آخر تحديث: الإثنين 26 تشرين الأول 2020
عكام


أخبار صحـفيـة

   
الفتنة الثانية أو الثالثة أو الرابعة- مجلة حوار العرب

الفتنة الثانية أو الثالثة أو الرابعة- مجلة حوار العرب

تاريخ الإضافة: 2006/07/01 | عدد المشاهدات: 3096

نشرت مجلة حوار العرب الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي في عددها /20/ بتاريخ: تموز 2006 المقال التالي:

الفتنة الثانية أو الثالثة أو الرابعة

يمسكني الخوف والجزع والرعب وأنا أحاول البدء بالكتابة عن فتنة الخلاف والانقسام في الإسلام، وما ذاك إلا أنني أشعر أني في كتابتي عن هذا أبحر ضد التيار، وأدخل في لُجَج الظلمات، فالقرآن الكريم دعا إلى الوحدة والاعتصام بحبل الله جميعاً واعتماد كلمة التوحيد ملتقى موحداً للمسلمين، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم كذلك، ثم آتي لأعتصر متألماً حروفَ حديث أو كلام عن فتنة أولى وثانية وثالثة ورابعة و...

يا ويحنا إذ نكتب عن التفرقة واقعاً، ونعرض عن الخوض في الكتابة عن الوحدة والاجتماع فريضةً أكيدة تستحق الاهتمام العام والمطلق بحثاً ودراسة وكيفيةَ تنفيذ وتحقيق.

وعلى كلٍ ومهما يكن الأمر، فنحن مضطرون للكتابة في هذا الشأن لأنه واقع وحال وراهن، ولكننا - أبداً - غير مضطرين للمداهنة والمراوغة، ففي رقبة كلٍ منا وعنقه أمانة ومسؤولية، فليتق الله وليرعها.

وليسمح لي قارئي بالقفز على فتنة السقيفة وفتنة الردة وفتنة قميص عثمان وفتنة الجمل وصفين وفتنة الأمويين وبني العباس و.... لأنتقل مسرعاً إلى فتنة ألمّت بنا وحلَّت بشرقنا، ودخلت آثارها البشعة بيوتنا، بل كادت تسكن دواخلنا وتقيم فيها، لتنتج بسُكناها في عمقنا يأساً في الإسلام ديناً منتظَراً وأملاً إنسانياً يجمع أفراد الإنسان، أو على الأقل أبناء الإسلام، وفق طلبات ربهم منهم، التي أكدها الرسول الأمين صلى الله عليه وآله وسلم.

كما ساورنا شعور بأن كلمة "الأخوّة" - التي وصفَنا القرآنُ بها - إن هي إلا سراب يحسبه الظمآن ماءً، أو هي ضرب من حلم بعيد المنال حتى عن الرؤى، فأين أين بعض تجلياتها ؟! وأين أين القدر الضئيل من ظلالها ؟!

ولذا فإنني إذ أكتب اليوم عن فتنة - قد نسميها ثانية أو بالأحرى تالية - أكتب طامحاً وطامعاً في تشخيص الألم وتحريض جسم الأمة على الإحساس به، لعلها تدرك حاجتها الماسة جداً إلى المعالجة والتداوي مما ألمَّ بها، بدلاً من أن تَسدر في غيّها وهي تحسب أنها تحسن صنعاً !

وتبدأ الفتنة اليوم من تخوف بعض المسلمين من أن يمتد بعضٌ آخر  منهم في أراضيهم وجغرافيتهم، أو في أراضي الآخر غير المسلم وجغرافيته، وتتعالى صيحات الاستنكار - وكلنا يسمعها - هنا وهناك، يقول قائلها: ثمة انتشار للسلفية في بلادنا فهل نسكت ؟!

ويرد الآخر: ربما كان الذي يحدث عندكم أخف وطأة مما يحدث عندنا، لأن الشيعة عندنا - نعم الشيعة - بدأت تتغلغل بين شبابنا، والشيعة – يتابع المستنكر – وما أدراك ما الشيعة ؟! فسقة، زنادقة، روافضة ... الخ.

ويقوم الثالث والرابع ليقول: المشكلة الأدهى أن عندنا صوفية كافرة وبدعاً ضالة لفّت جلَّ الناس في ديارنا !! فما العمل ؟

ويتساءلون. وإذا خلا بعضهم إلى نفسه ومن معه، ممن هو مثله في معاداته لطرف من الأطراف، دبّروا الكيد. وما أدراك ما الكيد ؟! أهونه اغتيال، ولا حدَّ لأشده !

وانفرط هذا العقد في العراق، وأسلمت الأمة رغماً عنها وخوفاً من السيف قيادَها لأولياء الفتنة، واتفق هؤلاء الأولياء على أن تكون أمريكا هي الدريئة ومحلَ الاستهداف ادعاءً، أو على سبيل الإستراتيجية البعيدة، أما الحقيقة والتكتيك السريع فيقتضي القضاء على أعوانها منَّا.

