آخر تحديث: السبت 18 مايو 2024
عكام


خطبة الجمعة

   
الحماية والرعاية من واجبات المسلم

الحماية والرعاية من واجبات المسلم

تاريخ الإضافة: 2007/05/25 | عدد المشاهدات: 3216

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

كلما سمعت أو رأيت عبر وسائل مختلفة إنسانين يتقاتلان أسفت، إذا ما رأيت متدينين ولو كانا من غير دين الإسلام حزنت، ولو رأيت أو حين أرى مسلمين يتقاتلان تألمت، وكلما رأيت مسلمين من بقعة واحدة من وطن واحد يتقاتلان فُجعت، فانظروا كم نأسف، وكم نحزن، وكم نتألم، وكم نفجع. بالأمس في لبنان، وقبلها في السودان، وقبلها في الجزائر، وقبلها في المغرب، وقبلها في كل بلد عربي، في السعودية، في سورية، في العراق، في فلسطين... كلما رأيت إنسانين يتقاتلان أسفت، وكلما رأيت متدينين يتقاتلان حزنت، وكلما رأيت مسلمين يتقاتلان تألمت، وكلما رأيت مسلمين من مكان واحد ووطن واحد يتقاتلان فجعت، وأعتقد أنكم تشعرون بذلك، سألت نفسي: هل نحن أمة خلقت من أجل أن يقتل بعضهم بعضاً بحجج مختلفة، بمسوغات ليس لها ظهور ولا أصل في ديننا ولا في إنسانيتنا ولا في عروبتنا ؟ هل نحن أمة خُلقنا لأمرين: إما للقتل وإما للمنافقة والمراءاة ؟ أليس بيننا من رجل رشيد ينادينا أن كفوا أيديكم عن بعضكم ؟ وليس من بيننا من رجل رشيد يملك سلطةً ليقول لنا تذكروا واجباتكم تجاه بعضكم ؟ ليس منا من رجل رشيد يقول لنا مهلاً في هذا الميدان، لقد أهدرتم دماءكم، لقد ضيعتم أنفسكم، لقد أزهقتم أرواحكم فيما لا طائل تحته، بل على العكس فيما سوف تسألون عنه وسيكون الجواب عن هذا السؤال يوم القيامة صعباً جداً، ما معنى أن يموت كذا من الرجال والشباب على أيدي كذا من الرجال والشباب المسلمين في فلسطين، ما معنى أن يموت كذا من الرجال والنساء والشباب في لبنان على أيدي كذا من الرجال والشباب المسلمين أيضاً في لبنان، في كل أمكنة مختلفة متنوعة من عالمنا العربي والإسلامي، في باكستان حوادث تفجير يقوم بها المسلم، في المكان الفلاني الذي يرتاده المسلمون الآخرون، في أفغانستان، أوَ ترضون عن هذا ؟ قولوا لي بربكم هل هذا هو دينكم ؟ إن كان هذا هو الذي تقومون به تدَّعون بأنه دينكم فاسمحوا لي أن أقول بأنكم مرفوضون، وإن الجريمة العظمى الذي يمكن أن يرتكبها الإنسان نرتكبها باستمرار، ولأن الفعلة الأشنع التي حرمت على الإنسان حيثما كان الإنسان نزاولها باستمرار ونمارسها، يمارسها الجار على جاره، ويمارسها الأخ على أخيه، ويمارسها الوالد على ولده، والولد على والده، نمارسها جميعاً ضد بعضنا، أمة تعيش بين قتل لها، وبين مجاملة ومنافقة وكلام لا ينبعث من القلب، وإنما هو كلام من أجل مصلحة موهومة يقولها هذا الإنسان أو ذاك الإنسان، هل نحن أمة متطورة في الصناعة أو الزراعة ؟ سؤال يحتاج إلى جواب والجواب بالإيجاب عَصيّ وصعب، وأعتقد أنه لن يكون. هل نحن أمة متطورة في التقانة، في العلاقات الاجتماعية، في القوانين، أعتقد أن الجواب سيكون عصياً أيضاً، إذاً: هل فكر الواحد منا في أن يحسِّن وأن يطوِّر وأن يثبِّت هذا الدين في وعيه ليكون سلوكه وفق هذا الدين، ووفق وعيه دينه ؟ هل حاولنا هذا ؟

