آخر تحديث: الجمعة 30 سبتمبر 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
موقفنا حيال الزمن

موقفنا حيال الزمن

تاريخ الإضافة: 2005/12/30 | عدد المشاهدات: 3405
أما بعد، أيها الإخوة المسلمون المؤمنون: ها هي الأيام تمضي والسنوات تتوالى، وها هو الواحد منا يقف اليوم ليودع سنة من عمره ويستقبل سنة أخرى، ولا شك في أن كل واحد منا أيضاً إذا ما سئل عن عمره في هذين اليومين سيختلف في العدّ إذا ما سئل عن عمره بعد يومين، فاليوم سيقول لمن سيسأله: لقد بلغت أربعين أو ستين أو خمسين أو خمساً وخمسين عاماً، وبعد يومين سيزداد العمر سنة، فما أحرانا ونحن نتجاوز هذه المسافات الزمنية يوماً بعد يوم، أسبوعاً بعد أسبوع، شهراً بعد شهر، سنة بعد سنة، ولعل التركيز على السنة دون الشهر والأسبوع واليوم لأن السنة هي أكبر المفردات الزمنية التي يدركها الإنسان عادة فأنت تدرك السنة ويأتي بعد السنة القرن وقلَّ منا من يدرك القرن في عمره، والقرن مئة عام، فيا إخوتي هنالك أمران عامان يجب أن نستشعرهما، وهنالك مواقف يجب أن نتخذها، أما الأمران العامان: فما أحرانا في أن نستشعر المسؤولية عن الزمن الذي أمضيناه، أنت مسؤول عنه، وستقف أمام ربك ليسألك عن الزمن عن عمرك، وقد قال سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما يروي الترمذي: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن خمس –وفي رواية عن أربع– عن جسده فيم أبلاه، وعن عمره فيم أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعمّا عمل فيما علم". أين أفنيت عمرك ؟ وأين أبليت جسدك ؟ سؤال كبير سيرتسم أمامك يوم تقف بين يدي ربك جلت قدرته، ولا شك في أننا سنقف جميعاً فما منكم من أحد إلا سيخلو به ربه، ما الذي ستقوله لربك وهو يسائلك عن عمرك؟ عن سنواتك؟ ماذا فعلت يا عبدي في عام ألفين وخمسة؟ ما أعددت لهذا السؤال من جواب؟ ما أنتجت في السنة الماضية التي تقف الآن على مشارف النهاية؟ ما الذي فعلته؟ هلا قمت بجلسة جلستها بينك وبين نفسك كما يجلس التاجر بينه وبين نفسه ليقوم بالحساب الصادر والوارد، هلا جلست بينك وبين نفسك لتدرك ولتعي حساباتك المعنوية، ما الذي فعلته سلباً، وما الذي فعلته إيجابا؟! استشعر المسؤولية عن عمرك فيمَ أفنيته، وعن جسدك فيم أبليته. الأمر الثاني: الاغتنام والمسابقة ﴿سابقوا إلى مغفرة من ربكم﴾ الحديد: 21 اغتنم، ولقد قال سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما في مستدرك الحاكم: "اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك –فأنت اليوم شاب ولكنك إن عشت فأنت غداً إلى الهرم منك أقرب– صحتك قبل سقمك، حياتك قبل موتك، من يدري ومن يعلم أن الذي على عيش الآن ربما لا يدرك السنة القادمة ولو كانت ستأتي بعد يومين. أروني واحداً منكم يستطيع أن يقول أنا من سيبقى !– وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك" أمران متلازمان استشعر المسؤولية عن عمرك. والأمر الثاني: سارع إلى مغفرة من ربك واغتنم في فعل الخير، اغتنم شبابك قبل هرمك، صحتك قبل سقمك، حياتك قبل موتك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك. أما المواقف الثلاثة التي أريد أن نتخذها فهي حيال الأزمنة الثلاثة، فالأزمنة ثلاثة هكذا علمنا ونحن طلاب في درس النحو والصرف والتاريخ أن الأزمنة ثلاثة: ماضٍ وحاضر ومستقبل، فما الموقف الذي يجب أن تتخذه حيال الماضي ؟ ما مضى فات، ما مضى من عمرك وعمر الأمم أضحى ماضياً، فما الموقف الواجب اتخاذه حيال الماضي؟ بكل بساطة عظة واعتبار ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب﴾ يوسف: 111 اعتبر بالماضي، فما كان من صالح فكرّس مثله في الحاضر، وما كان من غير صالح فاجتنبه واجتنب مثله في الحاضر ﴿لقد كان في قصصهم عبرة﴾ يوسف: 111 ويروي الإمام مسلم أن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم قال: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍ خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز -لا تكن عاجزاً، لا تستسلم للعجز- وإذا أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل فإن (لو) تفتح عمل الشيطان" إنما الماضي من أجل العظة والاعتبار، اعتبر بالماضي، اعتبروا بالعراق يا أهل سورية، اعتبروا بفلسطين يا أهل سورية، اعتبروا وانظروا إلى أولئك وإلى ما أدى بهم إلى أن يكونوا كذلك وإلى أن يسيطر المستعمر على أرضهم، اعتبروا انظروا إلى الماضي ما الذي جعلنا اليوم أيتاماً على مآدب اللئام؟ اعتبروا واستخرجوا العبر والعظات، وأعتقد أنه آن الأوان من أجل ذلك، موقفنا نحو الماضي بكل بساطة عظة واعتبار. موقفنا نحو الحاضر وعي وعمل ﴿وقل اعملوا﴾ التوبة: 105 هذه الآية خاطبنا الله عز وجل بها أن نعمل صالحاً ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون﴾ التوبة: 105، ﴿من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينة حياة طيبة﴾ النحل: 97 اعملوا، هل أنت عامل؟ في المساء قف بينك وبين نفسك وحدث نفسك عن عملك في اليوم، في نهاية الأسبوع، حاسب نفسك عن عمل عملته في الأسبوع، في نهاية الشهر، حاسب نفسك عن عمل عملته في نهاية الشهر، وكذلك في نهاية السنة، هل تمضي الأيام وأنت من غير عمل؟ هل تقضي الأوقات بودَّع –كما يقال– واستقبل وغادر ولبى وليمة وأقام وليمة...؟ هل تقضي أوقاتك في مشاهدة التلفاز لتتعرف على دقائق الأخبار حيث لا ينفعك دقائق الأخبار ولا مجملها؟ هل تقضي وقتك في كلام تدّعي أنه سياسي وهو لا يمت إلى السياسة ولا إلى الوطن بصلة، ستسأل عن الوقت، عن العمر، عن الزمن. اعمل، لقد أعجبني إهداء ذكره الأديب طه حسين ووجهه قائلاً: إلى الذين لا يعملون ويسوؤهم أن يعمل الآخرون أقدم كتابي هذا. يسوؤهم أن يعمل الآخرون لأن عمل الآخرين يكشف سوءاتهم، اعمل والعمل سيكون فيه خطأ وصواب، وهذا أمر طبعي، لكنك إن لم تعمل وظننت نفسك بأنك لم تخطئ فقد أخطأت الخطأ الجسيم الكبير الفظيع إذ لم تعمل، لا نريدك غير عامل بحجة أنك لا تريد أن تخطئ فعدم العمل أكبر الأخطاء وأكبر الآثام، اعمل ولتكن نيتك في العمل صالحة، ولكنك قد تخطئ فإن أصاب عملك شرع الله بنية صالحة فلك أجران، وإن لم يصب وبنية صالحة فلك أجر المهم أن تعمل. الماضي عظة واعتبار، والحاضر وعي وعمل. قرأت