آخر تحديث: الإثنين 15 يوليو 2024
عكام


خطبة الجمعة

   
ملامح من الشخصية الخُلُقية لرسول الله

ملامح من الشخصية الخُلُقية لرسول الله

تاريخ الإضافة: 2008/03/14 | عدد المشاهدات: 2950

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

حينما يتحدث الإنسان اليوم عن مشكلاته في بلادنا العربية والإسلامية فإنه يكثر الحديث عن مشكلة الأخلاق، ولعلك حينما تسأل عشرة أشخاص عن الأزمة التي تلفّنا وتحيط بنا فإن ثمانيةً منهم سيقولون: إن الأزمة أزمة أخلاق، ونحن عندما ننظر أفرادَ مجتمعنا بشكل عام، أو حينما تعير أذنك لمشتكٍ، فسترى أن زوجاً يشتكي من سوء خلق زوجته، وأن والداً يشتكي من سوء خلق ولده، وأن ولداً يشكو من سوء خلق والده، وقِسِ الصديق على ذلك، والزميلَ والشريكَ... فالشكوى تنصب أكثر ما تنصب اليوم على الأخلاق، وعلى عدم الالتزام بمبادئ الأخلاق، وأنا أتحدث عن المسلمين بشكل عام.

نحن الذين نقول عن إسلامنا وعن ديننا بأنه دين أخلاق، ونحن من نردد في مدارسنا وفي جامعاتنا:

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت       فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

نحن الذين نقول في حكمنا: بالعلم ترقى الأمم، وبالأخلاق تسود.

أقول هذا وأنا أريد الحديث اليوم وبمناسبة ذكرى ميلاد سيد الخُلُق العظيم، سيد الخلق الحسن، سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أريد الحديث عن ملامح من الشخصية الخلقية لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، مذكراً نفسي وإياكم بضرورة اتخاذ هذه الشخصية أسوة لنا في حياتنا في ميدان الأخلاق وفي كل الميادين، ولكننا حينما نتكلم عن أزمة أخلاقية فإني أرجو من كل فرد من أفراد مجتمعنا أن يتقلد خطا الحبيب الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ميدان الأخلاق، ولنجعل عنوان احتفالاتنا لهذه السنة بالمولد النبوي الشريف الأخلاق.

من ملامح الشخصية الخلقية لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه أُمر بالأخلاق الحميدة من قبل ربه، فها أنذا أقول له يا سيدي يا رسول الله: أُمرت بالخلق الحميد الحسن فقال لك ربك على سبيل المثال: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ وقال لك ربك على سبيل المثال: ﴿واخفض جناحك للمؤمنين﴾ وقال لك ربك على سبيل المثال أيضاً: ﴿فاعفُ عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين﴾ فبادرتَ يا سيدي يا رسول الله، وأنا تعمدت أن أذكر هذه الآيات التي تصبُّ في مصب الرحمة والعفو والصفح وخفض الجناح للمؤمنين، بادرت يا سيدي يا رسول الله فطبقت أيما تطبيق، ونفذت أعظم تنفيذ، ولما فعلت ذلك شهد الله بأنك فعلاً نفذت وطبقت وكنت المثل والأنموذج فشهد لك بقوله: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾.

من منا لا يحب أن يحمد ويذكر ويمتدح بصفة الخلق الحميد الحسن العظيم، لقد مدح الله نبيه لأن نبيه طبّق، ولأنه أجاد في التطبيق، ولأنه أحسن التنفيذ لما أمر الله به فقال له: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾، ثم قال ربي يحكي عن نبيه: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ وأيضاً هذه شهادة.

سيدي رسول الله ها أنذا أرسم من ملامح شخصيتك الخلقية فأقول أولاً: أمرت فنفذت وشهد لك بذلك من قبل من أمرك. وهل ثمة شهادة أعظم من هذه الشهادة التي جاءت من رب العزة جلت قدرته.