قررت اليوم أن أذكر نفسي وإياكم بواجبات المسلم على المسلم، لا أريد أن أذكرك بحقوقك على المسلم، وإنما أريد أن أذكرك بواجباتك نحو المسلم، لأننا أمة نحب أن نسمع حقوقنا التي يجب على الآخرين أن يقوموا بها تجاهنا ولا نحب أن نسمع واجباتنا التي يجب أن نقوم بها تجاه الآخرين، تجاه المسلمين، وأنا أتحدث عن المسلمين لا أكثر ولا أقل، وأنتم إذا ما سئلتم وهذا الذي أطرحه، أطرحه للمرة المئة، إن سئلتم عن عنوان علاقتك أنت أيها المسلم مع المسلم الآخر الذي يقطن في أفغانستان، في تركمنستان، في الباكستان، في السعودية، في إيران، في لبنان، في السودان، في مصر، إن سألك غير مسلم عن العلاقة بينك وبين ذاك المسلم قلت له وبسرعة البرق: الأخوة. لأن الله قال: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾.

فيا أخي، يا من تقول عن المسلم الآخر بأنه أخوك: إذا كان المسلم الآخر أخاك فاعلم أن واجباتك تجاهه أمران: الحماية والرعاية.

عليك أن تحميه من أمور وأن ترعاه في أمور، عليك أن تحميه من الغش، إياك أن تكون غاشاً له، أوَ سمعت قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في الصحيح: (من غشنا فليس منا)، عليك أن تحميه من غشك، عليك أن تحميه من غش الآخرين، فما لي أراك تغشه، وما لي أراك تسعى إلى أن يغشه الآخرون، وما لي أراك تضحك إذ تغش أخاك في أي المستويات أنت ؟ وما لي أراك تسعد إذ ترى أخاك وقد غشه من غشه.

عليك أن تحميه من التحريش، والتحريش هو التحريض المؤدي إلى القتل، وقد قال سيدي رسول الله كما صحيح الإمام مسلم: (إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش فيما بينهم) أي رضي بالتحريش فيما بينهم، يحرش هذا على ذاك بمسوغات ليست مقبولة شرعاً ولا عقلاً ولا إنسانية ولا وجداناً ولا حتى على مستوى الحيوان، (إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش فيما بينهم).

عليك أن تحمي أخاك من الاتهام، إذا كان الأمر كذلك، فلماذا نحن الذين نمارس الاتهام ؟ أنا أطالبك أن تحمي أخاك من أن يتهمه أحد ، فما لي أراك تتهم أنت أخاك ؟ أوَ ما سمعتم النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول كما في مسلم: (من دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه) رجع عليه، انظروا كلامنا وانظروا أقوالنا، فإنها مليئة بالاتهام. وسهل جداً أن تتهم أخاك بالكفر، سهل جداً أن تقول عندما تسأل عن فلان أو فلان وهو مسلم يعلن الشهادة ولك أن تأخذ بالظاهر، من السهل عليك وأنت تراه يعلن الشهادة وأركان الإيمان وأركان الإسلام أن تقول له بكل بساطة بأنه كافر، لأنه لم يوافقك في فكرة أو في أمر صغير، لأنه لم يكن صورة منسوخة عنك، عليك أن تحمي أخاك من الاتهام.

عليك أن تحمي أخاك من الترويع، نحن نُرَّوع صباح مساء، يروع بعضنا بعضاً على مستوى الجيران، إذا أقبل المساء فالجار مروَّعٌ من جاره لأنه سيؤذيه بصوته وسيؤذيه بسهره، وسيؤذيه بكل ما يتمكن به من إيذاء، (لا تروعوا المسلم) هكذا قال سيدي رسول الله كما جاء في سنن أبي داود (فإن روعة المسلم ظلم عظيم)، (لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً)، نحن مروعون، الخوف أضحى يسكننا، لا نستطيع أن نتكلم كلاماً يمكن من خلاله أن نعبر عن مكنون داخلنا، وإنما أضحينا نتكلم كلاماً أوافقك عليه، لا لأنني مقتنع بك بل لأنني أخافك، لأنني أخاف بطشك، لأنني أخاف يدك السفاحة، لأنني أخاف لسانك السليط، لأنني أخاف عينيك المزدريتين، لأنني أخاف غيبتك لأنك ستغتابني إذ تغيب عني، أخافك لهذا أتكلم بما يوافقك ليس من باب القناعة ولا من باب الاطمئنان ولا من باب الراحة ولا من باب التصديق ولا من باب الاعتقاد، ولكن من باب الخوف لأنك تروعني وأنا أروعك.

