وحضرها حوالي 125 خطيباً من محافظات حلب وإدلب والرقة ودير الزور والحسكة. بالإضافة إلى عدد من وعّاظ الكنائس في المحافظات المذكورة.

نص المحاضرة

 

تعليم البنات في سورية

واقع وآفاق

 

مقدمة:

لا شك في أن التنمية الشاملة المنشودة تتطلب تعلماً وتعليماً، فمرتكز التنمية وأساسها معرفة، والمعرفة في جدلية التعلم والتعليم هي الموضوع، وها نحن أولاء نحكي حكاية هذه (القيمة) لدى البنات في سورية، أو بالأحرى لدى الإناث في سورية، واصفين حركة تعليمهن ودوافعها ومؤثراتها، ومن ثم سنغدو آملين فنذكر الآفاق التي نشرئب إليها ونتطلع إلى تحقيقها في أرضنا وفي بلدنا.

وقد تحرّيت في الوصف الأمانة والموضوعية، وفي الأمل جَهدنا في استلهام معطيات تنموية من معين الدين الحنيف، موضحين لأغلبية سكان سورية الذين يدينون بالإسلام ضرورة هجر التقاليد والأعراف ونبذها، لأن ما يتعلق منها بالمرأة عموماً يجانب الدين ويجافيه... فهل أنتم واعون ؟! وهل أنتم على بينة من هذا ؟

ولعلنا في هذه النقطة المهمة نتلاقى على مساحة كبرى مع ما يتطلع إليه السعاة إلى توصيف مجتمع المعرفة العربي المنشود، حين قالوا: (إن الركن الخامس لاستراتيجية هذا المجتمع هو: تأسيس أنموذج عربي منفتح ومستنير، يعود إلى الرؤية الإنسانية والحضارية والأخلاقية لمقاصد الدين الصحيحة، والنهوض باللغة العربية (1).

أولاً – واقع تعليم البنات في سورية:

أ - مدخل:

سأعمد إلى عرض هذا الواقع في فقرات محددة ومرقمة، سعياً إلى دقة التشخيص، وسأعلق على كل فقرة موضحاً المنطلقات والدوافع الإيديولوجية ومبيناً الأبعاد الاجتماعية، وبعدها سأعرج على الآفاق فأذكر التطلعات التي هي في الوقت ذاته التصويبات والاقتراحات التي ذُكرت في الواقع وفقراته.

بيد أني سأعتمد على ما دعا إليه الدين الإسلامي في هذا الميدان – ميدان تعليم المرأة – وما حضّ عليه.

وفي النهاية بين الواقع والآفاق مسافات إن شئت سمِّها قصيرة، لكنك وأنت تصفها بالقصر لا بدّ من أن تعقد العزم على المضيّ، بتقديم مخطط محدد مبيّن عن هذا الطموح، وتوصيف آلية العقل البنّاء المحققة له، ورسم غايةٍ هي في فحواها إقامة العدل على الأرض، وإلا فالمسافات واسعة شاسعة لا تقدر على طيِّها، وهي أكبر من مُكنتك واستطاعتك، فقرّر وحدّد.

ب - الموضوع:

لا بدّ في المستهل من أن نبين هنا أننا سنذكر الجانب السلبي من هذا الواقع، وحين نأتي على ذكر الآفاق سنذكر إيجابياته منوهين بتحققها أو عدم تحققها على الأرض، بالإضافة إلى أمور أخرى مقترحة ومستلهمة – كما بيّنا – من الإسلام، محلِّ اشتغالي وميدان معرفتي التخصصية.

1 - لا يزال التأثير السلبي للتقاليد والعادات يفوق تأثير التعليم في النظر إلى تمكين (2) المرأة اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، وهذا يعود إلى ضعف العلاقة بين التعليم وبين تكوين القيم والاتجاهات الجديدة المتعلقة بتمكين المرأة.