ثانياً: وأنت تنفذ، دعوتَ هؤلاء الذين معك، قلت لهم أتريدون أن أحدثكم عن أكملكم إيماناً ؟ من منا لا يريد أن يكون إيمانه كاملاً ؟ من منا لا يريد أن يدخل في منافسة عنوانها كمال الإيمان مع إخوة له مؤمنين ؟ رسول الله يقول لنا أتريدون أن تعرفوا من هو الأكمل إيماناً ؟ الجواب: لا شك نريد أن نعرف. إذاً اسمعوا. دعوتَ فقلت: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) ولم يقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكمل المؤمنين إيماناً أكثرهم صلاة، ولم يقل أكثرهم صدقة، ولم يقل أكثرهم عطاءً وإنما قال: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً).

إنها دعوة وكلنا حريص على أن يكون إيمانه كاملاً، بل وكلنا حريصون على أن يكون إيماننا أكملاً: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)، ويقول عليه الصلاة والسلام وهذا يدخل يدخل تحت عنوان الدعوة، أمرت، نفذت، شهد لك بذلك، فها أنت تدعو من حولك من أجل أن يتخلقوا: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلقٍ حسن)، خالق الناس ولم يقل خالق المؤمنين أو المسلمين، بل قال خالق الناس كلهم على اختلاف أديانهم، على اختلاف أعراقهم، على اختلاف مذاهبهم، يا ناس نحن مدعوون اليوم على مستوى العالم كله من أجل حسن خلق نقدمه للناس، فإن حسن الخلق هو الباب والطريق والبوابة والنافذة من أجل أن يتعرف الناس على ديننا وهم يروننا وقد حسنت أخلاقنا، وإلا فلا أعتقد أن ثمة إنساناً يريد أن يتعرف على ديننا، وهل يريد هذا الذي يتعرف على ديننا يريد أن يتعرف على دين حسب ظنه ورأيه أبرز أناساً لا أخلاق لهم ؟ يريد أن يتعرف على ديننا بجد عندما يرى أننا نمثل الأخلاق الحسنة أيما تمثيل، وخالق الناس بخلقٍ حسن، يقول عليه الصلاة والسلام عندما يدعو المؤمنين إلى الخلق، ولن أذكر كل دعواته صلى الله عليه وآله وسلم، ولكنني سأقتصر على دعوته المؤمنين إلى صفة لا أروع ولا أجمل كما جاء في صحيح الإمام مسلم: (إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد) اسمحوا لي أن أقف هنيهة عند التواضع، أتريد أن تكون مقبولاً عند زوجتك أيها الزوج ؟ عند زوجكِ أيتها الزوجة ؟ عند تلميذك أيها الأستاذ ؟ عند أستاذك أيها التلميذ ؟ عند زميلك أيها الموظف ؟ عند أخيك أيها الأخ ؟ عند شعبك أيها الحاكم ؟ عند موظفيك أيها المدير ؟ طبّق التواضع، تخلق بخلق التواضع: (إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد) مشكلتنا أننا نشمخ بأنوفنا، وما أدري سبباً لهذا الشموخ الذي لا يحوي أي مبرر أو مسوغ وإنما مسوغه ومبرره هو أننا رفضنا التواضع على سبيل العناد والاستكبار لا أكثر ولا أقل، دعوت إلى الخلق فقلت: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)  وقلت يا سيدي يا رسول الله: (وخالق الناس بخلقٍ حسن) وقلت أيضاً: (إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا) بعد أن دعوت، طبقت أيضاً، والأمثلة جد وفيرة وكثيرة، وها أنذا أذكر بعضها، فيا سيدي يا رسول الله ما أجملك، ما أعظمك، ما أحسن خلقك عندما دخل عليك عمار بن ياسر فرحبت به وقمت وقلت كما جاء في الترمذي: (مرحباً بالطيب المطيّب) هل يدخل الواحد منا اليوم على ذي مسؤولية أكبر منه أو على ذي منصب أرفع أو على من هو في المساحة الاجتماعية محترَم أكثر لمنصبه ووظيفته فيقوم هذا الإنسان ويرحب به ؟ إننا بحاجة إلى أن ندرس هذه الشخصية الخُلقية يا ناس، تدخل عليه ابنته فاطمة كما جاء في البخاري كأن مشيتها مشيته فيقوم لها ويجلسها على يمينه ويقول لها: (مرحباً بابنتي). وانا لا أذكر هذا من باب الحكاية وإنما أذكر هذا من باب أنني أعرض عليكم أوصاف من تقولون أنتم بأفواهكم بأنكم تنتمون إليه، بأنكم تتبعونه على مستوى القمة وعلى مستوى القاعدة، على مستوى الرئيس والمرؤوس، على مستوى المدير والتابع، على مستوى الأستاذ والتلميذ، على مستوى الأب والولد، على مستوى كل الفئات بين بعضها.