عليَّ أن أحميك من السباب والقتل، فلقد قال سيدي رسول الله كما في البخاري: (سُباب المسلم فسوق وقتاله كفر) انظروا أولادنا كم يشتمون وكم يسبون ؟ ادخلوا الأحياء والحارات، ادخلوها واسمعوا بآذانكم وأنا أعلم بأنكم تسمعون لأني أسمع، ادخلوها لتسمعوا شتماً وسبّاً، لتسمعوا كلمات ما أعتقد أن الحيوانات تمارس مثل هذه الكلمات لو أنها نطقت، وأعتقد أن الحيوانات ستمتلك حياءً عندما تسمع مثل هذه الكلمات من الناس، من البشر، (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، في الأحياء، في المدارس، في الجامعات، في المساجد، في عرفات، في الحج، نُبئت عن حجيجٍ هنا من بلادنا من سورية يشتمون بعضهم في عرفات وعند الكعبة وفي الروضة الشريفة يسب بعضهم بعضاً (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر).

عليك أن تحمي أخاك من التعدي، من أن يتعدى على حرمات المسلمين، أوَ ما سمعت حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم القائل كما في صحيح مسلم: (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) لكن دم أخيك أضحى مباحاً لك، لكن عِرض أخيك أضحى بالنسبة لك مهدوراً، لكن مال أخيك أضحى بالنسبة لك مستحلاً، تأخذ ماله من غير شعور بتأنيب الضمير! تنال وتنهش عرضه من غير أن تستشعر بأنك تخالف شرع ربك أو أنك تغضب ربك ! تمارس هذا الأمر وكأنك خلقت له! عليك أن تحمي أخاك من التعدي.

عليك أن تحمي أخاك من النميمة، ورد عن النبي أنه قال كما في البخاري: (لا يدخل الجنة نمام) الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حبيبكم وأسوتكم وقدوتكم يقول: (لا يدخل الجنة نمام) فكيف تمارسون النميمة ؟ تمارسونها ولا تستغفرون بعد الممارسة، تمارسونها على أنها خُلق من أخلاقكم التي تميزتم بها، تمارسونها وكأنها شيء منكم لا تستطيعون الاستغناء عنها، قد تستغنون عن الطعام والشراب أما أن تستغنِ عن النميمة ممارسة يومية وسلوكاً يومياً فهذا لا نستطيعه ولا نسعى من أجل التخلص منه.

عليك أن تحمي أخاك من الغيبة ﴿ولا يغتب بعضكم بعضاً﴾.

عليك أن تحمي أخاك من الغل والحقد والحسد والتناجش (لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تناجشوا وكونوا عباد الله إخواناً)، ﴿ربنا لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا﴾ ملئت القلوب غلاً وامتلأت القلوب حسداً وأضحى التباغض بديلاً عن تحاببنا وأضحت الشحناء هي التي تغص بها رؤوسنا، أصبحت الشحناء تملأ رؤوسنا وأسماعنا وكلنا، إن نظرنا إلى مسلم فكّرنا في كيفية مشاحنته، وإن نظرنا إلى مسلم فكرنا بالسبل التي تؤدي إلى عداوته، إن نظرنا إلى مسلم رحنا نبحث عن القطيعة التي يجب أن تكون بيننا وبينه، وبعد هذا تريدون عزاً ؟ تريدون رفعة ؟ تريدون كرامة ؟ تريدون نصراً ؟ فلنستحِ من رببنا ونحن نطلب منه أن ينصرنا وأن يعزنا، نحن ندعو ربنا من باب الطمع لا أكثر ولا أقل، ولكننا إن أردنا أن ندعو من باب اتخاذ الأسباب فلا والله نحن غير مؤهلين للطلب من الله، غير أن الطمع هو الذي يدفعنا للدعاء، وهو الذي يدفعنا من أجل أن ندعوه حتى ينصرنا، حتى يدعمنا، حتى يوفقنا، حتى يعلي من شأننا.

عليك أن تحمي أخاك من الغش، من الاتهام، من الترويع، من الغيبة، من النميمة، من الحسد، من الحقد، من الغل، من التحاسد، من التباغض، من كل ما يؤذيه في جسمه، في ماله، في عرضه، في معانيه، لن أتحدث عن الشق الآخر عن الرعاية لأن الرعاية لا يمكن أن تؤسس إلا على أرضية نظيفة خالية من هذا الذي ذكرناه في الحماية، عليك أن تمحوَ من نفسك هذا الذي ذكرنا ثم بعد ذلك إن سَلِمَ قلبك وعقلك من هذا عليك فأنت تؤسس للرعاية التي تقوم على التعاون والتناصح والتباذل والحب، أين نحن من هذه المعاني التي نشعر من أن المسافات كبيرة بيننا وبينها ونشعر أن المساحات واسعة تلك التي تفصلنا عنها، نشعر أننا بعيدون عن مثل هذه الأمور التي نسميها حق الأخوة في ميدان الرعاية.

