آخر تحديث: الثلاثاء 17 مايو 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
سبل القضاء على النكبة

سبل القضاء على النكبة

تاريخ الإضافة: 2008/05/16 | عدد المشاهدات: 2885

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

بالأمس مرت ذكرى أليمة، ذكرى موجعة، ذكرى محزنة، ذكرى يتفطَّر لها القلب ويحزن لها الفؤاد، ذكرى نكبةٍ ألمّت بمكان مقدس، ذكرى نكبة أطاحت بأرض بارك الله حولها وباركها، ذكرى نكبة أتت على إخوة لنا في الدين، في العروبة فشردتهم وأبعدتهم عن ديارهم وأوطانهم، ذكرى نكبة حملت بيدها سكين اغتصاب لتنهال على بناتنا في فلسطين وعلى نسائنا وعلى أطفالنا. فيا أيتها البلد المنكوبة يا فلسطين حسبك الله ومن قاوم من الشرفاء من المؤمنين من الرجال الذين يصدقون ما يعاهدون الله عليه، يا فلسطين لا زلنا على تفرقنا ولا زلنا على جهلنا ولا زلنا على الحال التي لا تسعفنا لنكون من المنافحين عنكِ أيتها البلد العزيزة الغالية، بالله عليك يا فلسطين لا أريد منك ِ أن تعتمدي على أمة مفرقة اليوم، لكن ومن منطلق الأمل ومن منطلق الوطنية ولا أقول من منطلق السياسة، فالسياسة اليوم تكاد تقترب من الغرضية القذرة، لذلك من منطلق الوطنية ومن منطلق الإيمان ومن منطلق الحب لأرض الله الحبيبة، آمل أن يبحث أبناء الوطن العربي والإسلامي بحثاً جدياً عن سبلٍ تقضي على النكبة التي ألمت بها وتمحو آثارها وتزيل عقابيلها السوداء، يا فلسطين لكِ الله يا فلسطين فيك أولى القبلتين فيكِ ثالث الحرمين، ولكن الناس الذين يؤمنون بالقدس على أنها أولى القبلتين لم يصلوا بعد إلى مستوى الدفاع الصادق والمقاومة الناجعة التي تؤدي إلى تحريركِ من أيدي مغتصبين آثمين حاقدين أعداءٍ للإنسانية والبشرية، فيا أمة الإسلام على مختلف الأمكنة التي تشغلونها ويا أمة العرب أتريدون بالنسبة لي بيان سبل القضاء على النكبة التي ألمت بنا ؟ أتريدون اقتراحاً مني من أجل تبيان ما يمكن به أن نواجه النكبة بنصرٍ مؤزر ونصر قريب، لا أريد أن أكون بلاغياً لكنني أريد أن أكون معكم إبلاغياً ومبلِّغاً، يا أمة الإسلام في بلد عربي في كل بلد إسلامي تظاهرتم في ذكرى النكبة ما أظن أن التظاهر سبيلٌ من سبل القضاء على النكبة وإن كان التظاهر مظهراً مقبولاً إلى حدٍ ما لكنني أخشى أن يكون هذا التظاهر هو كل ما يمكن ان تقدموه وتقولوه في مثل هذه الذكرى الأليمة المُحزنة الكاسحة لعواطفنا التي غدت باردة نحو أمور أساسية في حياتنا بل مقدّسة، يا أمة الإسلام يا أيها الحكام: سبل مواجهة النكبة أمور:

أولاً: الوحدة التي تفرز تعاوناً وتباذلاً وتكافلاً وتضامناً ورعاية وحباً ونصحاً: اذكروا قول الله عز وجل عندما قال: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا﴾، يا أيها القائمون على الأمور في بلادنا العربية والإسلامية: هيا إلى صنع التضامن والتعاون والتآزر والتفاهم مع بعضكم ومع شعوبكم، هيا إلى حرية تمدون بساطها لشعوبكم، هيا إلى رفض التخوين فيما بينكم، هيا إلى رفض التبعية لأذناب إسرائيل بل لخدّام إسرائيل من حكام لأمريكا أو حكام لبلدان غربية، وأريد أن أؤكد على هذا، هيا إلى رفض التبعية لحكام أمريكا الذين أتوا بالأمس إلى تل أبيب من أجل أن يباركوا للمستعمر الغاصب الآثم استعماره واغتصابه ومن أجل ان يُقروا هذا المستعمر الذين يعرفون من قرارة أنفسهم أنه محتل وأنه غاصب وأنه آثم وأنه حاقد، وعلى الرغم من هذا وقفوا مهنئن مكبرين ووقفوا يتشدقون وها هو كما سمعتم – وليس من عادتي أن أذكر رؤساء أو أسماء على منبري – ولكنني أقول وها هو الرئيس الأمريكي المشؤوم الذي وقف فتمنى أن يرى العيد المئة والعشرين لإسرائيل ومعه حكام بلاد غربية وقفوا يؤيدونه فلعنة الله عليهم أجمعين من غير استثناء، وأؤكد على أنني إذ أتكلم عن الحكومات الغربية فلن أتكلم عن الشعوب الغربية لأنها لا يمكن أن يعمم عليها الحكم كما يعمم على حكام الغرب.

الوحدةَ، الوحدةَ أيها العرب والمسلمون، هيا أيها الحكام فاتركوا تبعيتكم وانحناءكم وسجودكم وارتباطكم بغربٍ لا يريد إلا إذلالكم ولا يريد إلا القضاء عليكم ولا يريد إلا أن يحشركم تحت أقدام شذاذ الآفاق حتى وإن ابتسم لكم وضحك في وجوهكم، اسمعوا ما قال: إنه يأمل أن يمحو من على الخارطة المقاومين، هكذا قال زعيمهم الملعون، يريد أن يمحو المقاومة والمقاومين يريد أن يمحو كل من يبغي إرجاع حقه، يريد أن يمحو كل من يريد أرضه كل من يريد بيته، فيا أيها الحكام ويا أيتها الشعوب هيا إلى وحدة مفروضة عليكم من قبل ربكم إن كنتم مؤمنين بالله، وإن كان الأمر غير ذلك فتوبوا إلى بارئكم واقتلوا أنفسكم الشريرة لتكون مكانها أنفساً خيّرة وكفانا، أتنتظرون ذكرى للنكبة تتجاوز الستين وتريدون أن تصدّقوا وتصادقوا على ما قاله هذا الرجل الآثم البغيض حينما رجا أن يأتي العيد المئة والعشرون على إسرائيل ؟

إذاً: سبل مواجهة النكبة الوحدة، والوحدة تفرز تعاوناً وتفرز رعاية وتفرز حماية وتفرز نصحاً تفرز ابتعاداً عن فتنة مذهبية وفتنة دينية يريدها العدو قوية بينكم، يريدها العدو فاصلاً كالجدار الذي أقامة بينكم، يريدها العدو لمقاتلة أبناء دينكم أبناء وطنكم فلا تستجيبوا من خلال ما يملي عليكم عدوكم بل عليكم أن تلتفتوا إلى ما يمليه عليكم ربكم، قفوا أمام كلام ربكم واسمعوا له وأنصتوا إذ يقول: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا﴾.