يأتي وفد النجاشي فيقوم النبي بنفسه بخدمتهم، يقول الأصحاب رضي الله عنهم يا سول الله نكفيك هذا، يقول عليه الصلاة والسلام: (لا، أريد أن أكافئهم بنفسي لأنهم كانوا لإخواننا مكرمين).

أيها المستعلي، بالله عليك، قل لي ما الذي يدفعك لاستعلائك إلا أنك لا تمتلك مضموناً يمكن أن تُحترم على أساسه، لما أصبحت فارغاً جهدت في أن تكون مستعلياً لأن استعلاءك ينمُّ عن أنك إنسان لا تحوي في داخلك قيمة إيجابية تستحق على أساسها التقدير، لما وجدت ذلك في نفسك استعليت، أيها المستعلي أينما كنت: أعَلى إخوانك ؟ أعَلى المؤمنين ؟ أعَلى شعبك ؟ أعَلى موظفيك ؟ ! أعَلى أولئك الذين يقولون لك نحن معك، نحن إخوتك ؟ أيها المسؤول، أيها الوزير، أيها الأب، أيها الأستاذ، أيها الضابط أينما كنت: (أريد أن أكافئهم بنفسي لأنهم كانوا لإخواننا مكرمين) سيدي رسول الله: أكرمت، دعوت إلى الخلق الحسن فطبقت، تواضعت، أكرمت، رحمت، وهذه صفات يستحق من يقوم بها ويتصف بها التقدير والثناء، أوليس الله قد أنثى عليه لأنه طبّق، فمن باب أولى أن نقول لك يا سيدي يا رسول الله: نعمَ صاحب الخلق الحسن الحميد أنت، نعم الرجل الذي لا يُقاس بك الرجال أنت، سيدي رسول الله أنت الرجل الأفضل، وأنت الرجل الأعظم، وأنت الرجل الأتقى، وأنت الرجل الأنقى، وأنت الرجل الأبرّ، وأنت الرجل الذي ما عهدنا له في الخلق مثيلاً. هذه شهادة مني وأين مكانة شهادتي من شهادة ربك، لكن يجب أن أشهد لك يا سيدي يا رسول الله من أجل أن أقول للناس اليوم إن من يتكلم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم سوى ذلك فهو جاهل، ولن أتهمه بأكثر من هذا، تعرفوا عليه يا من تريدون الحديث عنه، يا من تريدون الكلام عنه، تعرفوا عليه فسترون بعد التعرف إذ تكيلون له المدح مهما كان فإنكم مقصرون، سيدي رسول الله قد مدحك الإمام علي، ومن كعلي ؟ من كعلي في العقل، في التقدير، في المنطق، في الصدق، في الأمانة ؟! صف لنا رسول الله، يقول الإمام علي كرم الله وجهه ورضي عنه: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوسعَ الناس صدراً، وأصدقهم لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة" فيا هؤلاء في الغرب أو في الشرق، لا أريد أن أقول سوى أنكم جاهلون، ونحن لا نتكلم مع الجاهلين حتى يتحولوا إلى عارفين، إنكم جاهلون فورب الكعبة ما عرف النبيَّ أحدٌ إلا شهد له بما شهد له علي، إلا شهد له بما شهدت له السيدة عائشة عندما قالت كما جاء في طبقات ابن سعد: "كان رسول الله أبر الناس، كان رسول الله أكرم الناس، كان رسول الله بساماً ضحاكاً" فيا هؤلاء من منكم أعرف بالنبي من زوجه، من السيدة عائشة الإنسانة العاقلة النابهة التي عاشرت النبي وعاشت معه، التي عرفته ؟ أتراها كانت كاذبة ؟! حاشاها رضي الله عنها، أتراها كانت مبالغة ؟ حاشاها رضي الله عنها. أتصدقونها أم تصدقون أناساً لا خلاق لهم، أناساً جاهلين يتحدثون عن رسول الله بما لا يعرفون ؟ يتحدثون عن رسول الله بما يجهلون سواءً أكانوا عرباً أم غير عرب، سواء أكانوا مسلمين بحسب الظاهر أم غير مسلمين. يا أيها المسلمون: ثقوا برسول الله فورب الكعبة إن رسول الله لحق، وإنه لرسول الله، وإنه لأفضل خلق الله، وإنه لأعظم خلق الله، وإنه لأرحم خلق الله بخلق الله، شئتم أم أبيتم، لا نقول هذا من باب المبالغة والمجازفة، لكنها المصادر تنبئ عن ذلك فارجعوا إليها يا من تبتغون معرفة حقيقة الأشياء من مظانها ومن مصادرها.

