آخر تحديث: الجمعة 21 يونيو 2024
عكام


خطبة الجمعة

   
الخوف المذموم

الخوف المذموم

تاريخ الإضافة: 2007/10/26 | عدد المشاهدات: 4037

أما بعد، فيا أيها الإخوة المسلمون:

جاءني رجل يهتم بتربية الأطفال ويمارس هذا العمل التربوي ويقوم على رعاية التلاميذ والطلاب، سألني: دلني على وسيلة، على أمر، على قضية، أتوجه بها إلى هؤلاء التلاميذ والطلاب من أجل أن يكونوا حسب التعبير الدارج لَبِنَات صالحات في مستقبل طيب نظيف طاهر.

قلت لهذا المهتم السائل: لعلنا إن استطعنا أن نقوم بمحو وإزالة الخوف من نفوس وقلوب أبنائنا وطلابنا فإننا نكون بذلك قد حققنا شيئاً جيداً لمستقبل طيب منشود.

قال لي: وماذا تعني بالخوف الذي يجب أن نزيله وأن نمحوه ؟ قلت له: الخوف الذي أعنيه هو الخوف الذي يورث الذل، هو الخوف الذي يقتل الإبداع، هو الذي يجعلك تُستَخَف، وبالتالي تطيع من استخفَّك، كما فعل فرعون بجماعته، خوَّفهم فخافوا فاستخفهم: ﴿فاستخف قومه فأطاعوه أعني بالخوف ذاك الذي لم يرضه ربنا عز وجل لأوليائه فنفاه عنهم ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

الخوف الذي يجب أن نزيله من نفوس وعقول أبنائنا هو ذاك الخوف المستتبع للذل والقهر، ولا تصدق أن مجتمعاً أفراده خائفون لا يمكن لهذا المجتمع أن يتقدم أو يتحضر، وأعتقد أن مجتمعنا اليوم وأعني المجتمع في البلاد العربية والإسلامية مجتمع خائف مقهور، يخاف الولد من والده، وأتكلم عن خوفٍ يستجلب ذلاً، ويستجلب قتلاً للإبداع، يخاف الولد والدَه، ويخاف الوالدُ ولده، ويخاف التلميذ أستاذه، ويخاف الأستاذ تلميذه، ويخاف الجار جاره، وتخاف الزوجة زوجها، ويخاف الزوج زوجته، ويخاف المستمع متكلمه، ويخاف المتكلم مستمعه. نجتمع على أساسٍ من أن الواحد منا يخاف الآخر، يخاف من ذاك الذي يلقاه أيعدُّ عليه سقطاته وعيوبه ؟ هل يَسلمُ منه بعد إذ يفارقه ؟ هل سيكون على مأمنٍ من جانبه إذا ما أخطأ أمامه أو إذا أفصح عن فكرة لم تكن لتعجب الآخر ؟ القضية أعتقد بأنها واضحة، كلنا يخاف من كلنا، وكلنا يخاف من نفسه، وكلنا يخاف ممن حوله، يخاف الإنسان أن يتكلم عما يجول في داخله لأنه لا يدري فلربما عوقب والعقاب في غير محله، ربما عوقب بالتشهير من قِبل أخيه، من قبل جاره، من قبل صديقه، من قبل شيخه، من قبل معلمه، من قبل ضابطه، من قبل هذا المسؤول عنه، وهكذا دواليك، أَزِل الخوفَ أيها المربي، وربِّ تلميذك وطفلك وطالبك على الشجاعة التي هي أسٌّ من أسس بناء حضارة منشودة، المجتمع الخائف لا يمكن أن يتحضر.

قال لي: وكيف أقضي على هذه الخصلة التي لا تريدها صفةً لأبنائنا ؟ قلت له: تعالَ لأحدثك عن أسباب وجودها، وبالتالي إن عرفنا أسباب وجودها عرفنا كيف يمكننا أن نربي أبنائنا على ضدها، على الشجاعة.