السبيل الثاني، العلم: ولطالما ذكرت هذا الأمر على أنه ضرورة من أجل مواجهة النكبة من أجل القضاء على العدو، العلمَ يا شبابنا، العلم يا حكوماتنا نريد أن تكون ميزانيات وفيرة للعلم والبحث العلمي والمعرفة، فالعلم فريضة ﴿وقل ربِّ زدني علماً﴾ ولا أريد أن أدلل بما جاء في القرآن الكريم عن العلم وضرورته، فالأدلة كثيرة ووفيرة بل كل القرآن دليل كامل ومتكامل على أن العلم هو أس النجاح وهو أس القضاء على عدو معتدٍ غاشمٍ آثمٍ حاقد، إن إسرائيل لم تعد فيها أمية لكن بلادنا اليوم تطغى عليها أمية قاتلة أمية ممزوجة بجهالة جهلاء أمية ممزوجة بترفٍ لا يمتّ إلى الإنسانية بصلة، أمية تحمل في طياتها ضياعاً وتهويمات تريد من شبابنا أن يعيش في فراغٍ قاتل وأن يعيش أثير شهواته ونزواته، القنوات التي تبث الفجور والفسوق كثيرة، والقنوات التي تبث الأمور التي لا تضر ولا تنفع كثيرة، والقنوات التي تبث الفتن كثيرة ، غير أننا لا نلمس قناة تبث خيراً لشبابنا وأمتنا تبث دعوة إلى الوحدة، تبث دعوة وتشجيعاً إلى علمٍ ومعرفة، تبث دعوة صادقة إلى أمرٍ يفيدنا في وطننا في أنفسنا في حياتنا.

السبيل الثالثة من أجل مواجهة النكبة، الإيمان: أريد أن أجري مقارنة بسيطة. كلنا يعلم أن دولة إسرائيل تقوم على عقيدة على إيديولجية دينية. انظروا إلى العمق الديني الإيديولوجي الذي تقوم عليه إسرائيل وهو عمقٌ إيماني إن جاز لنا أن نسميه كذلك عمق إيماني بباطل يقوم على باطل، أما نحن أيها المسلمون فعمقنا الإيماني حق يقوم على حق لكن الفرق بين عمقنا الإيماني وعمقهم الإيماني أن عمقنا الإيماني الحق مختلفٌ فيه، وأن عمقهم الإيماني الذي يقوم على باطل متفقٌ عليه، عمق إيماني يقوم على باطل متفقٌ عليه في مواجهة عمق إيماني يقوم على حق مختلف فيه. هذا يكفِّر هذا، وهذا لا يعترف بهذا، وكلنا يقول عن فلسطين بأنها قضية عربية وإسلامية لكن العرب فيما بينهم مختلفون فأين العمق الإيماني الموحِد لكم أنتم أيها المسلمون أيها المنادون بهذه القضية على أنها قضية إسلامية عربية ؟ إذا كانت العروبة اليوم لا تلقى أتباعاً موحَدين عليها وإذا كان الإسلام لا يلقى أتباعاً موحَدين عليه فالبلد العربي يعادي البلد العربي الآخر والفئة المسلمة الفلانية تعادي الفئة المسلمة الفلانية وهم جميعاً يقولون بأن قضية فلسطين قضيتهم، هذا تناقض لم نعهد له نظيراً في سجلات تاريخنا ولا في سجلات تاريخ الآخرين، لذا فنحن في بؤسٍ نسدر، وفي ذلٍ نشرب كأسه باستمرار، يا أيها المسلمون انظروا إيمانكم بربكم وانظروا أشباهكم من المؤمنين بربكم وتعاونوا معهم ولكن تنظروا إلى ما يبذره عدوكم إلى بذور خلافات فيما بينكم. اتفقتم على أصول (ذاق طعم الإيمان) هكذا يقول سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً) هؤلاء الذين تقاتلونهم وتقتلونهم ويقتلونكم يقولون آمنا بالله رباً وبالإسلام ديناً. أين إسلامكم الجامع لكم ؟ إنا إذاً لمن الخاسرين إذ نسمع وإذ ننفخ أبواق الفتنة التي أعطيناها من قِبل عدوٍ لدود يتربص بنا الدوائر.