عذراً يا سيدي يا رسول الله، لقد شهد لك خادمك، هذا الذي خدمك عشر سنوات وهو سيدنا أنس فقال: "ما رأيت أحداً أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان رسول الله ألطف الناس بأهله".

المشكلة ليست في رسول الله، لا ورب الكعبة، المشكلة فينا نحن الذين غيّرنا وبدّلنا وإذ بنا نرى أناساً يتكلمون على رسول الله، لكنهم إذ يتكلمون على رسول الله لا يتكلمون عنه ورب الكعبة، يتكلمون علينا، لأننا نحن الذين أسأنا إلى انتسابنا لهذا النبي الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم فأعطينا الآخرين فرصة، وأعطينا الآخرين تسويغاً من أجل أن يتحدثوا عن الأصل، لكن الأصل طاهر، لكن الأصل نظيف، لكن الأصل عظيم، وما ذنب الأصل إن كان الفرع مقصِّراً، وما ذنب الأصل إن كان الفرع مغيِّراً، وما ذنب الأصل إن كان الفرع قد حاد عن الطرق القويمة، وما ذنب الأصل ؟

أرجو كما بدأت الحديث، أرجو من نفسي وإياكم أن تكون هذه الذكرى في هذه السَّنة مخصصة للحديث عن خلق رسول الله، وللتخلق بأخلاق رسول الله، وللمحاولة الجادّة من أجل أن نكون على مستوى أخلاق المسلم الذي ينتمي بصدق وأمانة لصاحب الخلق العظيم، لمحمد عليه الصلاة والسلام. فيا أمتي هيا إلى أخلاق، هيا إلى ترديد قول نردده باستمرار: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت، ولننظر أنفسنا، فإن كنا بقينا فنحن على خلق جيد وحسن، وإن كنا ذهبنا فلنُعد إلى ساحاتنا المكانة التي ضاعت منا من خلال عودة صادقة واعية إلى الأخلاق الحميدة الحسنة التي جاءت آيات في القرآن الكريم، وجاءت أوامر من النبي الأعظم، وجاءت نصائح منه عليه الصلاة والسلام، وجاءت وصايا، نحن اليوم ذاهبون على اللغة التي قالها شاعرنا: فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا، نحن ذاهبون لأن أخلاقنا ذهبت، أتريدون أن نبقى ؟ فبالأخلاق نبقى وبسوء الأخلاق نذهب، وإذا كنا اليوم ذاهبين وأردنا أن نبقى ذاهبين متلاشين لا نُرى ولا نعتبر ولا نحترم، فلنبقَ على طريق تضييع الأخلاق وانعدام الأخلاق وسوء الأخلاق، وإن أردنا العود إلى المكانة، إلى البقاء برأس مرفوع ومجدٍ يتغنى به بأمانة، فلنعد إلى رحاب الأخلاق، لأن الأخلاق في الإنسان هي الأصل، وهي الأساس، وقد مُدح سيدي رسول الله بقول الله عز وجل وكان هذا هو المديح الأكبر: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾.

أسأل الله أن يجعلنا على قدم الاتباع الحق والصادق والأمين لصاحب الخلق العظيم محمد عليه الصلاة والسلام، وكل عام وأنتم بألف خير، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ: 14/3/2008

التعليقات

شاركنا بتعليق