آخر تحديث: الجمعة 21 يونيو 2024
عكام


خطبة الجمعة

   
من صفات المجتمع المنشود: الاقتصاد العادل المتوازن

من صفات المجتمع المنشود: الاقتصاد العادل المتوازن

تاريخ الإضافة: 2007/08/03 | عدد المشاهدات: 2634

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون المسلمون إن شاء الله:

ونتابع الحديث عن سمات مجتمعٍ إسلاميٍ منشود، ومَن منّا يا إخوة لا يريد هذا المجتمع الذي نحكي سماته وصفاته وملامحه وأبعاده ؟ مَن منّا لا ينشد هذا ؟ من منّا لا يبغي أن تتحول مجتمعاتنا عبر الصفات إلى هذا المجتمع الذي نتكلم عنه ؟

إن المجتمع المنشود حسب معطيات القرآن الكريم والسنة الشريفة وحسب سيرة سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة الصحابة والتابعين والعلماء العاملين إلى أيامنا هذه هو:

1- مجتمع العبودية لله جلت قدرته. 2- مجتمع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 3- مجتمع الحرية . 4-مجتمع الشورى. 5- مجتمع العدل. 6- مجتمع التكافل والرخاء. 7- مجتمع التسامح. 8- مجتمع الاقتصاد المتوازن العادل. 9- مجتمع العلم والمعرفة. 10- مجتمع الأخلاق والقيم . 11- مجتمع القوة والجهاد. 12- مجتمع التطور والتقدم.

كان آخر ما تحدثنا عنه في الأسبوع الفائت عن صفتين أو ملمحين من ملامح المجتمع المنشود وهما: مجتمع التكافل والرخاء ومجتمع التسامح، وها نحن أولاء اليوم وصلنا لنتحدث عن مجتمع الاقتصاد العادل المتوازن.

ونحن إذ نطرح هذا لا نطرحه ـ كما قلت لكم ـ من أجل زيادة معلومة أو زيادة علم، لكننا لا نعدل عن زيادة العلم والمعلومة في حياتنا، لأن الله عز وجل قال: ﴿وقل ربي زدني علماً﴾، إلا أننا نبتغي من وراء زيادة المعلومة والعلم أن نحوّل هذا الذي نتعلمه ونتعرف عليه، أن نحوله إلى واقع، وأن يبذل كل منّا الجُهد والجَهد من أجل هذا، لأننا نستشعر مسؤوليتنا على مستوى الجمع من دون استثناء، فكلنا مسؤولون أيها الإخوة، كلنا مسؤولون عن بناء هذا المجتمع الذي نتحدث عن سماته وصفاته، وليس ثمة إنسان يمكن أن ينعتق من هذه المسؤولية:

أنت أيها الرجل، وأنت أيتها المرأة، أنت أيها التلميذ، أنت أيها الطالب، أنت أيها الرئيس، أنت أيها الوزير، أنت أيها المدير، أنت أيها الشيخ، أنت أيها العالم، أنت أيها الجندي، أنت أيها الضابط... أنتم جميعاً يا أبناء مجتمعنا على اختلاف اختصاصاتكم وتنوع مناصبكم، أنتم يا أبناء المجتمع إني لأتوجه إليكم جميعاً من أجل أن أحمّلكم مسؤولية بناء المجتمع المنشود.

مجتمع الاقتصاد العادل المتوازن: سأرسم أمامكم لوحة تقصّ عليكم هذه السمة، وآمُل أن نكون على وعي ونحن نستمع ونقرأ ونشاهد مثل هذه الأمور:

أولاً: إن الموضوع الأساس، وإن الركن الأسّ للاقتصاد هو: المال، فكيف نظر الإسلام إلى المال ؟

ـ الأمر الأول: المال في نظر الإسلام: هو وسيلةٌ لخدمة الخير. أوَليس النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (نِعم المال الصالح للرجل الصالح) ، فالمال وسيلة لخدمة الخير، بل إن الإسلام سمّى المال: خيراً على سبيل المجاز المرسل، فباعتبار أن المال وسيلة لخدمة الخير، فأضحى المال خيراً، والله عز وجل قال عن المال إذ سماه خيراً: ﴿وإنه لحب الخير لشديد﴾ ولقد أجمع كل المفسرين على أن الخير هنا هو: المال. والله عز وجل قال أيضاً عن المال وهو يسميه الخير:﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين﴾ أي إن ترك مالاً.