السبيل الرابعة لمواجهة النكبة، تحديد العدو ومواجهته ومقاومته: بكل ما نملك على أساس من وحدة وعلى أساس من علم وعلى أساس من إيمان، هذا العدو هو إسرائيل عدوٌ بامتياز، هذا العدو هو الصليبية المتصهينة التي تمثلها الحكومة الأمريكية وسائر الحكومات الأوربية اليوم إلا من رحم الله وهؤلاء قلة قليلة، عدوكم واحد هكذا تقولون، وكما قال أحد العلماء في يوم من الأيام: إن لم يوحدكم إسلامكم فليوحدكم عدوكم الواحد. إسرائيل لا تريدكم على الأرض لا تريد بلدكم على الخارطة، تريد أن تضعكم في البحر والنحر تريد أن تقضي على كل ذرة حياة فيكم سواء كانت هذه الحياة مادية أو معنوية، والحكومة الأمريكية كذلك والزعماء الغرب كذلك متفقون ومتصهينون لكننا نحن الضحية الجاهلة الغبية التي لا تفكر بقاتلها لكنها تفكر بضحية أخرى بجانبها، أنفاسها أكثر من أنفاسها، فهي تعاديها لكثرة أنفاسها ولا تلتفت إلى القاتل إلى الجلاد لأن الجلاد أراد ذلك أراد منكم أن تكونوا ضحايا ينظر بعضكم إلى بعض نظرة عداء ونظرة كراهية ونظرة بغضاء وإذا ما نظرتم إليه فسيضحك في وجوهكم وضحكته هذه خبث وألم وحزن عليكم لأنه أخركم إلى هذا الوقت فلم يقتلكم سابقاً.

فيا أمة الإسلام، يا أمة الإيمان، يا أمة محمد، يا أمة علي، يا أمة أبي بكر، يا أمة عمر يا أمة عثمان يا أمة الصحابة يا أمة آل بيت رسول الله... أما آن الأوان ؟ أتريدون أن نحتفل في العام القادم أيضاً بالذكرى الواحدة والستين وأن نخرج متظاهرين وأن نرفع كلمات التقريع والرعب ؟ أتريدون أن نبقى كذلك ؟ إذن سنُصدِّق مقولة ذلك الفاسق المجرم الزعيم الأمريكي وسنبقى كذلك إلى سنة تتجاوز المئة والعشرين فلا تكونوا كذلك. أناشدكم الله أن نكون على مستوى الوحدة التي تفرز تعاوناً وتباذلاً وتضامناً، وأن نكون على مستوى لائق بانتمائنا لديننا، لإسلامنا من حيث العلم والمعرفة، وأن نكون مؤمنين بالله حقاً نستمد منه الطاقة والقدرة، وأن نعرف عدونا ونحدده وهو إسرائيل ومن سار في فلكها جهاراً وعلناً وإن كان بعض أبناء جلدتنا يسيرون في فلك إسرائيل فإننا لن نعتبرهم أعداء ولكننا سنعتبرهم إخوة بغوا علينا، فيا هؤلاء عودوا إلى رشدكم لأنكم تقولون بألسنتكم بأن إسرائيل عدوكم فمن أجل هذا أنتم إخوة لنا على الرغم من أنكم تتبعون السيد المتكبر لكننا لن نتكلم عنكم على أنكم أعداء فأنتم إخوة لكنكم شردتم، ونحن "نسعى إلى إدخال من شَرَد، لا إلى تشريد من دخل"، فيا هؤلاء لستم أعداءنا وإنما أنتم إخوتنا وسنبقى نقول لكم بالكلمة المرتفعة الصوت أحياناً، سنقول لكم عودوا إلى رشدكم عودوا إلى إسلامكم الذي تُظهرونه، عودوا إلى إيمانكم الذي تدَّعون أنكم تنتسبون إليه وإلى مواجهة مع عدوٍ هو عدونا ألا وهو إسرائيل ومن معها جهاراً وعلناً ومن يقف معها بكل بجاحة ووقاحة.

وأسأل الله عز وجل أن يوفقنا لما فيه خير البلاد والعباد، فاللهم كن معنا ولا تكن علينا، وإذا أردتَ فتنة في قوم فتوفنا غير مفتونين، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ: 16/5/2008

التعليقات

شاركنا بتعليق