فمن هم الأعوان يا سادة يا كرام ؟!

والجواب من السنة: الشيعة هم أعوان أمريكا، يقولون ذلك فيما بينهم ويأتون بأدلة يقنعون بها أنفسهم. وما أسرع ما يقتنعون، حتى وصل الأمر بالأدلة أن صارت كلام الحكام الكفرة في نظرهم، فالملك الفلاني يقول: (هناك تآمر من الشيعة) أما سمعت بهذا ؟ هكذا يقول السني للسني.

وليس ثمة فرق بين سني وسني في هذا الحكم على الشيعة إلا أن الراقي إنسانياً من أهل السنة يقول ظاهراً: لا يا ناس، لا تقتلوا من فيه احتمال واحد بالمئة من إيمان، فلنحتط. وهكذا.

وأعود بعد سرد جواب السنة لأذكر جواب الشيعة فيما بينهم وهو:

السنة - ولا سيما السلفيون منهم - أعوان أمريكا وإسرائيل من دون أدنى شك أو ريب، وهم وإن لم يكونوا عملاء الاستكبار صراحةً ومباشرة فهم ينفذون بغباء وسوء فهم مطالب الصهيونية والامبريالية.

ويتتابع الحديث بين الشيعة ليقول متطرفهم: لا سُنّة بعد اليوم !

ويجيب عاقلهم: لا يا أخي ليس كل السنة سواء. فهناك من السنة من هو على مشارف التشيع، وأصابع اليد غير متماثلة... !

وما يجري هنا وهناك يجري بين الحزب الفلاني الإسلامي في مواجهة الحزب الفلاني الإسلامي، وبين العرق العربي الإسلامي وبين العرق الكردي الإسلامي، وبين الصوفي وهو يتكلم عن السلفي ومع السلفي وهو يتحدث عن الصوفي، وهكذا دواليك، غير أني فصلت بعض الشيء وأنا أمثل بالشيعة والسنة لأنه الانقسام الأكبر والأخطر في عالم الإسلام اليوم، وكل انقسام سواه يأتي دوره بعد تصفية الحساب بين طرفي ذياك الانشقاق الأشد الذي هو بين الشيعة والسنة.

فتنة مميتة وقاتلة حساً ومعنى، ولكننا حيالها صامتون؛ وإن شئتَ خائفون ! فحراس الطرفين لا يَرقُبون في أطراف الطرف الآخر إلاّ ً ولا ذمة، بل حتى لا يرقبون في أفراد طرفهم وجبهتهم إلاّ ولا ذمة، إذا ما سولت لواحد من هؤلاء الأفراد أن يتحدث بحديث التآلف والجمع بين الطرفين، فيا ويله ويا بؤسه ويا كفره ويا... وها نحن – الحراس – قد وضعناه على لائحة الهدر فليتق الله مصاحبُه ومكلمه، وليتق القتل مادحه أو مرافقه...

ولا تحدثني يا هذا عن مؤتمرات تقريب وتأليف، وعن ندوات لقاء وعن جمعيات ترابط وعن محاضرات تضامن وعن وعن.. فكل ذلك تغريد أو نعيق خارج السرب، وما هو إلا اختلاس وتسويغ للسياسات القائمة التي ترعى هذه المؤتمرات والندوات، حتى تدوم وتدوم وتدوم عبر كسب ودِّ المؤتمرين والمنتدين والمحاضرين، الذين هم في الواقع النخبة العالمة والمفكرة.

تعود اليوم السقيفة ولكن رجالها الذين كانوا معها آنئذ لم يعودوا معها، واستبدل بهم أناس يعلمون ولا يفعلون، ومعهم أناس يفعلون ولا يعلمون، والمصيبة أن من يفعل لا يأخذ علم من لا يفعل ليفعّله، بل يُلزم مَن يعلم باستلهام العلم والمعرفة والقواعد الشرعية من فِعله المسلح الدموي القائم على الجهل والهرج.

وإذا كان الأمر كذلك فماذا نفعل ؟

الوصف الصادق للحال هو المطلوب أولاً ونبذ ما يسمى الخلاف الرحموي، فليس ثمة خلاف رحموي وخلاف غير رحموي، بل كل الخلاف والاختلاف مرفوض، ودعونا من مجاملات لا أصل لها. إن الاختلاف، أو الخلاف الرحموي هو فقط ما قدره الله علينا تقديراً لا كسب لنا فيه، من لون ولغة وجغرافية، وبعد ذلك كل خلاف ننتجه في مسار الفكر أو الفقه غير رحموي، فالأمة المنشودة هي الأمة الواحدة، والدين المطلوب هو الدين الواحد، والشريعة المرغوبة هي الشريعة الواحدة، والمذهب المطلوب هو المذهب الواحد.