 فالأمر الأول في نظرة الإسلام للمال: أنه وسيلة لخدمة الخير وللخير، بل إن الإسلام سمّاه: خيراً، حتى لا تنحرف بالمال عن خدمة الخير، وحتى لا تخدم بالمال غير الخير، وحتى لا تتوجه بالمال إلى غير الخير.

ـ الأمر الثاني: حذر الإسلام من الافتتان بالمال، ومن أن يكون المال غايةً بحدّ ذاته، فالمال ليس فتنة وليس غاية:﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون﴾.

فالإسلام حذر من أن تَفتتن أو أن تُفتتن في المال، فالمال ليس غاية، أنت تجمع المال لا للجمع بذاته، وأنت تسعى من أجل جلب المال ليس من أجل جمع المال، وأنت غير مفتتن بالمال، وإياك أن تدخل في ساحة أولئك الذين افتتنوا بالمال، فلقد قال سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما في الترمذي: (لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال)، وقال الله عز وجل:﴿لا تمدنّ عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى﴾.

إذا ما تطلعت أنت من داخلك وظاهرك إلى المال، ووجدت أنك ستذهب ضحية الافتتان، والافتتان سيؤدي بك إلى أن يكون المال غايةً بحد ذاته، وبالتالي ستحاول جمعه من حلالٍ وحرام فتذكر ربك، وتذكر بأنك خلقت لتعبد ربك لا لكي تجمع المال، وها هو سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول كما في الطبراني: (إن الله لم يأمرني أن أجمع المال ولا أن أكون من التاجرين).

ـ الأمر الثالث: أيها الإنسان هذا المال الذي بين يديك ليس مالك، وليس ملكك، وإنما المال الذي بين يديك هو مال الله، وضعه أمانة عندك، وإذا كان المال الذي بين يديك هو مال الله، وقد وضعه الله أمانة عندك، فعليك أن لا تخالف أوامر من أمّنك على هذا المال.

الله عز وجل وضع هذا المال عندك وقال لك: هذه الأمانة اصرفها هنا وهنا وهنا وإياك أن تصرفها هناك أو هناك. فما بالك يا أيها الإنسان لا تنظر إلى هذا الأمر نظرة وعي وجدّ ؟! وبالتالي مالي أراك تبدد المال حيث لم يأمرك ربك أن تصرفه، لماذا تضع المال حيث لم يأمرك من ائتمنك عليه أن تصرفه ؟! مالك تخون الأمانة ؟! لِم أنت خائن في هذا المال الذي هو أمانة عندك ؟! ولذلك جاء في الصحيح ـ وكلنا يعرف مثل هذا الحديث ـ (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع - وفي رواية: عن خمس- : عن عمره فيم أفناه، وعن جسده فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعما عمل فيما عمل)  فيا أخي : كن أميناً على مال الله الذي أمّنك عليه.

ـ الأمر الرابع: من أسس التعامل مع المال، ومن نظرة الإسلام للمال أن قال لك: حينما تتعامل مع المال عليك أن تجتنب أموراً:

_ الربـا: يقول الله عز وجل ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ، (لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه) كما جاء في البخاري ومسلم.

- الغـش: والرسول عليه وآله الصلاة والسلام قال كما في البخاري ومسلم: (من غشنا فليس منا) أوليس الله عز وجل قال: ﴿ويل للمطففين* الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون* وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون* ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون* ليوم عظيم* يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾.

- الاحتكار: وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يحتكر إلا خاطئ)، فلا تحتكر عن الناس طعامهم ولا شرابهم ولا بيوتهم، الناس يعانون اليوم في بلادنا من احتكار ثلة ظالمة لنفسها وظالمة لغيرها يعانون من هذا الاحتكار، هنالك من يحتكر الطعام والشراب والسكن، ربما كنت أنت محتكراً للسكن ولكنك لا تدري، فهنالك كثيرون كثيرون يحتاجون إلى بيت يضمهم، إلى بيت يؤويهم، لكنهم لا يجدون لأن ثمة في المقابل من يملك عشرات البيوت، ولو قدّر لي الأمر لنصحت القائمين على الأمر، و لنصحت أولياء الأمور: أن يصدروا مراسيم تمنع التجارة بالبيوت، لأن البيوت ضرورات، ولأن السكن ضرورات، وبالتالي إياك والتجارة فيما يحتاجه الناس، وفيما يضطرون إليه.

