آخر تحديث: الخميس 22 أغسطس 2019
عكام


نــــــــــــدوات

   
التدخين ممنوع بأمر من الدين والعقل والمجتمع/ جمعية الشهباء بحلب

التدخين ممنوع بأمر من الدين والعقل والمجتمع/ جمعية الشهباء بحلب

تاريخ الإضافة: 2007/06/07 | عدد المشاهدات: 2307

قدم الدكتور الشيخ محمود عكام ورقة إلى الندوة المنعقدة في جمعية الشهباء بحلب تحت عنونان: آفة العصر التدخين وضرره على الفرد والمجتمع، وذلك بمناسبة اليوم العالمي للامتناع عن التدخين، وذلك يوم الخميس: 7/6/2007 الساعة السابعة مساء. وقد قرأها الأستاذ محمد أديب ياسرجي، وفيما يلي نص الورقة المقدمة:

التدخين ممنوع بأمر من الدين والعقل والمجتمع

لا شك في أن التدخين علامة ضعف ونقص، وليس علامة إتقان أو إحسان، واستفتِ قلبك وإن أفتاك المفتون. أو بالأحرى:

هو عيبٌ مادي ومعنوي في الإنسان، كما هو عيب في المكنات والآلات المتحركة والناقلة والصانعة. كما لاشك في أن العدول عن التدخين والامتناع عنه ممارسة لفضيلة وقيمة إسلامية بل وإنسانية، وهي النظافة، التي لا تقتصر على الأعضاء الظاهرة من الجسم والمكان والأشياء، بل لا بد من أن تطال أعضاء داخل الجسم من أمعاء ورئة و... ومن اقتصر في دعوته وممارسته على تنظيف ظاهر جسمه فهو مقصر أيما تقصير، ولقد جمعت ثمانية عشر حديثاً عن النظافة في منظور النبوة قالاً وسلوكاً:

1- عن أنس رضي الله عنه قال: "ما مسست حريراً ولا ديباجاً ألينَ من كف النبي ولا شممت ريحاً قط أو عرقاً أطيب من ريح أو عرق النبي" رواه البخاري ومسلم.

2- عن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود فنظفوا أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود" رواه الترمذي.

3- عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الإسلام نظيف فتنظفوا فإنه لا يدخل الجنة إلا نظيف" رواه الخطيب.

4- عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "على كل رجل مسلم في كل سبعة أيام غسل يوم وهو يوم الجمعة" رواه أحمد في مسنده.

5- قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "قصوا أظافركم وادفنوا قلاماتكم ونقّوا براجمكم ونظفوا لثاتكم من الطعام واستاكو ولا تدخلوا عليَّ قحراً بخراً" رواه الترمذي. البراجم: عقد الأصابع في ظاهر الكف، والرواجب عقدها في باطنها، قُحراً: مصفرة، بُخراً: منتنة.

6- وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "عرضت عليَّ أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت عليَّ ذنوب أمتي فلم أرَ ذنباً أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها الرجل ثم نسيها" رواه أبو داود والترمذي.

7- وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "عُرضت عليَّ أمتي بأعمالها حسنها وسيئها فرأيت من محاسن أعمالها إماطة الأذى عن الطريق، ورأيت من سيء أعمالها النخامة في المسجد لم تدفن" رواه مسلم.

8- أمرنا رسول الله ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيَّب. رواه أحمد والترمذي.

9- وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان" رواه البخاري ومسلم.

10-وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "نحِّ الأذى عن طريق المسلمين" رواه ابن حبان.

11- وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم" رواه الطبراني بإسناد حسن.

12- ويقول صلى الله عليه وآله وسلم : "من غسل سخيمته على طريق من طرق المسلمين فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" رواه الطبراني والبيهقي.

13- ويقول صلى الله عليه وآله وسلم: "بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك فأخره فشكر الله له فغفر له". رواه البخاري ومسلم.

14- وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب" رواه النسائي.

15- وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة" رواه البخاري.