اللهم إنا نسألك، وإن كنا نخجل ونحن نسألك، أن توفقنا من أجل أن نحمي الأخوة التي أردتها فيما بيننا صلة وعنواناً، نسألك يا رب أن توفقنا لنحميها من ما يسيء إليها ومن كل ما يسوؤها، ونسألك أن توفقنا لرعايتها بالتعاون والحب والتباذل والحب والتضامن والتزاور وتقديم ما يريده أخي مني ذاك الذي ينتمي إلى الله عز وجل، وإلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإلى القرآن الكريم، اللهم حققنا بذلك، نعم من يسأل ربنا ونعم النصير إلهنا أقول هذا القول وأستغفر الله.

أيها الإخوة:

لا شك في أنكم يوم الأحد القادم سيكون لكم موعد من أجل الاستفتاء، سلوا ربكم في صلواتكم أن يوفق القائمين على هذا البلد وعلى البلاد الإسلامية والعربية، سلوا ربكم أن يوفق القائمين المسؤولين إلى ما ينفع الناس في دينهم ودنياهم، اذهبوا وأنتم تدعون ربكم قائلين: اللهم وفق هذا الرجل السيد الرئيس من أجل أن يكون خادماً للإسلام، ومن أجل أن يكون خادماً للوطن، ومن أجل أن يكون خادماً للإنسان، يقدم لربه علاقة طيبة معه ويقدم لوطنه الخير ويقدم للإنسان الخير في وجوده المادي وفي وجوده المعنوي. نقول بملء اعتقادنا نعم لخيرٍ ولفاعلِ خير، نعم لنفعٍ ولفاعلِ نفع، نعم لمن أرادَ ويريد لسورية الحماية والرعاية، لمن يريد لسورية حماية القيم، لمن يريد لسورية أن تنمو وتزدهر، أسأل الله أن يوفق بلدنا، أن يوفق أمتنا، أن يوفق الدولة التي نعيش فيها من أجل أن تتضافر جهودها من أجل أن ترفع كلمة الله عز وجل ليس فقط بالادّعاء والأذان وإنما بالعمل الصالح والقول الحسن. اللهم اشهد بأنا لا نريد إلا الخير لبلادنا فوفّق كل من يريد الخير لبلادنا إلى أن يفعل الخير وإلى أن يتحلى بالخير، اللهم إنا نسألك حفظاً ورعاية وحماية لسورية، لبلاد الشام، لبلاد العرب، لبلاد المسلمين. أسألكم يا إخوتي أن تقولوا هذه الكلمة بأمانة وإخلاص وأن تدعوا ربكم في أن يوفق السيد الرئيس بأن يكون مؤمناً محباً للوطن كما عهدناه وقد بدأ هذه المشاوير فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، نريد ألا يكون هناك تنازل عن القضية الفلسطينية ونريد ألا يكون هنالك تنازل عن ثوابت هذه القضية، ونريد لسورية أن تعيش عيشاً رغيداً، نريد للمواطن أن يُكرَّم، ونريد للعدل أن يُبسَط، ونريد للحريات أن تُصان، ونريد للوحدة الوطنية أن تُعمَّق، وأن تقف الحكومة على مسافة واحدة من كل الأفراد والطوائف والجماعات والأعراق، نريد لسورية أن تبني علاقاتها مع الدول العربية والإسلامية على أساس الأخوة البنَّاءة ومع الدول الأخرى على أساس التفاعل الإيجابي القائم على السلام العادل واحترام السيادة وحق الشعوب في تقرير المصير، اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً.

ألقيت بتاريخ: 25/5/2007

التعليقات

طارق - دمشق

تاريخ :2007/05/30

في كل أسبوع يطالعنا الدكتور عكام بخطبة جديدة، وموضوع أجود، وحين أبدأ بقراءة الخطبة أقول في نفسي إن الموضوع تقليدي، ومثله مثل باقي الخطب، لكن حينما أغوص في أعماق الكلمات التي يقولها المفكر العظيم أدرك بل أثبت قناعتي بأنه رجل من الطراز العظيم. فبوركت جهودك أيها الجليل، ولك الشكر على هذه المواضيع العظيمة، وسدد الله خطاك. طارق

شاركنا بتعليق