- التجارة بالمحرمات المؤذيات: أتريد أن تتاجر بالمحرمات وبالمؤذيات لمجرد أنك تجمع من هذه التجارة مالاً كثيراً ؟ صرنا نسمع في مجتمعنا من يظهر غناه فُجأة، يقال عنه: إنه يتاجر بالمخدرات. صرنا نسمع كثيراً هذا، قد يكون هذا كما يقال: دعاية أو كلاماً عاماً أو إشاعة... لكن اسمعوا مني وتأكدوا بأن الإشاعة عادة لا يمكن أن تصدر عن فراغ.

فيا أيها المتاجرون بما يؤذي الناس: اتقوا الله، يا أيها المتاجرون بما يضر الناس في صحتهم، في عقولهم: اتقوا الله، أيها المتاجرون بدين الناس: اتقوا الله، أيها المتاجرون بعرض الناس: اتقوا الله، أيها المتاجرون بعقول الناس: اتقوا الله، أيها المثقفون المتاجرون بالثقافة التي تغضب الله: اتقوا الله. أنصحكم أن تتقوا ربكم عز وجل.

- الترف والسرف: والفرق بينهما أن الترف: تريد من ورائه شخصك، تريد أن تتنعم بما زاد عن الضرورة والحاجة والتحسين، فالترف إنفاق على شخصك. أما السرف فهو: إنفاق على غيرك، ولكن حيث لا ينفع مثل هذا الإنفاق، تنفق على غيرك بما يضر غيرك، هذا سرف. وأما الترف فهو أن تنفق على نفسك بما يضر نفسك، بما لا يتناسب ونفسك، بما يؤذي نفسك، فإياك والترف.

إذاً التعامل مع المال مرفوضة فيه أمور:

فلا ربا ولا غش ولا احتكار ولا تجارة بالمحرمات ولا بالمؤذيات ولا ترف ولا سرف.

لكن كيف تتعامل مع المال ؟ أقول لك بكل بساطة: تتعامل مع المال بالتكسب المشروع، بالصناعة المشروعة النافعة، بالتجارة الصادقة، فالتاجر الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، بالزراعة الناجحة النافعة، بالتجارة الطاهرة الصالحة، بالكسب المشروع.... (ومن خرج يسعى على عياله) هكذا قال سيدنا وقائدنا ورائدنا وقرة عيوننا محمد عليه وآله الصلاة والسلام: (من خرج يسعى على عياله) عبر طريق مشروعة، عبر تكسب مشروع: بتجارة صالحة صادقة، بزراعة نافعة صالحة، بصناعة نافعة جادة واعية توافر فيها كل شروط المشروعية. (من خرج يسعى على عياله) على بلده وفق هذه المعايير (من خرج يسعى على عياله فهو في ذمة الله، فإن عاد إلى أهله عاد مغفور الذنوب، وإن مات ـ في عمله هذا النظيف الطاهر ـ مات شهيداً).

أيها الإخوة المسلمون: المال هو موضوع الاقتصاد الأول، وسيلة للخير، بل هو خير إن كان وسيلة للخير، إياك أن تفتتن به ثانياً، ثالثاً: المال مال الله، وهو أمانة عندك، فتصرف به وتصرف فيه وفق أوامر ووفق تعاليم من ائتمنك على هذه المال، رابعاً: أهم قواعد التعامل مع المال: لا ربا لا غش لا احتكار لا تجارة بالمحرمات ولا بالمؤذيات ولا ترف ولا سرف... فإذا ما تعاملت مع المال، فتعامل بتجارة صالحة صادقة وتكسب مشروع وزراعة نافعة وصناعة نافعة جادة أيضاً.

هذه هي صورة المال التي أردت أن أرسمها أمامكم، وسأتمم قواعد الاقتصاد التي أتى بها ديننا، سأكمل ذلك في الأسبوع القادم، وأسأل الله عز وجل أن يوفقنا لنرسم بفعلنا وعملنا وحركتنا وكل سلوكنا وشؤوننا، لنرسم ما نتعلمه من القرآن الكريم والسنة الشريفة.

اللهم اجعلنا لكتابك الكريم من التالين القارئين المتدبرين، ولسنة نبيك من المتبعين الموالين قولاً وفعلاً وحالاً وسلوكاً، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ: 3/8/2007

التعليقات

شاركنا بتعليق