16- وعن شريح بن هانئ رضي الله عنه قال: قلت لعائشة رضي الله عنها بأي شيء كان يبدأ النبي إذا دخل بيته قالت: بالسواك. رواه مسلم.

17- وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن الله جميل يحب الجمال، إذا خرج أحدكم إلى إخوانه فليتهيأ في نفسه" رواه ابن السني.

18- وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " أحسنوا لباسكم وأصلحوا رحالكم حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس" رواه الحاكم.

 ثم قدم الدكتور الشيخ محمود عكام الشيخ مداخلته التالية:

ما من شك في أن هناك مقاصد أساسية تجب المحافظة عليها ورعايتها، وفعل ما يدعمها وهجر ما يسيء إليها وينتقصها، وقد اتفقت الأديان السماوية والمذاهب الأرضية جميعاً على ضرورة الحفاظ عليها والعناية بها، لأنها - أي المقاصد  - في النهاية مضمون الإنسانية المنشودة، وحقيقتها السوية.

والمقاصد هي: النفس، العقل، المال، النسل، الدين، الذي هو مجموعة قيم نبيلة، وفضائل حميدة من صدق وإلفة اجتماعية وحرية وعدالة وأمانة ، وحين ننظر التدخين فإننا نجده في مواجهة هذه المقاصد ضاراً بها. فأما ضرره على النفس فبين وواضح، وقد أكد وأثبت العلماء أن المادة المدخنة تحوي مواد مسرطنة، وأخرى رافعة للضغط، وثالثة مهيجة للسعال ومضيّقة للقصبات،  ورابعة مثبطة للدم من أجل نقل الأوكسجين، وخامسة تحوي عناصر سمّية ذات أثر سلبي على النطاف، والله تعالى يقول:﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾، والصحة الجسدية ما هي إلا أمانة عندك أيها الإنسان، فارعها وكن وفياً لها، ولا تؤذها، وستُسأل عنها في الدنيا والآخرة. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن جسده فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيمَ أنفقه، وعما عمل فيما علم". ويقول صلى الله عليه وآله وسلم: "من تحسّى سماً فقتل نفسه، فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً". رواه البخاري.

وأما ضرره على العقل: فلا شك في أنّ الجسم السليم في العقل السليم، فإذا مرض الجسم - كما عرفنا - مرض العقل، هذا بالإضافة إلى أثر التدخين في إضعاف التفكير، وتثبيط حركة الدماغ الإيجابية، ودوره في إيجاد الإدمان، والإدمان يؤدي إلى تحجيم العقل، وإلى جعله يدور في فلك هذا الذي أدمن عليه لتحصيله وتأمينه. كل المعاني وردت هادفة إعماله وتنشيطه، فما بالنا نشتغل بما يثبطه ويهبطه.

وأما أذيته للمال،فالمال أمانة ومسؤلية، وهو محور الاقتصاد ومحله، والأصل فيه أن يكتسب بالطرق المشروعة وينفق فيما يعود بالنفع على الفرد والمجتمع، وعلى الإنسان والإنسانية. وإلا أي إذا صرف فيما يعود بالضرر، كان فتكاً وقتلاً وتدميراً للإنسان وتضييعاً للأمانة. قال صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الله ينهاكم عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال"، وقال: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: ... وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه". فهل يجوز لك أيها المدخن أن تنفق في اليوم خمسين ليرة سورية على الأقل، فتضر بها نفسك، وتمنعها عمن تعيل، أو عن فقراء عائلتك وفقراء وطنك، أو عن دعم أراضينا وأوطاننا المحتلة لإزالة الاعتداء عنه. أين الإحساس بالمسؤولية والشعور بها، وأين رعايتك لأمانة نعمة المال ...