إن نسق العادات والتقاليد يلعب دوراً أساسياً في إعاقة التفاعل الإيجابي بين المستوى التعليمي والمستوى التمكيني للمرأة، وقد جاء في (التقرير الوطني للتنمية البشرية 2005: التعليم والتنمية البشرية، نحو كفاءة أفضل) الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وهيئة تخطيط الدولة، أن 54 % من المتعلمات في عيّنة مبحوثة (3) حين سئلن عن سبب اختيار نوع التعليم الجامعي أجبن بأن ذلك تمّ بناء على رغبة الأسرة، وكذلك عن 84 % من المبحوثات في العينة عامة أجبن بأن البيت هو الموقع الأساسي للمرأة (4) وهكذا.

وعلى كلّ فما يشعر به كل واحد منّا وهو يفكر في هذه العقبة يكفي من أجل التدليل على ما ذكرنا.

2- على الرغم من انتشار ثقافة الإصلاح الاجتماعي في سورية ومرونة مناهج التعليم فإن المعيار الاجتماعي السائد ما يزال يرى دور المرأة الأساسي في إطار الأسرة: (الإنجاب – تربية الأولاد – القيام بالأعباء الزوجية)، وهذا مما يفسر أن المرأة المتعلمة التي حازت على شهادة جامعية ما تزال تخضع لتلك التقاليد والأعراف الاجتماعية السائدة في مجال الإنجاب والأسرة. وقد أجاب 85 % من النساء المبحوثات في عينة التقرير الوطني لعام 2005 أن عمل المرأة ينال من دورها الأساسي كرّبة منزل، و76 % منهن أجبن بأن عملها يؤدي إلى تقصيرها في واجباتها الداخلية.

3 - يعزف قسم كبير من الإناث عن متابعة التعليم إما بسبب الزواج المبكر أو سياسات القبول أو عملها الاقتصادي الزراعي في الريف، أو بسبب من عدم اعتبار مساهمتها الاقتصادية كمساهمة الرجل (5)، وكذلك تؤثر التقاليد والأعراف السائدة والفهوم الدينية المغلوطة في هذه القضية.

ثانياً – آفاق تعليم البنات في سورية:

هانحن أولاء نعرض للآفاق والطموحات فنذكر ما يلي:

1- يجب أن تتخطى المناهج التعليمية صورة التمييز والتحيّز في النوع الاجتماعي (الذكر والأنثى) التي تسوّغ ممارسة العنف المادي والرمزي ضد المرأة، والمرتبطة بالمحددات البيولوجية لدورها والتي تختزل المرأة في الدور الذي حدده لها الجسد (6)، وها هو الإسلام من خلال نصوصه يحضّ على مثل هذا التخطي، فالمرأة في التصور الإسلامي ذات أهلية كاملة وشخصية مستقلة، لها إرادتها الخاصة وذمتها المستقلة. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنما النساء شقائق الرجال" (7).

والنوع الاجتماعي يتكون من خلال الممارسة الصحيحة والتطبيق الواعي لمعطيات العقل والدين.

ولا نعدم من أجل التمثيل لهذا شخصيات نسائية في تاريخنا الإسلامي، كخديجة وعائشة وفاطمة وسواهن كثيرات، وليعُد من يبغي الاطلاع على مساراتهن بالتفصيل على كتب التاريخ.

وعلينا أن نثبت هنا – ومن منطلق أمانة البحث – أن الناشطات السوريات يُبدين اتجاهات إيجابية لاستيعاب مفهوم النوع الاجتماعي.

2- على مناهجنا التعليمية أن تضع في غاياتها (التمكين) الذي يعني امتلاك الفرد للقوة ليصبح عنصراً مشاركاً بفعالية في شتى المجالات الاجتماعية، وهنا نشير إلى أن الإسلام يحث المرأة وبقوة على أن تشارك في الحياة الاجتماعية مشاركة فعّالة، وكذلك في الحياة السياسية (8).