أسباب وجودها أيها المربي المسؤول عن الأطفال:

تربية فاشلة تستنبت بذور الخوف من مستقبل موهوم: الوالد يقول لولده: يا بني، انتبه فأمامنا مستقبل، لا تفعل هذا يا بني فأمامك مستقبل، قل لوالدك هذا الذي يخوّفك من المستقبل: ما ملامح المستقبل الذي تتحدث عنه ؟ سيسكت، ولن يستطيع الكلام، التربية الفاشلة تستنبت بذور الخوف من مستقبل موهوم، من حرصٍ على الدنيا، لا تفعل هذا يا أخي، لا تنفق مالك كله فإنك لا تدري فلعل الأيام السوداء آتية، يخوفك من مستقبل موهومٍ قاتم قادم، يخوفك من مستقبل يحمل كل الشؤم في طياته، يستنبت بذور الخوف فيك. هذه تربية فاشلة، لا أريد أن استنجد التاريخ، لكنني مضطرٌ بين الفينة والأخرى حتى أعيد لشبابنا، لأبنائنا، الحركة الانفعالية اللازمة، هل تذكرون عبدَ الله بن الزبير، هذا الذي أمه أسماء، حينما حُكم عليه بالإعدام جرَّاء فعلة نبيلة، لأنه كان فارساً، كان شجاعاً، ولأنه كان صادقاً في قول الحق، ذهب من أجل أن يقضى عليه تحت إطار هذا الحكم، التفت إلى أمه فرأته يبكي. ما يبكيك يا عبدَ الله ؟ قال: يا أماه، أنا لا أبكي خوفاً من القتل، ولكنني أعلم أن هؤلاء سيقتلونني، ثم سيمثلون بي، التفتت إليه أمه صاحبة التربية الناجحة التي لا تستنبت بذور الخوف من أجل مستقبل موهوم، قالت له يا بني: امضِ، وإياك أن تعطي خصلة من دينك مخافة القتل، إن الشاة إذا ذبحت فلن يضيرها السلخ. ومضى عبد الله. نحن نحتاج إلى تربية مُشجّعة لا تستنبت بذور الخوف في القلوب من أجل مستقبل موهوم يحمل شؤم متشائم. لا نريد هذا.

السبب الثاني للخوف المرفوض ضعف الإيمان بالله وبالقدر: نحن نتحدث عن إيمان بالله وإيمان بالقدر، لكننا حيال الإيمان بالله وحيال الإيمان بالقدر لا نتمتع بقدرٍ كافٍ يمكن أن يطلق علينا على أساس هذا القدر بأننا مؤمنون بالله وبالقدر، أين إيماننا بالحديث الذي كررناه أكثر من مئة مرة على هذا المنبر وسمعتموه آلاف المرات ؟ : (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.

أين الإيمان بالقدر ؟ أين الإيمان بالله عز وجل الفعَّال لما يريد: ﴿كلا إن مع ربي سيهدين أين الإيمان بالله وبالقدر وبأن القدر مكتوب ؟ وقد قلت لكم مرة وأكرر اليوم: إن الإيمان بالقَدَر لدى الصحابة الكرام ولدى أولئك العظام الذين ساروا على خطى سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى خطى المصلحين الذين أثَّروا في الدنيا تأثيراً إيجابياً، إن إيمان هؤلاء بالقدر كان دافعاً لهم من أجل الشجاعة والإقدام، لكن إيماننا بالقدر اليوم هو دافع من أجل التراجع والانهزام، فالخوف الذي نتحدث عنه هو الانهزام الداخلي، وأعتقد أن أغلبنا منهزم داخلاً أمام أي أمر من الأمور، أمام رزق جاءه اليوم قليلاً، أمام عدو لا يملك الكثير من العتاد، أمام دراسة يريد أن يتمها، إن الخوف والانهزام الداخلي أضحى اليوم ساكناً قلوبنا، وأضحى ساكناً أفئدتنا، وساكناً عقولنا، وبالتالي فلسنا قادرين على أن نواجه أي أمر يستلزم منا بعضاً من شجاعة، أو قلة قليلة من إقدام وجسارة، فالسبب الذي يدفعنا للخوف هو ضعف الإيمان بالقدر، فانظروا إيمانكم بالقدر، ومحِّصوه، وافحصوه، وانظروا نتائجه وآثاره، فالأمور بالنتائج والأمور بالمقاصد والعبرة بالنهاية والخواتيم.