في البخاري حديثاً يقول فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "يتبع الميت ثلاثة: ماله وعمله وأهله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع ماله وأهله ويبقى عمله" نتخذ موقف العمل والوعي مع الحاضر. أما المستقبل فالتفاؤل والأمل، ولكن بشرط أن تتوفر العظة والعبرة مع الماضي، والوعي والعمل مع الحاضر، عند ذلك يحق لك أن تتخذ مع المستقبل موقف المتفائل والآمل: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا﴾ آل عمران: 139 هذا تفاؤل وأمل ولكن يجب أن يكون مبنياً على عظة وعبرة بالماضي وعلى وعي وعمل بالحاضر ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ آل عمران: 139 إن كنتم متعظين ومعتبرين بالماضي وكنتم واعين وعاملين بالحاضر ﴿تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين﴾ القصص: 83 في الدنيا والآخرة والمتقون مخلصون، والمخلص متعظ ومعتبر وواع وعامل، متعظ ومعتبر بالماضي، وواعٍ وعامل في الحاضر، عند ذلك يحق له أن يكون متفائلاً وآملاً في المستقبل، قرأت عبارة لسيدنا الإمام علي رضي الله عنه يقول: "إنما ينظر المؤمن إلى الدنيا بعين الاعتبار ويقتات منها ببطن الاضطرار" لكننا لا نقتات منها ببطن الاضطرار بل نقتات منها ببطن التخمة، ببطن الامتلاء، ببطن الحاجة والضرورة والتحسين، كم نملأ بطوننا ونهمل عقولنا! كم نملأ أمعاءنا ونهمل قلوبنا؟! فلنتعظ بالنسبة للماضي ولنعي ولنعمل للحاضر، عند ذلك كما قلت لكم يحق أن نتفاءل ونأمل للمستقبل . عندما نتعظ بالماضي ونعي ونعمل في الحاضر ستكون للسنوات دورها ومساحاتها الكبيرة سننتج فيها، تصوروا ولطالما قلت ذلك في الجامعة والجامع والمراكز الثقافية تصوروا أن سيدنا أبا بكر رضي الله عنه كانت مدة خلافته سنتين، انظروا إلى إنتاجه كم أنتج خلال هاتين السنتين، وانظروا إلى سنتين نمكث فيهما في عمل ما كم نعدهما قصيرتين، ونحتج بأننا لم يمض حتى الآن إلا سنتان، فهل تطالبوننا بأن نفعل في هاتين السنتين المعجزات ؟ نعم، نعم أنت مسؤول، وعليك أن تعمل مهتدياً بما عمل به أسلافنا الذين بنوا الحياة وقاموا ببنائها خير قيام، تصوروا أن مدة خلافة سيدنا عمر وهي مدة طويلة وقد أنجز فيها ما أنجز عشر سنوات مدة خلافته، أما نحن فنعد السنين العشر في أيامنا هذه فرصة أو مهلة أو وقت مستقطع لأننا ارتمينا في أحضان الكسل، تصوروا بأن مدة خلافة سيدنا عمر بن عبد العزيز، ذلك الرجل العظيم الكبير، كانت مدة خلافته سنتان وقد قضى فيها ما قضى وعمل ما عمل وأنجز فيها ما أنجز. لا تحتجوا بأن السنوات قصيرة، فالسنوات لمن أنتج طويلة، لكن لمن لهى وألهي وضاع وضيّع لا شك في أنها قليلة وقصيرة، الساعة مديدة حينما تنتج فيها ولكنها جد قصيرة حينما لا تعمل فيها، انظروا إلى ساعات جدكم فهي قليلة وانظروا إلى ساعات لهوكم فهي كثيرة من حيث العرض لكنكم لا تشعرون بها لأن الزمن المنتج فيه هو الذي تشعر به، والزمن الذي تضيع فيه وتضيع به لا تشعر به، لقد قلت هذا في أكثر من مناسبة عندما كنت أشرح حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "يتقارب الزمان حتى تكون السنة كالشهر، والشهر كالأسبوع" قلت لماذا يتقارب الزمان؟ لأن الإنتاج يضعف، بل يضمحل، بل يتلاشى، بل يضيَّع، بل يضيع، بل، بل... واستخدم كل مفردات الإضاعة والإفساد، لأن الزمن لا تنتج فيه عند ذلك لن تشعر به، حدث زميلك وأخاك بحديث جدّي، وتحدثا بحديث جِدّي فستشعران بالوقت لا شك في ذلك، ستشعران بالوقت وأنتما تتحدثان حديثاً جدياً، لكنكما إذا ما التقيتما وتحدثتما حديثاً لاهياً لا طعمَ فيه ولا فائدة فيه فستقضيان خمس ساعات وستقولا بعد هذا الوقت: (سبحان الله كم يمر الوقت سريعاً). نعم يمر عليكما سريعاً لأنكما تضيعانه، أما حينما تنتجان فيه فلن يمر سريعا، للساعة قيمتها، لقد أضعنا، أضاع العرب أراضيهم وبلادهم ببضعة أيام وساعات وهكذا دواليك، والآخرون الذين عملوا -بغضّ النظر عن عملهم فيما إذا كان صالحاً أم لا- هم عملوا كسبوا الأراضي ببضع ساعات كذلك وكسبوا البلاد ببضعة أيام، أما نحن فننتظر، ننتظر ألا يأخذ أرضنا أحد يعمل،لا، لا، إنما العامل هو الذي يستطيع أن يعيش، وهو الذي سيتولى مسؤولية السيادة عن الآخرين: ﴿كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً﴾ الإسراء: 20 من عمل أخذ نتيجة عمله، وأخذ ثمرة عمله بغضّ النظر عن طبيعة الثمرة، إن كانت مرة بالنسبة لك أو حلوة بالنسبة لهذا العامل فهي ثمرة على كل حال يستفيد منها بعض الناس وبعض الناس لا يستفيدون منها، بغض النظر عن ذلك فاعملوا يا إخوة، نتكلم عن حصاد السنين فماذا حصدنا ؟ نتكلم عن حصاد العمر فماذا حصدنا ؟ كم تنام قل لي بربك؟! كم ساعة تقضيها وأنت تأكل؟! أخبرني عن ساعات لهوك، أخبرني عن ساعات تضييعك غيرك وتضييعك نفسك، احسب ذلك أنت يا من بلغت من العمر الآن الأربعين أو الثلاثين أو العشرين أو أقل من ذلك أو أكثر، أريدك أن تجلس بينك وبين نفسك لتحسب الحساب التالي: كم من الوقت قضيته وأنت نائم؟ و كم من الوقت قضيته وأنت تأكل؟ و كم من الوقت قضيته وأنت تلهو؟ كم من الوقت قضيته وأنت تلعب؟ كم من الوقت قضيته وأنت لا تقدم لا لوناً ولا طعماً ولا رائحة؟ كم من الوقت عملت فيه؟ ستجد في النهاية أن الوقت الذي عملت فيه أقل الأوقات، وأنت تعتبر من خلاله وتقدر على أساسه، أريد أن تكون بينك وبين نفسك هذه الجلسة جلسة المحاسبة، فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، أسأل الله عز وجل أن يوفقنا من أجل أن نستشعر مسؤوليتنا عن وقتنا فكفانا -أيها الأحبة- أسأل الله أن يوفقنا من أجل عظة واعتبار تجاه الماضي، من أجل وعي وعمل تجاه الحاضر، ومن أجل تفاؤل وأمل تجاه المستقبل، أسأل الله أن يوفق شبابنا وأمتنا ورؤساءنا وحكامنا إلى الشعور بمسؤوليتهم عن وقتهم وعن شعبهم وعن واقعهم وعن أراضيهم وعن بلادهم، وأن يذكروا دائماً وأبداً إن لم يكونوا فداءً لدينهم ولأرضهم ولربهم فسيلفظهم شعبهم وسيكونون في القريب العاجل منفيين إلى ساحة النسيان، وعندها فلا قيمة لهم ولا قيمة لنا، اللهموفقنا لكل خير شرعته لنا، وجنبنا الفواحش والشرور ما ظهر منها وما بطن، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت أقول هذا القول وأستغفر الله.

التعليقات

شاركنا بتعليق