فإن نشأ دين آخر وشريعة أخرى ومذهب آخر فالأمر عارض، ولا يمكن تأصيله وتعميقه، فنجعل من الطارئ العارض أصلاً وأساساً، ولنَجهدْ في إعادة الأمر إلى ما يجب أن يكون عليه من الوفاء والاجتماع والتآلف والتناغم: (بالحكمة والموعظة الحسنة) وبالمجادلة بالتي هي أحسن، وبالدعوة إلى الله على بصيرة، وبالقول الحسن، بالقتال وفق معايير محددة مرعية، نعم بكل هاتيك الوسائل التي صححها القرآن الكريم والسنة الشريفة والكتب السماوية السالفة وتعاليم الأنبياء التي أنزلت عليهم هاتيك الكتب...

فإن سأل سائل قائلاً: وماذا تفعل بالحديث الصحيح الذي رواه مسلم إذ قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( سألت ربي ثلاثاً فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة: سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنين فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها ) وفي رواية الحاكم ( وسألته ألا يلبسهم شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض فمنعني هذا ).

ويتابع السائل سؤاله ليقول: إنه القدر المحتوم على الأمة أن تكون مفرقة بأسها بينها شديد، فلنسكت ولنستسلم ...

لكنني أجيب السائل المحتار المتألم من أوهى عظمة قدر التفرقة على حد زعمه: يا هذا: إن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وهو يحدثنا هذا الذي حدثنا ما كان في حديثه ليناقض القرآن الكريم في دعوته المسلمين إلى التآلف والتضامن والتعاون، وينقض دعوته نفسه المسلمين أيضاً إلى أن يكونوا إخوة متحابين... وحاشاه.

بل المراد – والله أعلم – من حديثه ذاك الذي سقناه: هو تبيان ما تم منحه من قبل الله لأمة محمد على سبيل الفضل، ( عدم إهلاكها بالسنين والغرق ) وأما عدم البأس فيما بينها وعدم التفرقة فيما بينها، فهذا ما تركه للأمة نفسها من أجل أن تنهض به تطبيقاً وتنفيذاً على سبيل التكليف ولذلك جاءت الآيات القرآنية داعية الأمة إلى الاعتصام بحبل الله جميعاً والوقوف أمام المعتدي صفاً كالبنيان المرصوص و.... وكذلك الأحاديث الشريفة: التي حضت ودعت إلى اللقاء والوحدة والتناصر والتباذل والمحبة و... (1)

ولما وجدت الألقاب المضافة إلى صفة إلى الإسلام عند المسلمين من سنة وشيعة وصوفية وسلفية و.... تفرق ولا تجمع وتشتت ولا تؤلف أطلقت منذ أربع وعشرين سنة عبارة " لنلتق دون ألقاب أفلا يكفينا الإسلام" وهذا بداية الحل – في رأيي – فهل عندكم مانع يا شيعة من أن تلغوا صفة الشيعية وأنتم تقدمون أنفسكم، لتقصروا الأمر على أنكم مسلمون فقط ؟

وهل لديكم مانع يا أهل السنة أيضاً من أن تقدموا أنفسكم على أنكم مسلمون فقط ؟

وأتابع مخاطبة سائر الفرق والمذاهب والحركات: فكّروا جدياً في هذه القضية، وإلى أن تجيبوا اتقوا الله في الدماء والأموال والأعراض، واذكروا آخر حديث وجهه الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم للأمة – في حجة الوداع – يؤكد على ضرورة القيام بتكليف وفريضة: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه وكونوا عباد الله إخوانا) و (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض).

أرجوكم يا مسلمي اليوم أن تأخذوا على يد جاهلكم فتعلّموه. وتأخذوا على يد متطرّفكم فتوسّطوه. وتأخذوا على يد الظالم فتحجزوه، فإن لم تستطيعوا حجزه فادعوا عليه ولا تقتلوه، واتركوا الله يقتله، لا سيما وأنكم لا تصنعون ما به تقتلون، بل إنكم قادرون على إنتاج الدعاء لـ... والدعاء على... فاقتصروا على هذا، وأنصحكم بتغليب "الدعاء لـ" على "الدعاء على"، وليكن عنوان الدعاء الذي تدعون: دعوةَ نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون). "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".

والسلام مني عليكم ورحمة الله وبركاته،

فامنحوني السلام منكم،

فالراحمون يرحمهم الرحمن،

ارحموا من في الأرض يرحمْكم من في السماء.

 

الدكتور محمود عكام


 

(1) ولو أن كل العطاءات الالهية منحت للأمة فضلاً, فأين يبرز التكليف الذي اختص الله به الإنسان, دون سواه من المخلوقات والذي سماه الأمانة, وعده الاختبار الذي يتم على أساسه الحساب: ومن ثم الثواب والعقاب...

التعليقات

شاركنا بتعليق