يقف العز بن عبد السلام أمام الملك أيوب فيقول له: يا أيوب ما حجتك عند ربك حينما تقف بين يديه ويقول لك: ألم أبوِّئك مصر، فكيف تبيح الخمور هنا وهناك ؟ فقال الملك أيوب للعز بن عبد السلام: أوَ هذا حاصل ؟ هل هنالك خمور تباع هنا وهناك ؟! قال العز بن عبد السلام: نعم، وها أنا أذكر لك حانة فلان، وحانة فلان، وهما حانتان قائمتان تبيعان الخمور . فقال الملك للعز بن عبد السلام: هذه الحانات ليست من عهدي وإنما هي من عهد أبي وأنا لم أنشئهما. التفت إليه العز بن عبد السلام قائلاً: أأنت من الذين قالوا ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة فخالفت باتباع آباءك تعاليم ربك ؟

نحن بحاجة إلى أن نؤمن بالقدر، قال ذلك العز بن عبد السلام وهو يعلم تماماً ويوقن تماماً أنه ما من شيء سيصيب الإنسان إلا سيصيبه، فليكن مؤتمراً بأمر ربه من حيث الدعوة إلى الله، ومن حيث أسلوب الدعوة إلى الله عز وجل.

السبب الثالث للخوف التعلق بالدنيا: هذه مشكلتنا، نحن متعلقون بالدنيا، وليت أن الدنيا تعلقنا بها كانت دنيا بالمعنى الصحيح الكبير، لكنها دنيا صغيرة وحقيرة، وكما قلت لكم أيضاً في مرة من المرات: ليت الغني عندنا كان غنياً بالمعنى الصحيح والجدير واللائق بهذه الكلمة، الغني عندنا إذا ما عُدَّ بجانب الأغنياء في العالم فليس بغني، وعلى الرغم من هذا فإننا متعلقون بالدنيا تعلقاً يجعلنا نخاف وننهزم داخلياً على هذه المكتسبات التي بين أيدينا وهي في حقيقتها ليست بشيء، فما بالنا لا نذكر صباح مساء قول الله عز وجل: ﴿لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى ما بالنا لا نذكر قوله تعالى: ﴿ولا تعدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبعَ هواه وكان أمره فرطاً. وقل الحق من ربكم ما بالنا لا نذكر قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في صحيح الإمام مسلم: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء) ضعوا وقايةً بينكم وبين الدنيا حتى لا تدخل الدنيا قلوبكم، فإذا دخلت قلوبكم جعلتكم خائفين منهزمين، لأن الإنسان الذي يتوجه إلى الدنيا ومتاعها بالعبادة وبالطاعة فهذا إنسان تعيس: (تَعِسَ عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميصة، تَعِسَ وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش) التعلق بالدنيا وتغريغ القلب للدنيا سبب من أسباب وجود الخوف المذموم فينا، الخوف الذي يعني الانهزام الداخلي.