وأما ضرره على النسل: فالأمر جد، والبحث مؤكد ومؤكد، فالدخان يضعف القدرة الجنسية، ويشوِّه الأجنة، ويضر بالرضّع وعلى كلٍ فالأطفال الآن، والأطفال القادمون يناشدون المدخنين من أجل أن يقلعوا عما يضر بالجميع وبالبيئة، فهم يريدون مساحات في الحياة نظيفة طاهرة يرتعون فيها ويعيشون في مناخاتها الطيبة، حتى يؤدوا رسالة الخير للإنسانية خير أداء.

وضرره على الدين: الذي هو مجموعة قيم كما أسلفنا، فالصدق قيمة نبيلة تشكل جزءاً مهماً من الدين يفترسها الدخان ويمزّقها شر ممزق، ولطالما لجأ المدخن الشاب والطالب والكبير إلى الكذب ليخفي عن موجهه وأبيه ومربيه هذه الفعلة الشنيعة، وقد شعر بها كذلك. وأما الإلفة الاجتماعية فأجدر بالدخان أن يفسدها ويقضي عليها، لأنّ المدخن يضر بمن حوله ويؤذيهم، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: "إن أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً الموطؤون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون، ولا خير فيمن لا يألف يألف ولا يؤلف"، والمدخن ما هو إلا جليس سوء إذ يدخن مشبّه به. فد قال صلى الله عليه وآله وسلم : "مثل الجليس الصالح  وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك،  أو أن تشم منه  رائحة كريهة". ومن القيم الجميلة التي يشوهها التدخين: الحرية. فالمدخن أسير وعبد لإدمانه، وكم من مدخن باع قيماً بدخان، وكذلك كم من مدخن هجر المبادئ ليحصل على دخان.

عدت لأهوائك عبداً             وكم تستعبد الأهواء أربابها

وما أظن في نهاية المطاف أنّ أحداً منّا ينكر ضرورة استبعاد الدخان من محافل ومجالس الجد والبحث والتقدير والإكبار والرقي، واستفتِ قلبك أيها المدخن وإن أفتوك وأفتوك.

أخيراً: لنكن نحن من نوجّه متماسكين بالتزامنا بما نقول ﴿لم تقولون ما لا تفعلون﴾ ولنكن مثلاً طيباً يحتذى به، وأنموذجاً خيراً لهم بتوثيقنا إذ نتكلم ونعلّم، رقماً وحكماً وزماناً، فنحن إن لم نوثق، فلن يثق سامعنا وطالبنا بنا بمتابعة التحذير من الدخان، وما يشابه الدخان، من مواد وتصرفات وسلوكيات، كالسرعة في القيادة، والإسراف في الطعام، والإمعان في العناية باللباس، واللانظافة، والإهمال...

وأحب أن أقول: من ابتلي بالتدخين، فلا يمنعنه ابتلاؤه من دعوة الآخرين إلى تركه، ولا يظنن أن الدعوة إلى ترك التدخين رفع عنه وجوبها بتدخينه أو بممارسة هذه العادة السيئة، فمن فعل السوء فليجتنب الدعوة إليه بل عليه الدعوة إلى نبذه فعسى ذلك يعينه على مجانبة السوء سلوكاً وعلى إزالة بعض إثم الفعل السيء بالقول والدعوة إلى الحسن. أملي أن نقلع عن كل سيء، ونفعل كل حسن في عالم لا دخان فيه ولا نار، ولا فساد ولا إيذاء ولتكن تلك الأبيات ختاماً طيباً:

إياك من عادة تلقيك في محن                   ولا سيما ما فشا في الناس من تتن

مفتّر الجسم لا نفع به أبداً                   ويورث الضر والأسقام في البدن

أفتى بحرمته جمع بلا شطط                   فاحذر مقالة من يرميك بالفتن

فلا يغرنك من في الناس يشربه                   فالناس في غفلة عن واضح السنن

يا ويح زوجته من نتن ريحته                   فكم تقاسي عناء طيلة الزمن

يُسر شاربه ما ضر صاحبه                   لا مرحباً بسرور عاد بالحزن

يقضى على المرء في أيام محنته                   حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن

والسلام عليكم

الدكتور محمود عكام

مفتي حلب    

التعليقات

شاركنا بتعليق