وأما ما يرتبط بالحياة السياسية فالمرأة في القرآن ملكة - وقد أُقرّت على ذلك - وحاكمة ومهاجرة ومبايعة ومبايَعة، فأنّى لكم منعها أو الحكم عليها بخلاف ذلك ؟!

3- يجب علينا جميعاً، وعلى الدولة بشكل خاص، أن تهيئ الظروف النفسية والاجتماعية للمرأة كما تهيئها للرجل، فتنفي عن هذه الظروف الحافّة القلقَ ونظرة السخرية والاستعلاء الجنسي للرجل (9).

4- إذا كان التعليم هو العامل الأكثر فاعلية وحسماً في ترشيد السلوك الإنجابي، فلنعمل على توفير ظروف التعليم - ابتداءً ومتابعة – لكل البنات، سواء بسواء كالرجل، وقد قيل في حصيلة دراسات التنمية: أن تعليماً أفضل للنساء يعني تنمية أفضل، وقد تبنت الدولة في هذا المجال خطة لإعادة 7355 فتاة متسربة في المحافظات الشمالية والشرقية خلال عامين، وهذا أمر جيدة بل ممتاز.

5- وليكن تعليم البنات من أجل توسيع الإدراك المعرفي، ومن أجل بناء الشخصية، ومن أجل العمل، وعلينا ألا نقصُر الهدف على واحدة من هذه الأهداف المذكورة، والإسلام يقول على لسان محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" (10)، ويقول أيضاً: "اعدلوا بين أولادكم في العطية" (11)، ومفهوم النص يعني التسوية في العطية المادية والعطية المعنوية، والعلم أرقى أنواع العطايا المعنوية والمادية، فسوّوا بين الأنثى والذكر في منحه وتقديمه، والاستشهادات غزيرة وفيرة لا نبتغيها كلها، وحسبنا الذي ذكرناه.

وفي الخاتمة:

الحديث عن تعليم البنات في سورية حديث عن إشكالية قديمة حديثة، وعن حضارة تُطلب وتنمية يُسعى إليها، إذ لا تنمية بغير امرأة كما لا تنمية بغير رجل، ونؤكد هنا على مقولة (المرأة والتنمية) ونرفض حديثاً عن (المرأة في التنمية) التي تعني تشييئ المرأة، ورحم الله رفاعة الطهطاوي إذ قال: "العلم يصون المرأة عما لا يليق بها ويقرّبها من الفضيلة، وإذا كانت البطالة مذمومة في حق الرجل فهي مذمة عظيمة في حق النساء".

الهوامش:

1- انظر: التقرير الوطني للتنمية البشرية 2005، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وهيئة تخطيط الدولة، ص 21.

2- التمكين يعني امتلاك الفرد للقوة ليصبح عنصراً مشاركاً بفعالية في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية، ويفترض مفهوم التمكين تنمية الذات وتطوير قدراتها وفعاليتها ووجودها، وتحقيق الذات وحضورها، ويرتبط بثلاثة مؤثرات: المشاركة السياسية – الاقتصادية – السيطرة على الموارد الاقتصادية.

3- هذه النسب من عينة عشوائية اختارها القائمون على كتابة التقرير وأجروا عليها استبياناتهم.

4- انظر: التقرير الوطني، ص 148-149.

5- إن قدراً كبيراً من العمل الذي تقوم به المرأة لا يظهر في الحسابات القومية وفي المسوحات الاقتصادية السكانية.

6- يجب أن نقر بأن مناهجنا التعليمية قد تخطت هذه الصورة على حد كبير.

7- أخرجه أبو داود. وفي القرآن الكريم: (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة).

8- ففيما يخص المشاركة الاجتماعية نذكر مثال دعوة الإسلام لممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد قال تعالى: (المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر).

9- انظر: وضع المرأة بين الضبط الاجتماعي والتطور، د. نعيم اليافي.

10- أخرجه ابن ماجه.

11- أخرجه البخاري.

التعليقات

شاركنا بتعليق