من أسباب الخوف الظلم: يحق للمظلوم أن يخاف، إذا كان العدل سائداً فلا خوف، لكن إذا حلَّ الظلم محلَّ العدل فإن الخوف سيسكننا جميعاً، أنا أخاف لأن من حولي سيظلمني، أو لأنني سأظلم، فيحق لهذا الذي معي أن يخاف وأن ينافق، النفاق والخوف مُفرَزان يفرزهما الظلم، الظلم يفرز خوفاً، ويفرز ابتعاداً عن الإنسانية، ويفرز نفاقاً، ولو أن العدل كان سائداً ما خافَ من خاف. أنا أخاف لأن من أمامي لا يعدل، أخاف إن تكلمت أن يعطي هذا الذي يُحكَّم في هذه الكلمة حكماً جائراً لأنه لم يلتزم العدل، أخاف من أي شيء حولي ما دام الظلم يحيط بي ويلمُّ بي، لذلك أقول لكل المسؤولين عن القطاعات المختلفة سواء أكانت هذه القطاعات صغيرة أو كبيرة: اعدلوا هو أقرب للتقوى، هو أقرب للشجاعة، هو أقرب للأمان، هو أقرب للسلام، هو أقرب للإطمئنان.

أيها الأب: عليك أن تكون عادلاً فذاك أدعى من أجل أن يأمن أولادك، ومن أجل أن يطمئنَّ أولادك، أيها الولد: هيا إلى العدل فذاك أدعى من أجل أن تأمن أسرتك ومن أجل أن تعيش أسرتك شجاعة، أيها الحاكم، أيها القاضي، أيها الضابط، أيها المسؤول، أيها الإنسان أينما كنت، وأنت تمتلك مساحة مسؤولية صغيرة كانت أم كبيرة: عليك أن تعدل لأنك إن عدلت فسيكون ذلك سبباً للأمان، وسبباً من أجل أن ينهزم الخوف الذي هو بحد ذاته انهزام داخلي يعيشه الإنسان، وإذا ما عاشه الإنسان كان مضطرباً وقلقاً وبالتالي لن يكون منتجاً، ولن يكون فاعلاً، ولن يكون صاحب إنجاز.

استلم سيدنا أبو بكر الخلافة فوقف يؤمن الناس من خلال العدل: "أيها الناس، وُلِّيتُ عليكم ولست بخيركم، إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني" فأنا أسمع منكم وأنا أسعى للعدل بكل ما أوتيت من قوة، من أجل أن يأخذ مَن أمامي حقه الذي أراده الله عز وجل له، "الصدق أمانة، والكذب خيانة. القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له الحق، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم".

العدل يهزم الخوف، فهلا عدلنا حتى يعيش أبناؤنا أيها الأستاذ في مدرسته، أيها المعلم، أيها الأستاذ في جامعته، في كليته، أيها المسؤول حيثما كنت: أريدك عادلاً حتى يكون هؤلاء الذين تتوجه إليهم بالتربية شجعاناً، لأن العدل يستجلب الشجاعة ويقضي على الخوف، ويقضي على الانهزام. في المجتمع العادل كل الناس لا يخافون، لكن في المجتمع الظالم كل الناس يخافون، وبالتالي لا يستطيعون أن ينتجوا، لأنهم على موعد مع شيء مجهولٍ مرعب، فأنىَّ لهم الإنتاج، وأنى لهم أن يعملوا على ما يعود عليهم بالنفع في دنياهم وأخراهم.

يا ربنا أسألك بحقك وبأسمائك وبسرك أن توفقنا من أجل تربية ناجحة لا نستنبت فيها بذور الخوف في قلوب أطفالنا وأبنائنا من مستقبل موهوم مشؤوم، أسألك يا ربنا أن تقوي إيماننا بك وبالقدر، أسألك يا ربنا ألا تجعل قلوبنا معلقة بالدنيا، وأن تجعل الدنيا في أيدينا نعمل من أجلها، ولكن لا نعيش من أجلها، وفقنا يا رب من أجل أن نكون عادلين في أحكامنا وفي كل شؤوننا، نعم من يسل أنت ونعم النصير أنت، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ: 26/10/2007

التعليقات

شاركنا بتعليق